الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 457 الرجوع إلى "الثقافة"

حيرة العالم

Share

العالم الآن كله قلق مضطرب حائر ، وسبب قلقه واضطرابه وحيرته أنه في حربه الأخيرة هدم كل معتقداته السياسية والاقتصادية والأجتماعية ، ولم يستطع أن يبني جديدا غيرها .

ثم إن المبادئ العتيقة - مبادئ القرن التاسع عشر وما قبله - لا تزال متأصلة في نفوس القادة والزعماء ومن بيدهم زمام الأمور الدولية ؛ وليس في إمكانهم إعادة هذه المبادى العتيقة في القرن العشرين ، لأن الشعوب تنورت ، ولا في إمكانهم هم أن يعتنقوا مبادئ القرن العشرين ، لأن عقولهم تحجرت .

أعتاد رجال السياسة أن يعلنوا على الملأ أن الحروب التي تقع إنما يبعث عليها أغراض نبيلة ، مثل حماية الديمقراطية - وما يتبعها من حرية الشعوب - من الانهيار ، ومثل حماية الأمم الصغيرة من عدوان الأمم الكبيرة ، ومثل المحافظة على حرمة المعاهدات ، ومثل دفع الخطر الذي يهدد أمنهم ونحو ذلك ؛ وكانت هذه الأقوال تجوز على الشعوب فيصدقونها - وكان رجال السياسة يعلمون نفسية الشعوب وإنها لا تستجيب إلا للمثل الأخلاقية مهما ضعفت أخلاقها ، وانحلت في سلوكها ، فكان هؤلاء الساسة يستغلون هذا الشعور النبيل في الإنسان ، فيهيجونه لمصلحة

الحرب ، وكانت الشعوب عمياء تستجيب عن غفلة لهذه الدعوات ، وتلبي الدعوة متحمسة للمبادئ الأخلاقية ، التى يبينها الزعماء ويعلنونها بشتى وسائل الدعاية ، ويمهرون في نشرها .

وإلى ذلك أفسد هؤلاء الساسة اللغة ، فاستعملوا الألفاظ في غير معانيهما ، كالديمقراطية والحرية وحقوق الأقلية ونحو ذلك ، فهذه الألفاظ لها معان في موضع ، ومعان أخرى في موضع آخر حسب المصلحة ؛ فجلاء الجيوش الروسية عن إيران عدل وداع إلى السلام ، وجلاء الجيوش البريطانية عن مصر ليس عدلا وليس داعياً إلي السلام ؛ وحق إيرلنده في الانفصال عن بريطانيا معقول ومقبول ، وحق الباكستان في الانفصال عن الهندوس ليس معقولا ولا مقبولا ! وحق اليونان والأسبان ومصر في تقرير مصيرها يقاس مقاييس مختلفة ، ومطالبة السوريين واللبنانيين بالاستقلال وخروج الفرنسيين عن هذه البلاد مطلب عادل ، ومطالبة المغاربة بجلاء الفرنسيين عن بلادهم وتمتع أهل البلاد باستقلالهم مطلب غير عادل . ولكل هذه الحالات المماثلة ألفاظ غير متماثلة ، فهذه الأشياء المتماثلة تسعى بحق تقرير المصير إذا دعت الحال ، وحق الانتداب أو الوصاية إذا دعت الحال ، وبالحرية إذا

اقتضى الأمر ، وبالأخذ بيد الأمة حتى تنضج إذا اقتضى الأمر ، وهكذا من العبث بالألفاظ والمنطق عبثا يستدعي العجب .

هذه كانت عقلية الساسة والقادة في القرن التاسع عشر وما قبله ، ولكنها عقلية عتيقة قد أنشقت وظهر عقمها ، وتنبهت الشعوب ، سواء منها الشرقية والغربية ، وفهموا أن ما يقولونه من البواعث على الحرب ، والطنطنة بالمبادىء الأخلاقية من حرية وديمقراطية ومحافظة على المعاهدات ، ليست إلا ستاراً مموها يخفي وراءه البواعث الحقيقية على الحرب ، وأهمها الخوف وحب السيادة ، الخوف على ضياع المركز الممتاز الذي تتمتع به بعض الدول الكبيرة ، وحب السيادة وما يستقبعه من ثمرة قومية وعصبية وطنية ، ثم بعد ذلك بواعث اخرى ، كالسيطرة الاقتصادية والحصول على المواد الخامة في البلدان المختلفة ، وتصريف السلع ، ونحو ذلك مما يرمي إلى غنى الأمة وعظم ثروتها هذه هي البواعث الحقيقية للحروب لا المبادىء الأخلاقية ، وإنما اتخذت المبادئ الأخلاقية ستارا استغلالا لنفوس الشعوب الطبية بطبعها .

وهذا الستار المزيف قد أتقنت صنعه المدنية الحديثة فأبدعت نقشه وتصويره بما اجادت فيه من فن وتصوير وتهويل ، واستخدموا لذلك اللغة والأدب وفن الدعاية وفن التمويه ، وفن الكذب ، وفن الصحافة والإذاعة الخ ، حتى خدع الناس فصدقوه . وقد كان الناس قبل هذه الحضارة المموهة صادقين ، إذا حاربوا قالوا إنا نحارب للغلبة والأستيلاء والإخضاع والغنيمة ، ولما تقدم الناس في العقلية ولم يتقدم رجال السياسة معهم جاءوهم من ناحية التزييف والتلفيق والكذب ،

ولكن عمر الكذب مهما طال قصير ، فقد نظر الناس إلى الساسة فرأوهم يقولون ما لا يفعلون ، ورأوا وعودا تبذل في الحرب لا تتحقق في السلم ، اماني تنفق

في إسراف حتى إذا جاء موعد القبض فات الأبدى إلي الأعناق ، والحريات الأربع لا تتحقق منها حرية واحدة ، وميثاق الأطلنطي ليس ميثاقا وإنما هو بهلوان ! وغضبت الشعوب غضب الرجل من آخر قد ظهرت خدعته وتكشفت سريرته ، ووجدت هوة عميقة واسعة بين الحاكمين والمحكومين ، والمستعمِرين والمستعمَرين ، والمنتصرين في الحرب والمهزمين ، وبعض المنتصرين مع بعض المنتصرين ؛ وضعفت ثقة العالم بالمؤسسات المنشأة للتعاون والتفاهم كمجلس الأمن ، وهيئة الأمم ، وزاد معسكر المتشائمين وتضاءل معسكر المتفائلين . وأدرك العقلاء أن سر هذا يرجع إلى أن من بيدهم أمر العالم فئة قد تربت في أحضان الماضي ، وعلمت على البرامج العتيقة التي تشيد بمجد الوطن وحب الاستعمار والتمدح بالغلبة ، ولابد لعلاج الحال من تعميم مناهج للتعليم تنشئ العقلية الجديدة على حب الإنسانية والإخاء العام ، لا فرق بين شرقي وغربي ، وروسي وأمريكي ، وأسود و أبيض . وسيظل العالم في حيرته واضطرابه وقلقه حتى يتم تنشئة الجيل الجديد ويتسلم هو زمام الحكم . إذ ذاك يفهم العالم أن أسخف الطرق إذا حصل نزاع بين أمتين أو معسكرين أن تعمد كل منهما إلى السلاح فتقتل العدد العديد من الأخرى ، ولا يزال التقتيل على أشده حتى تستسلم الأمة الأخرى أو المعسكر الآخر ، فإن معنى هذا بالبداهة أن ليس الحق هو الذي انتصر وإنما القوة هي التي انتصرت ، وكثيرا ما تكون القوة بجانب الباطل ، ومعنى هذا أيضا بالبداهة سكوت المنهزم على مضض حتي يقوى فيحارب . وهكذا تتسلسل الحروب .

ومما زاد الأمر سواء في الحيرة والقلق والاضطراب ، أن الحرب - وخاصة الحرب العالمية الأخيرة - قد عبثت بالأخلاق عبثا كبيرا ، وويل للأمم إذا زلزلت أخلاقها ، فالحرب فتحت الأبواب على مصارعها لأحط الأصناف من

الشعوب وأسوئهم أخلاقا ليستغلوا ظروف الأمة في الحرب أسوأ استغلال ، بالإتجار بالأعراض والاتجار في السوق السوداء وباستخدام وسائل الرشوة واستغلال السلطات الممنوحة لهم بحكم الظروف استغلالا شنيعا وضيعا . وترتب على ذلك انقلاب الأوضاع الاجتماعية في الأمم ، فعلا فيها أغنياء الحروب فقراء الأخلاق ، وهبط فيها من تمسكوا بالفضيلة وحرصوا عليها مهما جر ذلك عليهم من فقر ؛ وضعف شأن العفة في الأمم المحاربة ، وتعلل بعض النساء بأنهن يبذلن عفتهن أداء لواجب الترفيه عن الجنود ، وترتب على ذلك أضرار اجتماعية لا حد لها ، إلى كثير من أمثال ذلك مما زلزل

القواعد الأخلاقية التي تبني عليها الآمة حياتها . وكما عبثت الحرب بالأخلاق عبثت بالحقائق ، فالدعايات في الصحف والمجلات والإذاعات لا تستند على حق ، وكل معسكر من المتحاربين جرح المعسكر الآخر بقليل من الحق وكثير من الباطل ، ثم توصف أعمال الغدر والخيانة والتقتيل بأنها أعمال بطولة ، وتوصف أعمال البطولة بأنها أعمال غدر وخيانة ، إلي كثير من أمثال ذلك .

هذه البلبلة في السياسة وفي الأخلاق وفي الحقائق هي التي جعلت العالم الان في حيرة ، لأنه فقد قديمه ولم يجد بعد جديده .

اشترك في نشرتنا البريدية