الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 407 الرجوع إلى "الثقافة"

حيرة ورجاء

Share

إن الإنسان ليعجب كيف يغلب على الناس وهم يتناقشون هنا في مصر أن يحتدم الجدال وتعلو الأصوات وتهتاج الأعصاب ، ويخرج المتناقشون عن حدود اللياقة ويقذف كل منهم خصمه بأشنع التهم ويوجه إليه أقسي الألفاظ ، ولا يتحرج آخر الأمر من ان يعرض بأمانته وبنزاهته.

واعجب من هذا وأغرب أنه قد لا يمضي زمن طويل حتى تسمع من بعض هؤلاء المتناقشين أنفسهم دفاعا عن الرأي الذي كان يتجهم له ، وتحمسا لجانب المناقشة الذي كان بالأمس يهاجمه ، وانحيازا لفكرة هي عكس الفكرة التى كانت تبدو في أحاديثه قبل مرور ذلك الزمن القليل .

لاحظت هذا مرارا فى حالات مختلفة وظروف متباينة وها أنا أورد هنا بعض الاحتمالات التي عنت لي في أثناء محاولة وزن تلك الظروف وتحليل تلك النفسيات التي صدرت عنها تلك الآراء المتبابنة وبدت منها هذه النزعات المختلفة ، فقد يكون في ذلك تعليل لهذه الظاهرة التي تبدو غريبة محيرة .

فأول ما لاحظته أن الإنسان في كثير من الأحوال يتأثر بعاطفته نحو مناقشه وشعوره الشخصي بإرائه أكثر مما يتأثر بالآراء التي تبدو من هذا الناقش وبما تنطوي عليه من حكمة واتزان وما يكون فيها من وجاهة ورجاحة واتفاق مع المنطق .

فإذا كان المناقش من حزب سياسي معارض أو كان من أسرة بينها وبين أسرة الطرف الثانى منافسة او خصومة أو عداء مستحكم أو كان من المتمتعين لدى الكبراء وذوي النفود بحظوة يحسده عليها مناقشه ويتمناها لنفسه ، أو كان من السعداء الذين وافاهم الحظ في هذه الدنيا ففازوا بالجاه والمال والنفوذ والشهرة ، بينما كان الخصم ممن تنكر لهم الزمن فرماهم بالحرمان والخيبة والأنزواء ، على الرغم مما قد يكون

لديه من مواهب واستعدادات تفوق ما لدى مناقشه . كل هذه عوامل نفسية قد تطغي علي وجه الحق في المناقشة وتجعل الدم يغلى في نفوس البعض فتؤدي بهم إلى تلك الحال التي وصفناها ونحاول تحليلها.

والظاهرة الثانية التي لاحظت أنها تؤدي إلي تغير ملحوظ في اتجاهات الفرد أثناء المناقشة هي اختلاف الظروف من حيث نوع الجلساء الذين يحضرونها ؛ فالشخص حين يجد نفسه وسط انداد وزملاء متحمسين لفكرة قد تنم عن شئ من الشجاعة أو العزة أو الوطنية أو ما شاكل ذلك ، تراه يندفع في متابعتها بقوة ويدافع عنها بحرارة ويتحمس لها إلى درجة تخرج به أحيانا عن الحدود الواجبة ، وتجري علي لسانه ألفاظا قد تبدو نابية .

لكن هذا الشخص نفسه إذا وجد نفسه في جلسة من نوع آخر تضم والدا شديدا أو رئيسا قاسيا أو شخصا يرجو منه محدثنا نفعا أو يخشى منه ضرا ، تجده قد اتخذ اتجاها غير ذلك الاتجاه وقد فترت حماسته وتحسنت ألفاظه ولانت عباراته وبدا الحذر في أسلوبه ، وقد ينسى نفسه فيجدها بعد قليل تؤمن على آراء هؤلاء الأشخاص ذوي النفوذ الذين يحضرون الجلسة ، ولو كانت هذه الآراء على عكس ما كان يدافع عنه في الجلسة الماضية التي سادها التحمس الذي أشرنا إليه منذ لحظة.

والظاهرة الثالثة هي ان الإنسان كثيرا ما يتأثر في آرائه بحالته الصحية ؛ فما يصدر منه وهو معافى في بدنه ، منشرح الصدر في قرارة نفسه ، هادىء الأعصاب غير متعب ولا مجهد ( سواء أكان التعب والإجهاد جسمانيا أو عقليا ) - ما يصدر عنه وهو في هذه الحالة قد يختلف اختلافا كبيرا ، بل يكون على نقيض ما يصدر عنه وهو عليل متبرم ضيق الصدر مهتاج الأعصاب .

وأخيرا أشير إلي ظاهرة متفشية ملحوظة ؛ وهي أن الكثيرين منا لا يتعمقون في التفكير العمق الكافي ، ولا

يزنون الظروف بميزان منطقي دقيق ، ولا يدرسون جوانب الرأي بحيدة ونزاهة غير متحيزة ولا مغرضة ، تبتغي وجه الحق وحده بقطع النظر عن أي اعتبار آخر .

ونتيجة هذا العيب في التفكير والتقدير أن الرأي الذي يبديه الشخص ويتحمس له لا يكون مرتكزا على أسس قوية راسخة من التفكير العميق والمنطق السليم والاقتناع البعيد عن الهوي ؛ ولذلك سرعان ما يتغير وجه الرأي البادي ويتحول البندول نتيجة لسماع رجل قوي الحجة مؤثر ، أو لدافع من دوافع الهوي أو النفع الشخصي ، أو غير ذلك من الظروف العرضية ؛ وإذا بالشخص ينتقل من الرأي إلي نقيضه وبتحمس له بنفس القوة ، ويخاصم ويعادى كما كان يفعل من قبل حين كان يدافع عن الرأي المضاد .

هذا بعض ما يعن للإنسان في تحليل هذه الظاهرة المتفشية المؤلمة التي تجعل المبادئ ، والأسس الفكرية والخلقية عديمة الاثر في تصرفاتنا ، وتؤدي إلى اضطراب في حياتنا العامة السياسية والاجتماعية - يبدو متجليا في الخصومات السياسية وفي انفصام العري العائلية وفي فساد العلاقات الشخصية ، وأخيرا في بعد تصرفات الأفراد في كثير من الحالات عن مقتضيات مراعاة المصالح القومية والواجبات الوطنية والالتزامات الاجتماعية والنزاهة الخلقية.

فهل من سبيل إلى اصلاح هذه الحال ؟ أظن أن طريق الإصلاح يتطلب معالجة أمور نجملها فيما يلى ، ونضيف إليها صفة لا غني لنا عن غرسها في النفوس إن أردنا صلاحا أساسيا من هذه الناحية ، ألا وهي التسامح :

فأول ما يجب علاجه عندنا هو الاندفاع وراء الهوي السعي المصلحة الخاصة فلا بد للانسان إن أراد أن ن متزنا منطقيا معقولا غير متنافض مع نفسه أن يسعى بإخلاص وراء تبين وجه الحق المطلق ، الذي لا تشوبه شائبة من غرض او تلمس مصلحة شخصية ، بل يكون

رائده في ذلك الوصول إلى الحقيقة وحدها وتبين وجه المصلحة العامة دون سواها

ويتتطلب الأمر بعد هذا تعمقا في الدرس والتفكير وتقليب اوجه الرأي كلها ، واحترام فكرة الغير وتقديرها ، وحسن الاستماع لها بغض النظر عن مصدرها مهما كانت مخالفة بل ومضادة للفكرة التى قد تكون قد فازت بشئ من الارتياح لدينا ، فكل إنسان عرضة للخطأ كما قد يكون مصدر إلهام للفكرة الصائبة التي قد تغيب عن بال الكثيرين بل والأغلبية العظمى .

وإذا اتجه الإنسان هذا الاتجاه فعليه أن يقدر تلك العوامل التي أشرنا من قبل إلى أثرها في تفسير آراء المرء ، وأن يحسب لها حسابا ويعذر مناقشه إن وقع تحت تأثير بعضها دون أن يشعر ، ويحاول ان يرده من وجه الخطأ برفق وهوادة وأدب وعطف وتقدير .

لو توافر لنا ذلك وما يستلزمه من تسامح مصدره احترام رأي الغير والحرص على الوصول إلى الحق زال عنا ذلك المظهر البغيض ، مصدر التعصب للرأي بشدة غير محمودة وبعنف بجر إلى أسوا العواقب وإلى تعكير صفو العلاقات والصداقات وعدم تبادل الاحترام ، وحل محله هدوء دائم وإقبال مستمر هما من مستلزمات الإقناع وكسب الخصم إلي ناحية الرأي الذي يبدو لنا صوابا.

وعند ذاك تختفي من الميدان ايضا تلك الظاهرة القبيحة والعادة السخيفة التي يجعل كل صاحب رأي يرمى مخالفه بالخيانة والتفريط وبيع الضمير ، الأمر الذي يكهرب الجو ويزيل كل أمل في التفاهم ويفقد الحجج قيمتها وأثرها في النفس ، ويخلف المرارة ويذكي العداوة ، وأخيرا يؤدي إلي تضحية المصلحة العامة واختلال موازين القيم الحقيقية للأشياء وللآراء ، وإلى تلك الفوض الفكرية والخلقية المؤلمة التي تسود جونا الاجتماعي ، وقد تجر إلي أسوأ العواقب إن لم نتكاتف على معالجتها في أقرب وقت بكل قوتنا . والله الموفق الهادي .

اشترك في نشرتنا البريدية