فن التخفي فن عرفه الطير والسمك والحشر وصنوف الحيوان من قديم الزمان ، فالكثير منها يعرف كيف يغير لونه وشكله ، إما صناعة أو طبيعة ، بما يلتئم مع بيئته
التي هو فيها ، فلا تكاد تميزه فيها أحد العيون بصرًا وأنفذُها شعاعًا . وعلى قدم هذا الفن في الحيوان نراه جديدًا جدًا في الإنسان ، فالإنسان لم يبدأ يأخذ في دراسته دراسة جدية إلا في الحرب العالمية الكبرى الماضية .
وانتهى الأمر بهذه الدراسة إلى أن خلقت في الجيش إلى جانب القواد وأمراء البحر رجالا آخرين حذقوا هذا الفن حتى بلغوا به مرتبة لا تنزل عن مراتب فن قيادة الحرب ذاتها ، وصار الرجل الذي يستطيع إخفاء مصنع
وتمويهه حتى يظهر كأنه عزبةٌ في الحقل ، أو يدلِّس في مظهر مدفع حتى لتأمن موقعَه طائراتُ الأعداء فتهبط قربه بقلوب مطمئنة مخدوعة ، صار هذا الرجل ذا خطر في الجيش والبحر لا يقل عن خطر من بيدهم مقدرات الجيوش والأساطيل .
وأوَّل عمل يقوم به فنَّان التخفِّي أن يصعد في طائرة فوق المصنع أو محطة السكة الحديدية ، أو أي مكان من الأمكنة الهامَّة التي يراد إخفاؤها . ومن الطائرة تؤخذ صُور فوتوغرافية عدِّة من تلك الأماكن . ثم على الأرض تُدرَس هذه الصور درسًا دقيقًا ، ليعرف الفنان أيُّ أجزائها أعونُ على تمييزها ، وأي نتوءاتها وألوانها تفضح كنهها ، ثم هو يقترح لها أشكالا وألوانًا تذهب بمميِّزاتها الظاهرة وتجعلها تندمج فيما حولها اندماجًا كاملا ، فلا يستبينها العدو الطائر إلا إذا نزل بطائرته قرب الأرض وهو لن يفعل بغير تعرض كبير للأخطار .
حتى المطارات أخفوها بهذا الفن إخفاءً شكا منه أهل الدار أنفسهم ، فكثيرًا ما حلَّقوا ثم حلَّقوا على المطار المعروف حتى استبانوه بعد لأْي . وبلغ من فنهم أنهم رسموا في رقعة المطار أشكالا تتراءى من عل كأنها الأغنام في مراعيها .
ومن الأمور التي يدرسونها في هذا الفن مسألة الظلال ، فالطيار المطل من طائرة لا يستبين من أجرام الأرض وبيوتها وقصورها ودورها إلا ظلالها ، ومن الظلال يُسْتَدَلُّ على هذه الأجرام وأحجامها ، وهم يعمدون إلى محو هذه الظلال بأثواب كأثواب الخيام يشدُّونها مائلةً على الجدران ، فتصبح المصانع العظيمة وأبنية المطارات
الضخمة وقد انعدمت في مظهر الريف الذي حولها . على أن توقع الحرب في السنوات الماضية جعل الأمم تراعي أصول فن التخفي في الأبنية الجديدة عند بنائها . لا سيما ما يحتمل منها أن يكون هدفًا عند الاعتداء . مثال ذلك أن انجلترا بها حظائر لا تحصى لإيواء الطيارات ، ولكنها في مأمن من الغارات لأنها بُنِيت وأنصافها غاطسة في الأرض ، وقد صُنعت سطوحها عقودًا محنية ليس فيها أركان أو زوايا ، وعلا هذه العقود طبقة من الأسمنت المسلح ، عليه طبقة من الطين غطَّتها الخضرة الشاملة والزهور المنبثقة فيها . وصارت لا تتبينها الطائرة ولو طارت على ارتفاع قريب .
ومما اهتم به هذا الفن الطرقات . فالطرقات أرشد دليل على ما تؤدي إليه من مصنع أو مطار أو معسكر أو حصن أو غير هذه من أهداف الطائرة المغيرة . فهذه عمدوا في سبيل إخفائها إلى الشباك ينصبونها فوق الطريق ، وقد يعززونها بفروع من الشجر يلقونها عليها .
والسكك الحديدية من الطرقات ، ولكن هذه ليس من السهل إخفاؤها . ولكن ما لا يُدرك كله لا يترك كله . من أجل هذا عمدوا إلى السكك التي لم يستطيعوا إخفاءها فأقاموا إلى جانبها أو على تقاطع معها سككًا كاذبة من قنوات محفورة في الأرض قليلة العرض تُملأ بالماء ليتراءى بريق الماء من أعلى كبريق الحديد على القضبان
الصادقة . فإذا جاءت الطائرات المغيرة ضلَّت بين الخطوط الصادقة والخطوط الكاذبة ، وأخاديد الأرض هذه تستخدم في أغراض كثيرة لتضليل العدو . مثال هذا إذا أريد تضليل العدو إلى معسكر كاذب حُضِرت تلك القنوات في الزرع الأخضر لتعطي وحدها أشكالًا من ظلال تتراءى من السماء كأنها ظلال الثكنات أو ظلال الخيام .
والطائرات كذلك لها ما يخفيها . فإن كانت من ذوات العلو القليل مما يُخشى أن تُرى من أعلاها من طائرة أكثر ارتفاعًا ، فهذه تُدْهَن بأخلاط من الأدهان المتجاورة على طريقة الفسيفساء ، وإن شئت قسمها طريقة الرقع أو الترقيع . وإن كانت من ذوات الصعود العالي مما يُخشى أن ترى من أسفلها ، فهذه تُدهن أجنحتها من أسفل باللون الأسود واللون الفضي ليمتزج اللونان بلون الليل الفاحم ونجومه الساطعة فيصعب على الأنوار الكشافة أن تراها .
وأخيرًا سفن البحار ، فهذه تدهن جوانبها بألوان عدة مختلفة براقة تجري في خطوط ذات اتجاهات عدة .
وليس الغرض من هذا إخفاءها ، وإنما إخفاء اتجاه سيرها على الغواصات والسفن المهاجمة . فهذه الألوان الوهاجة المتعرجة تبهر العين وتجعل من الصعب على الناظر البعيد أن يتبين إلى أية ناحية هي سائرة ، وكثيرًا ما نجت السفن وهربت في الحرب العظمى الماضية بهذه الحيلة .
