الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 319الرجوع إلى "الرسالة"

خاتمة

Share

إني والذي جعل العلماء ورثة الأنبياء - لأعجب  كل العجب ممن يقفون على تاريخ الإسلام وسيرة النبي عليه الصلاة والسلام  وممن يعلمونها في المدارس، ثم يغفلون عن قضية من أهم قضايا  التاريخ وأشدها ارتباطاً بعلم التوحيد وتأثيراً في تهذيب النشء

الإسلامي بل الإنساني الحديث، وإنشائه صحيح العقل، سليم  الفطرة، بعيداً عن كل لوثة وثنية أو جاهلية. إن كل من أحاط بالسيرة النبوية وسيرة الصدر الأول للإسلام  خبرا أنكر أشد الإنكار ما احدث الناس من البدع والجهالات  والسخف والخرافات. وإني مورد طرفاً يسيراً من سيرة الصحب  الكرام ولا سيما الخلفاء الراشدين الذين من تمسك بسنتهن نجا،  ومن شذ عنها شذ في النار، لتكون لنا مناراً كمنار الطريق

بقى النبي - بأبي هو وأمي   (ص)  - قبل الدفن ثلاثة أيام والنزاع  قائم بين الصحب الكرام على أمر الخلافة حتى بايعوا أبا بكر      (رض)   ولم يسألوا النبي    (ص)     عمن هو الأحق بها من  بعده. وكانت وقعة الجمل بين أم المؤمنين وابن عمه أبي السبطين  الشهيدين، وسفكت دماء عزيزة عليه  (ص)   ولم يستفتوه قبل  القتال ولا بعده وهو دفين في بيت عائشة بين سمعهم وبصرهم.

وجرت وقائع صفين بين علي ومعاوية، وكانت أعظم هولاً وأشد  فتكاً، ولم ينقل أن أحداً منهم استنجد بالنبي أو استغاث به،  أو سأله عن حكم هذه الحرب أو التي قبلها، كما انهم لم يسألوا  شهداء أحد عليهم الرضوان شيئاً من ذلك وهم سادة الشهداء.

وجمع القرآن في عهد الصديق، ووقع الخلاف أولاً في  جمعه، ولم يستفتوه في ذلك، وكانوا يسألون النبي    (ص)    عن كل ما يعرض لهم من الأمور فصار يسأل بعضهم بعضاً،  ولم يجيئوا فيسألوه في قبره     (ص)   وقال عمر: الهم كنا إذا أجدبنا  نستسقي بنبيك محمد   (ص)   فتسقينا؛ والآن نستسقي بعمه العباس،  فطلبوا الدعاء من عمه ولم يطلبوه منه كما كانوا يفعلون في حياته بينهم.

وقال عمر: ثلاث مسائل وددت لو أني سألت رسول الله   (ص)  عنها، ولم يسأله عنها بعد وفاته. وكانوا يضربون أكباد الإبل  من الشام إلى المدينة ليسألوا عائشة عن حديث سمعته من النبى (ص)   فكانت تجيبهم ولم يسألوه وهو في بيتها. ومضت القرون الثلاثة المفضلة  وكل طبقة كانت تسأل من فوقها وتسفتيهم، ولم يسألوا سيد  الأنبياء ولا سادة الشهداء الأحياء عند ربهم   (شهداء أحد)  عن شيء.

هذه هي أعمال الصحابة     (رض)   حينما هاجمتهم الخطوب،  واستعرت بينهم نيران الحروب، ووقعت لهم مناظرات كالمناظرة  التي جرت بين الشيخين في قتال ما نعى الزكاة، وكالخلاف الذي  وقع في إرسال جيش أسامة بن زيد الذي عقد لواءه النبي   (ص)   ليسير إلى بعض جهات الشام، ولم يسألوا النبي  (ص)  عن شيء

من ذلك أحوج ما كانوا إلى سؤاله، وأحرص ما كانوا على العمل  بمقاله، وكان (ص)   هو الذي يقسم بينهم الأعطيات والمغانم،  ويكون فيهم في الغزوات ويرسل منهم السرايا، ولم يقع شيء من  ذلك له بعد وفاته.

وجملة القول: أن النبي(ص) كان مرجعهم في الدين والدنيا  في حياته، صاروا يرجعون إلى ما عرفوا من سنته بعد وفاته،  وكل هذا معلوم من الدين والتاريخ بالضرورة، ومن العقل والحس والوجدان بالبداهة؛ ولكن مدرسي تاريخ المسلمين في الأمصار  الإسلامية قد قصروا فيما يجب عليهم من البيان، وفي عدم الجمع  بين حوادث التاريخ ومسائل الدين؛ والكتب الكلامية المذهبية  المتداولة لم تبن العقائد فيها على قواعد الأدلة، ووصف ما كان  في القرون المفضلة أهل هذه الملة

وأنا قد أوردت في مقالي هذا شذرات من أعمال الصحب  الكرام مقتبسة من هدى النبي الأمين ووحيه، ولا يصلح آخر  هذه الأمة إلا ما أصلح أولها كما قال مالك إمام دار الهجرة (رض) قال رجال الدين والتاريخ والعلم الصحيح أوجه مقالي هذا  راجياً أن يقرنوا العقائد الدينية بالشواهد التاريخية، رحمة بهذه  الأمة، وليكون علم العقائد لدى الطلاب كسائر العلوم التي يطبق  فيها العلم على العمل، لكي لا تضيع الثمرة المطلوبة من دروس العقائد  والتاريخ التي يقضي الطالب في دراستها زمناً غير قليل، والله هو ا لموفق والمعين.       (دمشق)

اشترك في نشرتنا البريدية