هممت هذه الأيام بعمل خطير ، ثم راقبت نفس ماذا تصنع ؛ فإذا فيها برلمان داخلي كأدني أنواع البرلمانات وأنظمها . فقد بدأت تتحرك الرغبة أولا ، وقامت تخطب وتبدي حجمها في فصاحة وبلاغة ، والكل يصغي إليها . لم تطل في الحديث عما تشاء اعتمادا على قوتها وعظمتها ، ثم جلست في زهو وإعجاب . فوقف الضمير يعارضها ، ويبدي عدم ارتياحه لطلباتها ، مقتصرا على ما ينشأ عن هذه الرغبة من آلام ، ثم وقف العقل وقد وجدت أحيانا ترعوه الرغبة فيتكلم في مصلحتها ويدافع عن اتجاهاتها ، ثم لاحظت أن الخوف يقف محذرا عن تنفيذ طلباتها ، منذرا بنتيجة عملها ، مخوفا النفس والبدن من نتائجها . ورأيت بعد ذلك الخيال يحلق في الجو فيصور النتائج للعمل الذي تريده الرغبة نتائج جميلة أحيانا ، وقبيحة أحيانا اخرى ، وهو بهذا العمل يشجع أو يخذل . وأحيانا يسطير الحب على الموقف فيؤيد الرغبة تأييدا جامحا ، ثم بعد ذلك لا يسمع لعقل ولا لخوف .
وأحيانا لا يكون للحب موقف في الأمر ؛ ولكن تكون السيطرة للاباء والأغة ، فنعند النفس عن تنفيذ الرغبة ، ثم رأيت أن هذا البرلمان تارة يثور فيطبع بكل العوامل الأخرى وينفذ الرغبة مهما كانت النتائج ، وأحيانا يكون برلمانا هادئا يصغي فيه إلى كل الأصوات إصغاء تاما ، سواء في ذلك المؤيدون والمعارضون ، ثم تؤخذ الأصوات ، والحكم بعد ذلك للأغلبية ، وهو برلمان ثأئر احيانا هادئ أحيانا ، يتكلم فيه المتكلمون بتؤدة وهدوء أحيانا ، وخروج عن اللياقة أحيانا ، وأياما كان فهو برلمان بكل معني الكلمة ، يصور صورة صادقة للبرلمان الخارجي من مؤامرات ودمائس وألاعيب وخداع وكل ما يحدث في الخارج . ومن العجب أن تاريخ هذا البرلمان قديم ، كان من عهد آدم ولم يلتفت الناس إلى تقليده إلا من عهد قريب ، وحتى إلى الآن لم يتقنوا إتفانه وغابت عنهم بعض معانيه .
