الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 628 الرجوع إلى "الثقافة"

خاطرة

Share

١٨

قرأت بالأمس عزم الحكومة المصرية تعيين بعض الراهبات ممرضات في المستشفيات الحكومية بحجة أنهن يتقن فن التمريض ، وهذا صحيح ، ولكنهن أيضا يتقن فن التبشير ، وقديما اتخذ المبشرون طريقتين للتبشير : فتح الدارس ، وبناء المستشفيات وملاها بالراهبات الممرضات ، يريدون بذلك أنهم عن طريق الثقافة يستطيعون أن يبثوا السموم في الأذهان ، وعن طريق التمريض يستطيعون شرا التبشير ، ويكفي فى نشر هذه اللابس البيضاء ، والقبعة البيضاء ، والصلبان المعلقة في الأعناق ؛ فإذا انضمت هذه كلها إلى جودة التمريض أحدثت جودة التبشير  والراهبة كما تعلم راهبة أولا ، وممرضة ثانيا ، لا كما تنوهم إنسانية أولا وممرضة ثانيا ؛ فهي تعنى بالنصاري أكثر مما تعني بالمسلمين ، ولا تترك وسيلة من وسائل التبشير إلا فعلتها ؛ إما سرا وإما جهرا ، وإما عن طريق مباشر أو غير مباشر ، فهي لا تمرض إلا إذا أملت النجاح في التبشير . وقد دخل كثير من المسلمين في هذه المستشفيات على دينهم ، ثم خرجوا شاكين أو ملحدين أو نصاري .

وتقرير رئيس التبشير دائما يذكر مقدار نجاح هؤلاء الراهبات في تنصير من أسلم ، وإحصاء عددهم . وكثيرا ما يعرض المريض للموت ، وليس من اللائق أن تحضر وفاته هذه الراهبة فتوعز إليه في اللحظة الأخيرة ما نري . ويكون آخر من ينظر إليه : الراهبة في ثيابها الرهبانية ، ووشم الصليب على ذراعها . وموضع الصليب بين صدرها ونحرها ، وتمتمتها عند الوفاة بكلمات لاتينية نصرانية ، أو بعبارة إنجيلية . وليس بسمح مستشفى مسيحي أو أوربى أن يتخذ من المسلمات ممرضات ، كما لا تسمح جماعات التبشير أن

تتخذ حتى من الخدم مسلمين . ويروي المؤرخون أن أبا موسي الأشعري اتخذ كاتبا له نصرانيا ، فكتب إليه عمر : أن اعزل هذا النصراني ، فراجعه أبو موسى ، فراجعه عمر بقوله : " مات النصراني والسلام " ، وإنا لفي زمن نرحب فيه باستخدام النصراني للمسلم والمسلم للنصراني ، ولكن لا نرحب بمن يتخذ النصرانية شعارا له يعلنها في كل خطوة من خطواته ومظهر من مظاهره . ليتجردن من ثيايهن الرهبانية وصبغتهن التبشيرية ، ونحن نرحب بهن وبمهارتهن في فنهن ؛ وناحية أخري اقتصادية ، وهي أنه بتعيين الراهبة ممرضة قد أغلقنا الباب أمام مصرية تشغل هذا المنصب وتقوم بهذا العبء ، وتتمرن على التمريض ، مع أنهن أعلم بلغة المريض ، وأفهم لنفسيته . ولكن ماذا نفعل وقد بلى المسلمون بمركب النقص حتى اعتقدوا : أن كل أجنبي وأجنبية خير من كل مصري ومصرية حتى الراهبات ، وفن التمريض . وإن المسلمين الذين ثاروا على الشيخ محمد عبده في فتواه بجواز لبس القبعة ، كيف يسكتون على إيواء من يلبس القبعة ورداء الرهبانية والصلبان المسيحية ؟ ولقد شهدت مرة حفلة للجامعة الأمريكية ، وشاهدت طالبا تعلم فيها ، وأتم دروسها حتى كان من المقرر أن توزع عليه الشهادة في هذا الحفل ، فاستطاع أن يشهر بهذه الكلية وما بينته من وسائل التبشير السرية مما أخجل الجامعة ، ولم تفرج عن نفسها إلا بحرمان الطالب من الدرجة . اللهم إن هذا منكر لا يرضيك . ومن عجيب الأمر أنهم يمنون علينا بأن نفقة كل راهبة سوف لا تتجاوز ١٦٧ جنيها ، مع أنه مبلغ يكفي لفتح بيوت ثلاث أسر مصرية تتضور من الجوع .

اشترك في نشرتنا البريدية