١٨
قرأت بالأمس عزم الحكومة المصرية تعيين بعض الراهبات ممرضات في المستشفيات الحكومية بحجة أنهن يتقن فن التمريض ، وهذا صحيح ، ولكنهن أيضا يتقن فن التبشير ، وقديما اتخذ المبشرون طريقتين للتبشير : فتح الدارس ، وبناء المستشفيات وملاها بالراهبات الممرضات ، يريدون بذلك أنهم عن طريق الثقافة يستطيعون أن يبثوا السموم في الأذهان ، وعن طريق التمريض يستطيعون شرا التبشير ، ويكفي فى نشر هذه اللابس البيضاء ، والقبعة البيضاء ، والصلبان المعلقة في الأعناق ؛ فإذا انضمت هذه كلها إلى جودة التمريض أحدثت جودة التبشير والراهبة كما تعلم راهبة أولا ، وممرضة ثانيا ، لا كما تنوهم إنسانية أولا وممرضة ثانيا ؛ فهي تعنى بالنصاري أكثر مما تعني بالمسلمين ، ولا تترك وسيلة من وسائل التبشير إلا فعلتها ؛ إما سرا وإما جهرا ، وإما عن طريق مباشر أو غير مباشر ، فهي لا تمرض إلا إذا أملت النجاح في التبشير . وقد دخل كثير من المسلمين في هذه المستشفيات على دينهم ، ثم خرجوا شاكين أو ملحدين أو نصاري .
وتقرير رئيس التبشير دائما يذكر مقدار نجاح هؤلاء الراهبات في تنصير من أسلم ، وإحصاء عددهم . وكثيرا ما يعرض المريض للموت ، وليس من اللائق أن تحضر وفاته هذه الراهبة فتوعز إليه في اللحظة الأخيرة ما نري . ويكون آخر من ينظر إليه : الراهبة في ثيابها الرهبانية ، ووشم الصليب على ذراعها . وموضع الصليب بين صدرها ونحرها ، وتمتمتها عند الوفاة بكلمات لاتينية نصرانية ، أو بعبارة إنجيلية . وليس بسمح مستشفى مسيحي أو أوربى أن يتخذ من المسلمات ممرضات ، كما لا تسمح جماعات التبشير أن
تتخذ حتى من الخدم مسلمين . ويروي المؤرخون أن أبا موسي الأشعري اتخذ كاتبا له نصرانيا ، فكتب إليه عمر : أن اعزل هذا النصراني ، فراجعه أبو موسى ، فراجعه عمر بقوله : " مات النصراني والسلام " ، وإنا لفي زمن نرحب فيه باستخدام النصراني للمسلم والمسلم للنصراني ، ولكن لا نرحب بمن يتخذ النصرانية شعارا له يعلنها في كل خطوة من خطواته ومظهر من مظاهره . ليتجردن من ثيايهن الرهبانية وصبغتهن التبشيرية ، ونحن نرحب بهن وبمهارتهن في فنهن ؛ وناحية أخري اقتصادية ، وهي أنه بتعيين الراهبة ممرضة قد أغلقنا الباب أمام مصرية تشغل هذا المنصب وتقوم بهذا العبء ، وتتمرن على التمريض ، مع أنهن أعلم بلغة المريض ، وأفهم لنفسيته . ولكن ماذا نفعل وقد بلى المسلمون بمركب النقص حتى اعتقدوا : أن كل أجنبي وأجنبية خير من كل مصري ومصرية حتى الراهبات ، وفن التمريض . وإن المسلمين الذين ثاروا على الشيخ محمد عبده في فتواه بجواز لبس القبعة ، كيف يسكتون على إيواء من يلبس القبعة ورداء الرهبانية والصلبان المسيحية ؟ ولقد شهدت مرة حفلة للجامعة الأمريكية ، وشاهدت طالبا تعلم فيها ، وأتم دروسها حتى كان من المقرر أن توزع عليه الشهادة في هذا الحفل ، فاستطاع أن يشهر بهذه الكلية وما بينته من وسائل التبشير السرية مما أخجل الجامعة ، ولم تفرج عن نفسها إلا بحرمان الطالب من الدرجة . اللهم إن هذا منكر لا يرضيك . ومن عجيب الأمر أنهم يمنون علينا بأن نفقة كل راهبة سوف لا تتجاوز ١٦٧ جنيها ، مع أنه مبلغ يكفي لفتح بيوت ثلاث أسر مصرية تتضور من الجوع .

