الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 629الرجوع إلى "الثقافة"

خاطرة

Share

-١٩-

روت بعض الصحف أمس أن عالما أوربيا كاد يخترع آلة كالراديو تروي لنا حوادث الماضي ، وذلك بناء على نظرية صحيحة ، وهي أن المادة لا تنعدم ، وأن ما كان في لوجود ابعثت منه ذرات ظلت سابحة في الكون إلى اليوم ، وهذا هو ما عبر عنه القرآن بالرقيب العنيد ، وربما كان مدار الصعوبة أن الأحداث تتداخل ؛ فالذرات القديمة التي انبعثت من أشياء قديمة قد تتداخل في أعمال جديدة كالذي قال أبو العلاء :

خفف الوطء ما أظن أديم الـ

أرض إلا من هذه الأجساد

فكيف يفرز القديم من الجديد ؟ وهذا هو الاعتراض الذى ورد على فكرة حشر الأجساد ، قالوا : إن الجسم قد يتولد من بقايا أجسام سابقة ؛ فالجسم إذا مات أكله الدود ، والدود تأكله الحشرات ، والحشرات يأكلها النبات أو الطيور ، والطيور والنبات بأكلها الإنسان .

فإذا استطاع هذا العالم أن يفرز القديم من الجديد كان قد خدم التاريخ خدمة لا تقدر ؛ فإننا نستطيع أن نعرف من الحوادث ما هو صحيح وما هو مزيف ، ومن لحادثة الواحدة ما كان منها حقاً وما أضيف إليها من الباطل ، فنستطيع أن نعرض حياة النبى محمد صلى الله عليه وسلم والأنبياء قبله لنعرف حقيقة حياتهم وما قاموا به من فعال وما نطقوا به من أقوال ، وإذ ذاك يتبين ما زاده الوضاعون .

ولكن بجانب ذلك يظهر لنلا فضائح كثيرة قام بها لعظماء كان من الخبر كتمانها ؛ فكم من عظماء زوروا لأحداث التاريخية ونسبوا لأنفسهم ما قام به غيرهم . وكم من عظماء أتوا بأعمال مشينة وظلت فى كتمان ، وظلوا هم مع كتمانها فى رفعة وعلو شأن ؛ فإذا كشفت هذه الأعمال

أضرت هؤلاء العظماء وقللت من عظمتهم .

وهكذا سنستطيع أن نكشف الحقائق ونتبين الحق من الباطل ، وما هو إلا أن نضغط على زر من أزرار الراديو قاصدين إلى القرن السادس بعد الميلاد فتتجلى لنا أعمال محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم يحرك الإبرة إلى عهد الميلاد فتتجلى لنا حياة عيسى عليه السلام وكيف رفعه الله إليه . وكيف كذب الذين قالوا إنهم قتلوه أو صلبوه ، ثم تحرك الإبرة إلى الوراء أيضاً فنشهد أعمال موسى وما كان منه مع فرعون فى مصر . ومع قومه فى التيه إلى آخر ما قام به من أعمال ، ثم تحرك الإبرة إلى الوراء فنشهد نوعاً والطوفان . وكيف نبع الماء وكيف سار الملك إلى آخر ما هنالك . وبعد ذلك تحرك الإبرة أيضاً قليلاً فيشهد آدم وحواء وحياتهما وصراعهما . ويديره الفنان فيشهد كيف أسست مبانى المصريين القدماء . ومن أى شئ كانت الوانهم التى اتخذوها فى صورهم ، وكيف كان التحنيط عندهم . وكيف كان الفن فى عهد محمد والأنبياء قبله . وهكذا يشهد كل فنان تاريخ فيه من شعر وموسيقى ونحت وغير ذلك .

وفى كل مسألة من المسائل التى اختلف الناس عليها من فرق مختلفة ومذاهب مختلفة ونظريات مختلفة فيكشف لما هذا الراديو عما فيها كلها من حق وباطل .

هذا بعض ما خطر لى عند ما قرأت هذا النبأ ، وإذا تم للمخترع ذلك قلب الدنيا رأساً على عقب ، وإذا كان الراديو اليوم يستطيع أن ينقل إلينا الحاضر من أقصى الأرض ، فسينقل إلينا هذا الشئ الجديد القاضى بحذافيره وخيره وشره .

اشترك في نشرتنا البريدية