الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 632 الرجوع إلى "الثقافة"

خاطرة

Share

-٢١-

يظهر أن التأقلم قانون طبيعي في كل الأشياء جمادها ونباتها وحيوانها ؛ فإذا أنت صببت ماء حارا على بارد ، حارا واضطربا ، حتى يتأقلما فيأخذ الحار من البارد بعض برودته ، ويأخذ البارد من الحار بعض حرارته .

وإذا أنت نقلت نباتا من نباتات البلاد الحارة إلى أرض معتدلة الجو حار كذلك واضطرب ، واحتاج إلى مدة حتى يتأقلم ويعدل نفسه وفق الجو الجديد ، والحيوان المتوحش الذي يعيش في الصحراء يحتاج إلى مدة طويلة حتي يتأقلم فيستأنس .

والإنسان كذلك يعيش في وسط غير وسطه الأول فيحار ويضطرب حتى يعدل نفسه وفق الوسط الجديد ، وما فرحه بالمولود الجديد وحزنه على الولد الفقيد إلا مظهر من هذا التأقلم ، لقد عاش وفكره غير مشغول بالولد حتى إذا رزق الولد احتاج إلى زمن يتأقلم فيه حتى يواجه حياة الآباء ، وفي الحالة الثانية عاش على فكرة الولد ، فإذا زال حزن . لأنه غير ما اعتادته غدو فكره ، . واحتاج إلى زمن حتى يتأقلم فيعتاد فقدان الولد .

وكذلك الشأن في الأمم ، تحتاج الأمة المتبدية إلي زمن تتأقلم فيه حتى تتحضر ، وقد احتاجت الأمة الإسلامية إلى زمن طويل حتى هضمت المدنية الحديثة وألفتها ، والأمة التي انحطت في حاجة إلى زمن طويل يجهد فيه المصلحون حتى تنصلح ، وهذا هو السر في ثورة الشباب وجمود الشيوخ ؛ فالشباب لجدته يتقبل

الأفكار الحديثة ، والشيوخ لما عرضوا عليه من أفكار يرفضونها ، وهكذا في حال انتقال الإنسان من عاطفة إلى عاطفة ، من حزن إلى فرح ، ومن فرح إلى حزن ، ومن رغبة إلى رهبة ، ومن رهبة إلى رغبة ، وربما كان مما يساعد على سرعة التأقلم مساعدة الجو الجديد ليناسب الشئ القديم ؛ فأنت إذا نقلت شجرة ما نحو من الهند الحارة ، فإنه يساعد على تأقفها أن تحيطها بجو حار من جنس جوها ؟ فإذا أنت عرضتها لجو شديد البرودة لم تعطها فرصة التأقلم فماتت . وإذا أردت إصلاح أمة فلا تصلحها طفرة ، فإنها إذ ذاك يخشى عليها من الضرر ، ولكن أصلحها تدريجا وبخطوات متعاقبة ، كلما خطت خطوة أتبعتها بأخرى ؛ ولذلك كان في العادة الإصلاح بالتدريج خيرا من الإصلاح بالثورة .

وربما استحسنوا من أجل ذلك أن يتزوج الغضوب بحليمة ، والمرح برزينة ، والمسرف بالمقترة وهكذا ، لأن هذه الخصال المتنافضة إذا تاقلمت اعتدلت ، فيأخذ الغضوب من حلم الحليمة ، والمرح من رزانة الرزينة وهكذا .

والطبيعة لا تعرف الطفرة ؛ فبعد الظلام الحالك يكون نور الفجر الكاذب والفجر الصادق حتى يعتدل النهار .

ومن الصعب عند مقابلة الشمس بالظل أن تقول إن هذا ظل بحت أو شمس صرفة ، فهناك خط بين الظل والشمس ، وبين الشتاء والصيف ربيع وخريف يعدان للانتقال . والسلام .

اشترك في نشرتنا البريدية