الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 650الرجوع إلى "الرسالة"

خان الخليلى، قصة مصرية ]

Share

هذه هى القصة الثالثة للمؤلف الشاب ، سبقتها قصة رادويس ) وقصة كفاح طيبة » وكلتاهما قستان معجبتان ستلهمتان من التاريخ المصرى القديم

ولكن هذه القصة الثالثة هي التي تستحق أن تفرد لها صفحة خاصة في سجل الأدب المصرى الحديث ، فهي منتزعة من صميم البيئة المصرية في العصر الحاضر ؛ وهي ترسيم في صدق ودقة وفى بساطة وعمق ، صورة حية لفترة من فترات التاريخ المعاصر فترة الحرب الأخيرة ، بغاراتها ومخاوفها ، وبأفكارها وملابساتها ؛

ولا ينقص من دقة هذه الصورة وعمقها أنها جاءت في القصة إطاراً لحوادتها الرئيسية ، وبيئة عاشت القصة فيها .

ولكن هذا كله ليس هو الذى يقتضى الناقد أن يفرد لهذه القصة صفحة متميزة في كتاب الأدب المصرى الحديث

إنما تستحق هذه الصفحة، لأنها تسجل خطوة حاسمة في ماريقنا إلى أدب قوى واضح السبات متميز المعالم ، ذى روح مصرية خالصة من تأثير الشوائب الأجنبية - مع انتفاعه بها - نستطيع أن نقدمه – مع قوميته الخاصة - على المائدة العالمية ، يندغم فيها ، ولا يفقد طابعه وعنوانه ، في الوقت الذي يؤدى رسالته الإنسانية ، ويحمل الطابع الإنساني العام ، ويساير نظاره في الآداب الأخرى.

وهذه الظاهره حديثة العهد في الأدب المصرى المعاصر لم تبرز وتتضح إلا فى أعمال قليلة من بين الكثرة الغالبة لأعمال الأدباء المصريين . وهى في هذه القصة أشد روزأوا كثر وضوحا. من واجب النقد إذن أن يسجل هذه الخطوة وزكها .

وبعد ، فقد كنت أود أن أضع أمام القارئ ملخصاً للقصة بم يمينه على تنبع السمات الفنية فيها، ويُشركه مى في تحليل هذه السمات . ولكن القصة بالذات من الأعمال الفنية التي لا سبيل إلى تلخيصها ، وحين تلخص تبدو هيكلا عظمياً خالياً من الملامح والقسمات التي تحدد الشخصية ، وتبرز مواضع الجمال والقبح فيها ... فلا مفر إذن من الحديث العام عن القصة دون الدخول في التفصيلات إلا بمقدار

ليس في القصة كلها صخب ولا بريق ... إنها خلو الإجتماعات الذهنية والأفكار الكبيرة . ليس فيها ا لافتة ) واحدة من اللافتات التي تتوقف النظر . ومحيطها ذاته محيط عادى . وأحداتها وحوادتها مما يقع كل يوم في أوساطنا المصرية العادية . اللهم إلا تلك الغارات الجوية التي روعت بعض المدن في زمن الحرب والتي روعت أسرة ( أحمد أفندى عاكف ، فأزعجتها عن حي السكاكيني الذي استوطنته زمناً طويلا ، إلى الحى الحسينى وخان الخليلى، لتكون في منجاة من الغارات ، فى حمى ابن بنت رسول الله !

ولقد كان وأحمد ماكف ، وهو يحمل عب الأسرة بمرتبه

الصغير، إذ هو موظف بالبكالوريا في قلم المحفوظات بوزارة الأشغال . كان قد أغلق قلبه وطوى أحلامه .. لم يفكر في الزواج ولم يعد يطمح إلى الحب ، أو إلى الشهادة العالية . لقد وقفت أمامه العراقيل السائلية والمادية والعلمية ، فانطوى على نفسه واستراح إلى اليأس بعد الفشل المكرور ؛ وقد ترك هذا الفشل في نفـــــه مرارة لا تمحى ، ولون شخصيته تلويناً معيناً ، ودس فيها عيوباً شتى . ولكنه وقد عجز عن الطموح جعل العزوف عن المطامح سلوته ، والترفع عن الوسط طابعه وآوى إلى مكتبته وكتبه ، وهى مثله مثل جيلا مضى ، وتعرض مباحث قديمة لا صلة لها بالحاضر وما فيه ، فزاده هذا بعداً عن الجيل ، وإيغالا في التاريخ !

وحينما انتهى من تعليم أخيه الصغير تعليما عاليا كان قد اهز الأربعين . كان قد شاخ ، فأحس أن الأوان قد فات ، وسار في طريقه يقطع الحياة كالأجير المسخر ، منطويا على نفـــه ، وقد أورثه الفشل والعزلة طابع التردد والتخوف والحذر من كل خطوة إيجابية ، فهو يعيش في داخل نفسه عاجزاً عن تحقيق تصوراته و مجسم خيالاته

ولكن القدر الساخر لا يدع الناس يستريحون - ولو راحة اليأس المريرة - إنه يطلع على هذا الكهل - كما يسميه المؤلف - بوجه جميل يلوح له فى النافذة المقابلة . إنه وجه فتاة صغيرة لا تزال طالبة بالمدرسة. إنها تصلح أن تكون ابنته ... ولكن هذا الوجه يسم له ، فيثير في نفسه كوامن المشاعر الناعمة ، على حين يدركه حذره وتردده، وخجله من فارق السن السحيق .

وتمضي الأيام وهو فى شغل معقد مقيم بهذا الحادث الجديد الذي يهز تركيانه الضعيف هذا عنيقا متواصلايين الإقدام والإحجام ، ويبدع المؤلف فى تصوير شتى النوازع والاتجاهات في هذه النفس المعقدة . وفى نفس الفتاة الصغيرة تلك الأنثى المهيأة لحياة البيت والزواج .

و في اللحظة التي يكاد يقدم فيها على الخطوة الحاسمة في حياته . وقد تندى قلبه الجاف ، وترعرعت البذور المطمورة في أعماقه تحت أكداس اليأس والفشل والتردد ... في هذه اللحظة الحاسمة يسخر القدر سخريته العابثة فيطلع له في الميدان منافسا قويا لا يملك منافسته ، بل لا يملك حتى أن يشق نفسه منه بالحقد عليه ! إنه أخوه وربيبه ( رشدى ماكف » . لقد نقل في هذا الوقت من فرع بنك مصر في أسيوط إلى المركز الرئيسي بالقاهرة ، وإنه

لا يعلم من أمر أخيه الكبير شيئا . إنه شاب جسور مقاصر بل مستهتر ، حاد العاطفة لا يعرف التربد ولا الحذر ... إنه الوجه المقابل لصورة أخيه

وفى اليوم الأول يلمع الوجه الجميل فيستهويه . عندئذ يسلك إلى قلب الفتاة طريقه المباشر في غير ما حذر ولا تردد ويقطع الطريق الطويل الذى أنفق أخوه في قطعه أشهراً ... في يوم أو يومين ، فيتصل ويصبح حبيبا ومحبوبا ، وفرداً من أسرة الفتاة ... ! وأخوه يتطلع إلى هذا الانقلاب في دهشة بالغة وفى الم كسير وفى يأس مرير ، وفى إعجاب كذلك بأخيه الجسور !!!

ويقضى الشاب مع فتاته أويقات حلوة ، يسكران فيها بكأس الحب الروية ، ويقطفان مما أجمل زهرات الحب الجميلة ... وذلك ريتها يضرب القدر ضربته الأخيرة ، فيمرض الشاب المقاصر . بالسل نتيجة لإفراطه فى الشراب والسهر والمقامرة مع رفاق مى السكاكيني . ولكنه يمضى في استهتاره ثقة بشبابه ، وخشية أن يعلم الناس بمرضه ، وأن تعلم من الناس خاصة هذه الفتاة !

وفي اللحظة التي يلمس الحب الحقيقى قلبه العابث ، فيملؤه جدا ، ويتوجه إلى اتخاذ خطوة عملية حاسمة تكون الأقدار قد ضربت ضربها الأخيرة فيستشرى الداء في الصدر المسلول ، ويذهب الشاب بعد ليلات مريرة من الضنى والمتباب ، وبعد ان تبين أن فتانه الحبيبة تخشى منه العدوى فلا تراه !

ثم تغادر الأسرة الحى في النهاية ... تغادره وقد فقدت الشاب الصبوح الفتى الجرىء . وقد انطوى قلب ماكف على جرح جديد بل على جرحين في جرح. والأقدار تسخر سخريتها الدائبة . ودورة الفلك تمضى إلى مداها . كأن لم يكن قط جرح ولا جرغ !!!!

حياة هذه الأسرة وجروحها وأحداثها وأحاديثها مى خور القصة ، وقد أدار المؤلف حول هذا المحور حياة أهل القاهرة في هذه الفترة من فترات الهول أيام القارات ، فعرض منها لوحات بسيطة صادقة تشبه في بساطتها وصدقها فطرة هذا الشعب الطيب الفكه المؤمن المستسلم للقدر ، التأثر بشتى الخرافات والدعايات . ومن بين الصور التي عرفها صورة مقاهي خان الخلیلی و «غرزه» أيضا . وقد حوت أشكالا وشخصيات لم تكن تتجتمع إلا في مثل هذا الحى الغريب حقا ؛ كما رسم صورة مقاهي حي السكاكينى

و «شلل» الشبان فيه : وسجل أطوار المقامر بن وبجانهم رسما قويا في جو مزيج من الجد والدعاية !

ولقد كان هذا الإطار من مكملات الصورة الأصيلة كما كانت الريشة في يد المؤلف هادئة وثيدة ، فوفق في إبراز الملامح والقسمات الجزئية ، وساير الحياة مسايرة طبيعية بسيطة عميقة منتفعا إلى جانب مهارته الفنية بمباحث التحليل النفسى ، دون أن يطفى تأثره بها على حاسته الفنية الأصيلة . وعاشت في القصة عدة شخصيات من خلق المؤلف لا تقل أصالة عن نظارها في الحياة !

ولكن ليست المهارة الفنية في التسلسل القصصي ، والبراعة الصادقة في رسم الشخصيات، والدقة التامة في تتبع الانفعالات ... ليست هذه السمات وحدها هي التي تعطى القصة كل قيمتها إن هناك عنصراً آخر هو الذى يخرج بالقصة من حيطها الضيق ، محیط شخصياتها المعدودة ، وحوادتها المحدودة في فترة من فترات الزمان ، إلى محيط الإنسانية الواسع ، ويصلها هناك بدورة الفلك وحلبة الأيد .

إنك لتقرأ القصة ثم تطويها، لتفتح قصة الإنسانية الكبرى ... قصة الإنسانية الضعيفة فى قبضة القدر الجبارة . قصة السخرية الذائبة التي تتناول بها الأقدار تلك الإنسانية المسكينة .

هذه أسرة تفر من هول القارات وخطر الموت من حي إلى مى . فما تغادر هذا الحى الآمن ! إلا وقد أصابها الموت في أنضر زهرة وأقوم عود !

وهذا رجل شاخ قلبه ، وانطوى على نفسه ، وآوى إلى يأس جنزير ولكنه هادى ساكن . فما يلبث القدر أن يثير في قلبه إعصاراً على غير أوان ، ويزيح الركام عن البذور المطمورة في قلبه الهرم ، ليعود فجأة فيقصف الأعواد التي تنبت في بط وحذر يقصفها في قسوة عابثة ، وبيد من؟ بيد أحب الناس إليه : شقيقه ورييبه ! ولو قد أمهله بضعة أيام لا نتعى إلى الواحة الممرعة بعد طول الجنب في الصحراء . ولو قد تقدم به أياماً لأعفاه من إضافة تجربة فاشلة إلى تجاربه المريرة !

وهذا شاب مستهتر عابث ، ما يكاد الحب يقومه ، ويبعث فيه الجد والمبالاة حتى يخطفه الموت ، الذى لم يخطفه أيام العبث والاستهتار !

والأرض تدور ، والزمن يمضى ، والناس يقطعون الطريق المجهول كأن لم يكن شيء مما كان : رفاق الشاب في قهوتهم يقامرون ويعريدون ، وأصحاب الرجل فى « غريزتهم » يدخنون أو في قهوتهم يتندرون . والقدر الساخر من وراء الجميع لايبدو عليه حتى مظهر الجد في سخريته المريرة . والمؤلف نفسه لا يكاد يلتفت إلى الدائرة الوسيعة التي تنتهى إليها قصته لأنه يلقى انتباهه كله إلى إدارة الحوادث ورسم الشخصيات ! ! !

ولعل من الحق حين أتحدث من قصة 1 خان الخليلي » أن أقول : إنها لم تنبت فجأة ، فقد سبقتها قصة مماثلة ، تصور حياة أسرة وتجعل حياة المجتمع في فترة حرب إطارا للصورة هي قصة 1 عودة الروح ) لتوفيق الحكيم

ولكن من الحق أيضا أن أقرر أن الملامح المصرية الخالصة فى « خان الخليلي » أوضح وأقوى ، ففى « عودة الروح » ظلال فرنسية شتى . وألمع ما في عودة الروح هو الإلتماعات الذهنية والقضايا الفكرية بجانب استعراضاتها الواقعية ؛ أما « خان الخليلي » ؛ فأفضل ما فيها هو بساطة الحياة ، وواقعية العرض ، ودقة التحليل

وقد نجت " خان الخليلي ) من الإستطرادات الطويلة في : ه عودة الروح » . فكل نقط الدائرة فيها مشدودة برباط وثيق إلى محورها .

وكل رجائى ألا تكون هذه الكلمات مثيرة لغرور للمؤلف الشاب ، فما يزال أمامه الكثير لتركيز شخصيته والإهتداء إلى خصائصه ، واتخاذ أسلوب فني معين توسم به أعماله ، وطابع ذاتی خاص تعرف به طريقته ، وفلسفة حياة كذلك تؤثر في اتجاهه .

وبعض هذه الخصائص قد أخذ في البروز والوضوح في قصصه السابقة وفى هذه القصة ؛ وهى الدقة والصبر في رسم الخوالج والمشاعر وتسجيل الإنفعالات المتوالية ، والبساطة والوضوح في رسم صورة الحياة أبطاله . والبقية تأتى إن شاء الله !

اشترك في نشرتنا البريدية