يقول الكاتب النروجي " ابسن " على لسان شخص من اشخاص كتبه الفلسفية: لقد اقتبست غبطتي عن امريكا، ومكتبتي عن شباب النساخ في المانيا، وثيابي عن فرنسا، وعلمتني فرنسا المرح والضحك والشك. وانكلترا الفكر والعمل والأثرة، واليهود الصبر، وأهل السويد الشجاعة.
فإذا صح هذا الكلام، فالمرح والضحك من جملة خصائص الفرنسيين، فمن كلام " أناتول فرانس " على السخرية:
" لا أزداد تفكيرا في حياة البشر إلا ازددت اعتقادا إن من الواجب علينا ان نجعل شهود هذه الحياة وقضاتها: التهكم والشفقة، فالتهكم بابتسامة يحبب إلينا الحياة، والشفقة بدموعها تقدس هذه الحياة، والتهكم الذي ارغب فيه ليس فيه شئ من القساوة، إنه لا يستهزي بالحب والجمال، فهو رقيق وفيه عطف، فضحكه يكظم من الغيظ، وهذا التهكم هو الذي يعلمنا ان نسخر من الأشرار والحمقى، ولولاه لأفضي بنا الضعف إلي كراهيتهم "
لقد كان التهكم من جملة أساليب سقراط في تقرير فلسفته، فكان سقراط في تهكمه يرمي إلي مناقضة خصمه، فيسأله مسائل من باب تجاهل العارف، فكان في بدء الأمر يقر مذهب خصمه، ثم يتلطف في سؤاله، فلا يزل به من سؤال إلي سؤال حتى يفضي به إلى المناقضة في القول.
يغلب التهكم على الاحاديث حتى يكاد يكون لهجة ينفرد بها بعض الناس، وقد يكون هذا التهكم لباس فكرة فيها فرح وسرور، أو صيغة مزح روحاني،
أو قالبا يفرغ فيه غضب أو حقد أو بأس، أو غير ذلك من هوائج النفس.
فإذا تتبعنا المتهكمين وجدنا لتهكم كل واحد منهم طبيعة خاصة، فأناتول فرانس يبرع البراعة كلها في سخريته التي تحقر الأشياء، وهو يحاول ان يردها إلي حقائق وجهاتها. وقد عد بعض النقاد هذا الميل فيه عيبا من العيوب، ولكنه عيب يجعل لأسلوبه صفات غاية في الرقة؛ واكثر ما يشيع هذا العيب في نقده، فانه يغرز بعض العبقريات بابره غرزات يظنها الانسان في الظاهر خفيفة، ولكنها في الباطن لا تخلو من خطر .
تكاد تكون روايته " تابيس " احسن نموذج في سخريته، فمن اشخاصها راهب من رهبان مصر اسمه " يافنوس " يعيش هذا الراهب عيشة طاهرة، ممعنا في طول التأمل والتقشف، وإنه لقي يوم من الأيام يذكر الساعات التي عاش في خلالها بعيدا عن الله تعالى، ويدقق في خطيئاته، واحدة بعد واحدة، حتى يعرف شناعتها حق المعرفة، إذ خطر بباله انه رأي في الماضي ممثلة ظاهرة الجمال على مسرح الإسكندرية اسمها " تابيس " !
فالنقاد الأتقياء ومنهم "بوردو " يعدون هذه العبارة وامثالها اسلوبا فاسدا من اساليب " اناتول فرانس " في السخرية برجال الدين، فان تصويره، لهذا الراهب المسكين وهو يطيل الروية في خطيئاته حتى ينكشف له قبحها إنما هو ضرب من التهكم ! .
ولكن " أناتول " لا يقف عند هذه الغاية من الهزء، فانه يستمر في طريقه، فقد كان جمال " تابيس " لا تخلو
من تأثير في قلوب انبياء الله، وربما هدم هذه القلوب، وهذا ما حمل " يافنوس " على ان يفكر في إدخال " تابيس " في ظلال الله وافيائه؛ ولكنه قبل ان يذهب إليها ذهب إلي أحد إخوانه الرهبان وهو يزرع في بستان صغير، فقال له هذا الراهب: يا أخي " يافنوس " لست إلا مذنبا بائسا ولكن ابانا " انطونيوس " كان من عادته ان يقول: إذا كنت في مكان فلا تعجل في الخروج منه إلي مكان غيره، فكما أن السمك إذا جر إلي مكان يابس مات فيه، فكذلك الرهبان الذين يخرجون من معابدهم ويخالطون رجال العصر فانهم يضلون عن عزائمهم الصالحة
غير أن " يافنوس " لم يسمع كلام أحد، فقد انطلق نحو الإسكندرية، ولقي في طريقه رهبانا آخرين فقصوا عليه طرزهم في الحياة على ضفاف النيل، فقابل اناتول بين اثرتهم في هذه الحياة وبين إفراط " يافنوس " في التقوي والصلاح، فخرج " يافنوس " بعد هذه المقابلة في صورة مجنون يقتله فرط صلاحه وتقواه، ويذهب به عقله المختل، فكأنما " أناتول " يقول لنا: أفلا نري أن الإنسان إذا عاش عيشة هادئة دون ان يهتم بغيره خير له من ان يدخل في دين كله تضحية وكله إخلاص، لا يجلب لصاحبه إلا الاضطراب والكابة، فكل حركة من حركة " يافنوس " وكل قول من أقواله يجعله هزأة في أعين الناس.
إن سخرية من هذا النوع فاتنة ولا شك، ولكن ابتسامها لا يخلو من خبث. ولقد قالوا في " اناتول " إنه يستر في عبارات صغيرة بريئة خبث الفرد المسن !
أما المتهكم " لابروير " فقد برز في تصوير أخلاق الرجال والجماعات، ولكن تصويره يعوزه التعمق الفلسفي، إلا ان " لابروبر " كان صاحب فن، تهزه الأشكال والمظاهر الحية، وإذا كنا لا نجد في تصويره شيئا جديدا في اهواء البشر، فانا نجد فيه دقة في معاينة العلامات الظاهرة التي تتعلق بها هذه الأهواء، فكل عبقريته في هذه الدقة
وحدها، فلا يجارية فيها جار.
فمن سخريته في فصل من فصول كتابه في الأخلاق وقد اخترت هذه القطعة عرضا وفيها تصويير لآداب الناس في الحديث:
" قرأ " أرياس " كل شئ، ورأي كل شئ، فهو يريد أن يحمل الناس على أن يعتقدوا فيه هذا كله، إنه رجل عالم بكل شئ، ولقد أنزل نفسه هذه المنزلة، إنه يؤثر الكذب على أن يسكت، أو على أن يظهر مظهر من يجهل بعض الجهل، فإذا كان على مائدة، وتكلم الناس على كبير من كبار قصر الملك في الشمال، استولي على الكلام، وحرمه على غيره من الذين يريدون أن يقولوا ما يعلمونه في هذا الباب؛ فتراه يجول في هذه البقعة البعيدة كأنه منحدر منها، فيمضي في قوله في أخلاق هذا القصر، وفي نساء هذا البلد، وفي قوانينه وفي عاداته، ثم يقص القصص الصغيرة التي وقعت فيه، ويري أن هذه القصص مضحكة، فيضحك قبل كل واحد حتي يكاد ينقزر من الضحك، فإذا تجاسر أحد على مخالفته في الرأي . وجاءه ببرهان واضح على أنه قال أشياء ليست صحيحة، فلا يضطرب " أرياس " من هذه المخالفة، بل يهتاج في وجه من قاطعه ويقول له: إني لا أقص شيئا لا أظنه حقيقة، فقد بلغني هذا كله عن " سيتون " سفير فرنسا في هذا القصر، إنه عاد إلي باريز من أيام، وأنا أعرفه معرفة من خالطه، وقد سألته مسائل كثيرة، فلم يكتم شيئا من الأحوال. وما كاد يستأنف حديثه الأول في شيء من الثقة بنفسه أشد من الثقة التي بدأ بها هذا الحديث، حتي انبري له أحد المدعوين وقال له: إن الذي يخاطبه الآن إنما هو السفير " سيتون " نفسه، وقد عاد من سفارته ! "
فسخرية " لابروير " في هذه العبارة الأخيرة، وفي أمثالها من عبارات غيرها، قاسية، حادة !
ولقد شاع التهكم في بعض شعراء العرب وكتابهم،
وهذا نموذج يسير منه:
لما بلغ النعمان بن المنذر لحوق المتلمس بالشام، شق عليه لحوقه بغسان، وحلف ان لا يدخل العراق ولا يطعم بها حي يموت، وقد اضطربت روايات هذا الخبر، ولكن المهم أن المتلمس قال بعد هذا قصيدة من جملتها .
آليت حب العراق الدهر آكله
والحب يأكله في القرية السوس !
لم تدر بصري بما آليت من قسم
ولا دمشق إذا دبس الفراديس
فقوله : حلفت على حب العراق أني لا أطعمه الدهر مع ان الحب متيسر يأكله السوس، ثم قوله لم تدر بلاد الشام لهوانك عليها بيمينك، فتبرها وتمنعني حبها كما منعتني حب العراق، إنما هو قول لا يخلو من سخرية بالنعمان؛ وقد تكون هذه السخرية أشد ايلاما من الافحاش في الهجاء.
ولكن إمام السخرية في العرب إنما هو الجاحظ غير مدافع، فقد كانت أمه مطبوعة على التهكم، وخرجه في الأدب والعلم رجال لا يضيعون فرص التهكم، أمثال ابى عبيدة والنظام وغيرهما، وعاش في عصر استفاضت فيه الزندقة وشاعت فيه طائفة من الخرافات في طبقات العامة وبعض العلماء والمؤلفين، فلم يجد الجاحظ بدا له من التنبيه على هذا كله، وخاصة فقد كثرت خصومه وحساده ومتعقبوه، فلم يجد له سلاحا امضي من التهكم .
للجاحظ في السخرية ببعض أهل التفسير والتأويل أسلوب بسيط جدا، وقد بلغ من بساطته انه لا يكاد يظهر عليه اثر الاستهزاء، فهو يدس سخريته دسا دون أن يظهر على بيانه؛ فبدلا من ان يتعرض لخصومه تعرضا، ويجادلهم جدالا، فإنه يكتفى في اكثر الاوقات بالدلالة على آرائهم وعلى مذاهبهم، ولكن هذه الدلالة مهما تكن خفية لا تخلو من روح التهكم؛ فبينما الجاحظ مثلا يمضي قوله في باب من ابواب العلم، كباب ما يعتري الإنسان
بعد الخصاء، إذ يعرض له رأي من الآراء الشائعة التي لا يؤيدها العلم، فيكتفي في طائفة من الأحوال بالتنبيه على هذا الرأي، من هذا القبيل قوله:
" وزعم بعض المفسرين وأصحاب الأخبار أن أهل سفينة نوح كانوا تأذوا بالفار، فعطس الأسد عطسة، فرمي من منخريه بزوج سنانير، فلذلك: السنور اشبه شئ بالأسد، وسلح الفيل زوج خنازير، فلذلك: الخنزير اشبه شئ بالفيل " . .
ثم يردف هذا القول كلامه الآتي : " قال كيسان: فينبغي أن يكون ذلك السنور آدم السنابر، وتلك السنورة حواءها، وضحك القوم " .
إن مجرد ذكره لأشباه هذه الآراء في أثناء بحثه عن أمور مبنية على العلم والعقل كاف للدلالة على سخريته بأصحابها، فكانه يغمز بعينيه غمزا، فهو لا يتولي الطعن على هذه الآراء، وإنما يترك للقاريء حق الحكم عليها، وهذا الأسلوب على نزاهته لا يخلو من خبث. وما أجدرنا ان تقول في الجاحظ ما قالوه في " اناتول فرانس " إنه يستر في سخريته البريئة خبث المسنين من القرود ! ( دمشق )

