الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 332الرجوع إلى "الثقافة"

ختام المأساة

Share

تجرى الأمور فى هذه الحرب لغايتها سريعا ، ويطالعنا منها فى كل يوم نبأ جديد . فالألمان يفاوضون الانجليز والأمريكان فى أمر استسلامهم لهما وهما يأبيان إلا أن يستسلموا للروس معهم . وموسوليني طاغية إيطاليا يحاول الفرار فيدركه الثوار ويقتلونه ثم يمثلون بجثته أقبح تمثيل  ، والجيوش الألمانية فى شمال إيطاليا تستسلم للحلفاء والروس يستولون علي برلين عاصمة الألمان . وهتلر وخاصة المتصلين به ينتحرون ويتولى زعامة ألمانيا الأميرال دولتز فيعلن مواصلة الدفاع .  والحلفاء يواصلون احتلال المدن الألمانية والقضاء على جيوشها المتناثرة هنا وهناك . ولن يطول بهم الأمد حتى يقضوا على كل مقاومة ويتموا السيطرة على ألمانيا كلها .

وهكذا تنتهى فصول تلك المأساة المروعة التى ملآت العالم فزعا ورعبا ، وغمرته بالآلام والأحزان ، وابتلته بألوان الشقاء والكروب ، وكبدته أعز الضحايا ، وحملته

أبهظ التكاليف وتركته بأعباء جسام فى اصلاح ما حل به من الدمار والخراب والبؤس .

وهكذا يذهب الرجلان المسئولان عن تلك البلايا والارزاء اللذان يحملان وزر ما حل بالعالم فى هذه الحرب من الكوارث والمحن بعد أن ذاقا مرارة الخيبة والفشل ، وشهدا البناء الذى أقامه على القسوة والطغيان يتداعى وينهار . وهكذا يخضع للقوة وينزل على حكمها القاهر من كان يمجد القوة ويتعبد بها الضعاف ، ويخرج من الدنيا مضطرا من كان يرى أن الدنيا كلها ملك له يؤوى فيها من شاء ويبعد منها من شاء . وبذل للقدر من كان يسخر بالقدر ويحسب نفسه وأمته بمنجاة من كل سوء ، تغير ولا يغار عليها وتجور ولا يجار عليها . وكذلك كان ختام صاحبه ختاما مسرحيا كما كانت حياته كلها تمثيلا . ألم يك مفتونا باستهواء الجماهير مشغوفا بتصفيقهم . فهو يخطبهم من فوق

مدفع . وهو يعرضهم فى الميادين ويعيد لهم أيام امبراطوريتهم الذاهبة ، وهو يصطنع لهم الأزياء ومراسم التحيات ، وهو ينفخ أوداجه ويقطب أساريره ويتصنع فى حركاته وينفخ فى كيانه ريح العظمة ليمثل دور القيصر العظيم ، أوليس من حقه حين يموت أن ينال من التشهير مثل ما كان يحرص عليه فى حياته من الشهرة ، وأن يمثل به من كان بالأمس يعبده ويمجده !

على أن ذهاب الرجلين فى ذاته ليس بأمر ذى بال . وإنما يعنينا من ذلك ما قد يكون له من نتائج فى تقصير أمد الحرب وسرعة ذلك ، ويعنينا من فوق ذلك أن يذهب بذهابهما النظام الدكتاتورى البغيض الذى أقاماه ونشرا تعاليمه وقتنا به طائفة كبيرة من الناس ، لقد قام النظام الدكتاتورى فى إيطاليا وألمانيا نتيجة ظروف خاصة فيهما . ولقد كان الناس يحسبونه حالة وقتية عارضة لا تلبث أن تزول وتعود الأمور لوضعها الطبيعى ، وتحيا هاتان الأمتان الحياة الديمقراطية التى آمنت بها الأمم . ولكن الطاغيتين أبيا إلا أن يمعنا فى تدعيم أسه ، ووجدا من رجال الفكر والأدب من استعانا به على تبرير النظام وتمدحه والقول بأنه هو النظام الدائم الذي لا صلاح للأمم ولا نهضة لها بغيره .

وكما حشد النظامان الدكتاتوريان قواهما المادية لمحاربة الديمقراطية ،حشدا كذلك قواهما الفكرية والأدبية لغزو الديمقراطية فى أساسها .

ولقد كانت الحملات الفكرية التى شنها النظام الدكتاتورى على الديمقراطية من العنف والقوة بحيث بدأت الشكوك تساور بعض النفوس فى قيمة النظام الديمقراطى وصلاحه للبقاء . وتزعزع إيمان بعض المفكرين بالديمقراطية وبدءوا يدعون إلى نظام عالمى جديد مصبوغ بصبغة تشبه الدكتاتورية . وقد كانت الحملة على الديمقراطية ترميها بالعجز والضعف والتردد والبطء ، وغابة الأنانية الفردية عليها . وكانت تنعى عليها إفراطها فى إطلاق العنان للحرية الفردية

مما يمهد لحياة الاستهتار والعبث والفوضى . وانحلال الأخلاق الاجتماعية ، ووجدت الحملة فى الحياة الواقعية الغالية على كثير من الأمم الديمقراطية مادة تؤيد دعواها وتشكك أنصار الديمقراطية فى إيمانهم بها .

وجاء نجاح الغزو المفاجىء ، الذى قامت به ألمانيا فى مهاجمتها للأمم الديمقراطية ، وسرعة انهيارها أمامها ، وقصور تلك الأمم فى الاستعداد والمقاومة ، مؤيدا لتلك الحملة .

فالآن تسقط حجة الدكتاتورية ويقوم الواقع بنصرة الديمقراطية ، ويدل ثباتها ومرونة تكيف نظمها فى مدة الحرب ونجاحها فى كسب عطف الرأى العام العالمى عليها ، وحشدها قواها بالرضى والاختيار ، وبقاء روحها المعنوي قويا فى أحلك الأوقات ، على أنها النظام الدائم الصالح للحرب والسلام .

وأخيرا كان النجاح فى الأمم الديمقراطية مبعث النجاح ، فى حين كان النجاح فى الأمم الديكتاتورية مبعث التهور والبطر والطغيان .

فإذا كان فى مصرع الطاغيتين ما يشفى نفوسا شفيت بسياستهما وذاقت المر من مغامراتهما الجريئة ، وما يزيح كابوسا ثقيلا عن صدور العالمين ، فان أكبر ما ربحته الإنسانية من ذلك القضاء على النظام الدكتاتورى وإعادة ثقة الناس وإيمانهم بالنظام الديمقراطى .

والحق أن كل نظام لا يحترم حرية الفرد وكرامته نظام لا يدوم وإذا كان ثمة مآخذ على الديمقراطية فان لها من مرونتها وقابليتها للتعدل ضمانا للتغلب على هذا الضعف فيها . إن العيب الرئيسى فى الديمقراطية أنها فى وقت السلام تجنح إلى شىء من الركود والفتور الاجتماعى . ولكن الأيام أثبتت أنها إذا جد الجد ودعا واجب الذود عن كيان المجتمع تصحو سريعا من غفوتها وتمضى قدما فى العمل والإنتاج . ولعل شيئا من التعديل فى التربية العامة كفيل بأن يجعل النظام الديمقراطى نظاما حيا نشطا فعالا فى السلم والحرب على السواء . ( . . . )

اشترك في نشرتنا البريدية