هذا العصر الذى نعيش فيه يسمى عصر العلم والحقائق . ومؤدى هذا أن يكون التفكير فيه منطقيا مبنيا على الوقائع والمشاهدات الحسية ، وأن تكون النتائج التى يصل إليها الباحث متسلسلة عن مقدمات سليمة تناولها الدرس والتمحيص ، فلا تؤخذ الأمور على ظواهرها ، ولاتنزل الخيالات والأوهام منزلة الحقائق .
ولكن العقول البشرية لها مسارب خفية تتسلل إليها تلك الأوهام فى غفلة من الفكر الواعى ، وتمد سلطانها عليها ، وتوجهها من حيث لا يشعر اتجاها لا يتفق مع المنطق السليم . وفى كل عقل بشرى مهما ارتقت مداركه قابلية للاستهواء وميل كثير أو قليل للتصديق ، يمكن استغلاله للتأثير فيه إذا أحسن اختيار الوسيلة الملائمة وانتهز الظرف المناسب لهذا التأثير .
واستهواء الجماهير والطبقات غير المثقفة أيسر بكثير من استهواء غيرهم ، لأنهم بطبيعتهم بعيدون عن معرفة حقائق الأمور عاجزون عن تناول ما يقال لهم بالنقد والتمحيص ، سريعون إلى تصديق ما يلقى إليهم من أفواه من يرونه أعرف منهم وأبصر ، وخاصة متى كان الداعى يصطنع الغيرة على مصالحهم الخاصة أو العامة ، ويعدهم ويمنيهم
خلابة ولو كانت غير معقولة .
أما استهواء المثقفين فأمر أدق وأشد تعقيدا ، فهو يتوخى اختيار الشباب منهم لما يعلمه من شبوب العاطفة لديهم وميلهم فى هذه المرحلة إلى المغامرة وارتياد كل الطرق التى يحسبونها محققة لخيالاتهم وأحلامهم ، حبا فى الظهور والعظمة وغلبة النزعات المثالية البريئة التى تلقوها فى دروسهم على مشاعرهم وتفكيرهم ، وحداثة عهدهم بالحياة العملية ونقص خبرتهم بمشاكلها ، فيتصل بهم عن طريق الصور النظرية الحبيبة إليهم ثم يستدرجهم إلى غايته من حيث لا يشعرون .
وأفضل الظروف لعملية الاستهواء هى ظروف القلق والسخط والملل ، فتبدأ العملية بتجسيم هذه الظروف وتهويلها وإشاعتها بين من يحس بها ومن لا يحس بها ، ثم تتدرج إلى خلق عدو وهمى تركز حوله الهجمات ، ويلقى في روع الجميع أنه مصدر هذه المتاعب ، وقد يكون هذا العدو شخصا أو نظاما اجتماعيا أو سياسيا ، ثم تتحرك الفتن وتطل الدعوة المخبوءة برأسها ، على أنها الوسيلة المنقذة أو الجنة المعقودة ؛ فإذا مكن لها ظهرت حقيقتها تدريجيا ، وتبخر السحر الذى يحيط بها ، وأدرك المخدوعون بعد فوات الوقت أنهم كانوا يتعلقون بخرافة ويتحمسون لوهم ، وأن الأقوال تخدع والحقائق تفجع .
وقد كانت الخرافات فيما مضى شعوذة دينية يقوم بها
المخرقون أو بتستر وراءها الدعاة السياسيون . وهى فى هذا العصر شعوذة اجتماعية يختفى وراءها أصحاب المطامع والغايات من الساحة . وكما كان واجب قادة التفكير الدينى تنقية الدين من هذه الخرافات وحماية أصوله من الدجل والإباطيل ، فكذلك واجب المفكرين الاجتماعيين أن يطهروا التفكير الاجتماعى من زيف الدجل والأباطيل ، وأن يوضحوا النهج السليم لهذا الفكير ، وأن يبصروا الناس بالحقيقة والحرافة فى هذا التفكير ، ولا سيما أن الدعاية الآن أمهر وأوسع .
ولسنا بسبيل عصر مواضع الزيف فيما يغزو العقول من الدعوات الاجتماعية الخطرة ، ولا ندعى المقدرة على احتمال هذا العبء وحدنا ، ولكنا نورد ملاحظات سريعة نرجو أن نشق بها الطريق لغيرنا ممن هم أقدر منا على متابعة هذا الجهاد .
العبرة فى المذاهب الاجتماعية بالتنفيذ لا بالاقوال
لسنا فى مقام المفاضلة بين مذهب اجتماعى وآخر ، فمجال مثل هذا البحث غير صفحات هذه المجلة ، وهو بحث نظرى أن يخرج منه الباحث برأى حاسم ، فلكل مذهب ما يقال تأييدا له وانتقاصا منه . ولكنا نكتفى بإشارة عامة هي أن العبرة فى هذه المذاهب كلها ليست بمبادئها وأصولها ، وإنما هى بطريقة تنفيذها والصورة التى تكون عليها حين توضع موضع التنفيذ .
واعتقادنا الذى نطمئن إليه . هو أن هذه المذاهب فى النظر شئ ، وهى فى العمل شئ آخر ، يختلف كثيرا أو قليلا عن صورته النظرية . فالصورة النظرية موضوعية لم تدخل فى حسابها كيف يؤولها القائمون على تنفيذها ، وكيف يتلقاها من يقع عليهم التنفيذ . والتنفيذ العملى أمر ذاتى يكيفه الأشخاص العاملون على إخراج الصورة إلى حيز العمل ، ويكيفه مدى استجابة الناس لوضعهم الجديد واستعدادهم لتقبله .
ومن هنا قد تنجح أنظمة لا ترتاح النفوس إلى أصولها النظرية ، وقد تفشل أنظمة لها صورة نظرية جذابة . وليس النجاح أو الفشل راجعا للمذاهب أو الأنظمة فى ذاتها ، وإنما يرجع ذلك للقائمين على التنفيذ ، والظروف والبيئة التى تم فيها .
فقد ينجح النظام الاستبدادى - على كرهنا جميعا له ، وعلى اعتقادنا بأنه نجاح قصير موقوت - متى كان المستبد حكيما عادلا .
وقد يفشل النظام الديمقراطى - مع حبنا له وإيماننا به - إذا تفكك المجتمع وضعف التعاون بين عناصره ، وأسئ استخدام الحرية التى يتيحها هذا النظام لتعطيل الإنتاج والنشاط العام .
والثورة الفرنسية قامت تدعو للحرية والعدالة والمساواة ، ولكنها انتهت إلى الفوضى والاضطهاد والدماء ، ومهدت لامبراطورية استبدادية .
والنظام البرلمانى الديمقراطى فى انجلترا نظام قوى ناجح ، يعد من أكبر أسباب قوة انجلترا وعظمتها واستقرارها ، ولكنه فى بلاد أخرى لم يصب ما أصابه فى انجلترا من النجاح ، بل كان سببا من أسباب الاضطراب والانقسام .
والذى نستخلصه من هذا كله أن بريق المذاهب الخلاب يصح أن يفتتنا عن الحقيقة الأبدية ، وهى أن العبرة فيها كلها بمن ينفذها وكيف ينفذها ، وأنها قد تفقد معناها وتتحول إلى صورة خاطئة إذا تولتها أيد تسئ فهمها ، أو إذا أقحمت على أرض لا تصلح لها .
التطور أدوم ، والانقلاب أعظم وأسرع زوالا
الأمر الثانى الذى نرى إبرازه هو أن استقراء التاريخ يهدينا إلى أن ما ينمو بطيئا ينمو قويا متينا ، وأن لكل فكرة كما لكل كائن حى دور حضانة ونمو ونضج ، وأن هذه
العملية تتم فى بطء وهدوء ، وأن كل خروج من هذه السنة ومحاولة فرض فكرة وتعجل إخراجها للعمل بالقوة قبل أوانها أمر محقق الفشل ، وكل نجاح تصيبه هو نجاح ظاهرى لا يصمد انقلبات الظروف . والفكرة الصالحة لا تحتاج إلى قوة لتغلبها ، وإنما تحتاج إلى الدعوة بالحكمة حتى تختمر وتنضح وتتهيأ الأذهان لقبولها . والقائلون بالطفرة يحسبون أن لهم فى عصر السرعة الذى نعيش فيه ما يؤيد نظرتهم ، ولكنهم واهمون . فعصر السرعة ليس معناه الشطط والخروج عن سنة الأمور ، ولكن معناه تبجيل التطور بالبحث المنظم ، وحشد الكفايات لتنظيم الإنتاج ، واستخدام الوسائل العلمية لمعاونة عملية التطور.
إننا نقرر فى صراحة أن الطفرة والمجلة الطائشة أشد تعطيلا للرقى من عملية التطور البطئ ، ولكننا فى الوقت ذاته نرى أن الجمود والتراخى وإهمال تنظيم العمل للمساعدة على التطور ، أمر لا يتفق مع روح العصر .
العنف والقهر نكسة رجعية تأباها الكرامة الانسانية
ويسوقنا الحديث عن الطفرة والتطور إلى ما يصحب الطفرة عادة من الالتجاء إلى العنف والقسوة وأقهر ، وهى وسائل يلجأ إليها أنصار الطفرة لفرض اتجاهاتهم الحديثة .
ومما لا شك فيه أن أثمن شئ ربحه الإنسان خلال الأجيال بعد تجارب طويلة قاستها الأفراد والشعوب من الرق والاستعباد وحكم الطغاة ، هو الحرية الفردية التى يستطيع معها كل إنسان أن يشعر بوجوده وذاتيته وكرامته الإنسانية ، تلك الحرية التى أصبح يشعر بأن الحياة لا معنى لها بدونها .
فإذا تعرضت هذه الحرية للأخطار فى سبيل فكرة اجتماعية مهما كان خطرها ، كان معنى ذلك عود بالإنسان إلى طور اجتماعى قديم شب عنه وتحرر من أغلاله . وإذا كان نكيره
واختياره ، وأن يجعله آلة صماء يحركها المهيمنون على نظام لا يقام له وزن فى تعديله وتبديله ، فقد ارتدت الإنسانية إلى الوراء ، وباءت فى هذا العصر بالخسران .
إذا كانت المسألة مسألة آراء ومذاهب فسبيلها الإقناع . أما إذا كانت مسألة فرض نظام معين على الناس فهى مسألة طغيان وقهر - والطغيان والقهر لا يصح أن يبقيا فى عصر العلم والنور .
وبعد ، فهذه ملاحظات دعانا إلى سوقها تبادل الآراء وتخبط الأهواء ، واضطراب الأمور ، مما حفز دعاة الفتن أن يطلوا برءوسهم ، ويبذروا سمومهم . وأملنا أن يستيقظ الشعب العربى فى كل أقطاره ، ويثنيه إلى أن الظروف الشديدة التى يجتازها ، قد طوعت لهؤلاء أن ينتهزوا فرص المحن التى تمر به ، والخلافات القائمة بين أحزابه ، والمتاعب التى يواجهها بعض طوائفه وأفراده ، ليخذلوه عن غابته ، ويشغلوه بمسائل غير مسائله الكبرى ، ويصرفوا أبناءه وحكوماته إلى التفاتل والتنابز ليخلو لهم الجو أخيرا ويقضوا على الجميع . فافتحوا عيونكم أيها النائمون ، وتنبهوا أيها المخدوعون . ( . . . )
