للطب في أغلب البلدان مشكلات كثيرة . ولعل من أهمها علاقة الأطباء بالجمهور ، أو علاقة الجمهور بالأطباء ، ولقد عنيت بدرس هذه المشكلة منذ ما بدأت حياتي الطبية ، متتبعًا ما ينشر عنها في الكتب والمجلات الانكليزية الطبية ، ومقابلا بين ما في مصر وما في البلاد الأجنبية . وكنت أفعل ذلك وأنا على نشاط من عزمي وارتياح من طبعي ، مما يمكنني أن أعالج هذا الموضوع ، على صفحات هذه المجلة ؛ في سلسلة من الكلمات . وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله . ولأبدأ بخسارة الأرواح والصحة من قلة الأطباء ، وعدم كفاية العلاج بنوعيه الوقائي والشفائي فأقول :
في الولايات المتحدة عدد كبير من الأطباء هو ١٦١٣٥٩ مما يجعل لكل ٧٨٠ نفسًا من السكان طبيبًا ويقدر عدد القائمين على المرضى من الأطباء والصيادلة والممرضات والممرضين والدجالين بنحو مليون من الأنفس ، اي بنسبة واحد لكل مائة وعشرين . ويدفع الجمهور للخدمة الطبية ولثمن الأدوية والعقاقير وما إليها من الأدوات 3.656.000.000 من الدولارات ، أي بمعدل ٣٠ دولارًا لكل نفس . وفيها مستشفيات ومصحات ومستوصفات تجعل لكل ١٢٥ نفسًا سريرًا .
وإن تعجب أيها القارئ الكريم من هذه الأرقام فعجب أن تعرف أن القوم هنالك يقولون إن هذه الخدمة الطبية غير كافية وغير وافية بالغرض . ذلك لأن كل عامل من العمال الذين يصل عددهم إلى 36.000.000 , ينقطع عن عمله نحو ثمانية أيام في السنة بسبب المرض ، وأن كل
تلميذ من التلاميذ الذين يبلغ عددهم 43.000.000 ينقطع عن مدرسته نحو سبعة أيام في السنة بسبب المرض أيضًا . وهم يعدون أيام الانقطاع هذه خسارة كبيرة .
وهم كذلك يعدون الخدمة الطبية غير وافية بالغرض لأن خمسين في المائة ممن يقل إيرادهم السنوي عن ١.٢٠٠ دولار لا يعالجون في أثناء مرضهم مع شدة حاجتهم إلى شيء من العناية الطبية . أما المهملون طبيًا ممن يتفاوت إيرادهم السنوي بين 3.000 و 5.000 دولار فيبلغون الثلث ، ولا يقل عدد المهملين طبيًا ممن إيرادهم السنوي 10.000 دولار عن ١٤ في المائة
أضف إلى ذلك أن العلاج فيمن يعالجون قد لا يكون كافيًا . ولا تنس أن القوم قد حذفوا من هذه الإحصائية حساب السود ، لأن علاجهم أندر من أن يذكر .
هذه هي الخدمة الطبية في الولايات المتحدة التي يصح أن يقال عنها إنها غنية بثروتها غنية بكثرة أطبائها أو بنسبة عددهم إلى عدد السكان .
وهل الخدمة الطبية في غير الولايات المتحدة خير منها فيها ؟ كلا . ذلك لأن أغلب الناس ، في جميع البلاد ، لا يستشيرون الطبيب حين يجب أن يستشيروه خوف الأجور العاجلة أو الآجلة . فأغلب المرضى لا يذهبون إلى الأطباء إلا بعد تجربة الأدوية المجهزة ، التي يعلن عنها في صفحات الجرائد والمجلات ، وإلا بعد استشارة طائفة الدجالين أو الحلاقين ومن إليهم ، وإلا بعد التداوي بالوصفات الشائعة بين العائلات والأصدقاء .
ويقول الأمريكيون إنهم يحتاجون إلى 50.000
من الأطباء علاوة على من عندهم منهم لكي تكون الخدمة الطبية وافية بشكلها الحاضر ، أما إذا أراد الجمهور الأمريكي أن يستفيد من الطب الفائدة التى يستطيع الطب أن يؤديها ، فلابد أن يكون عندهم لكل 400 نفس طبيب ، أي يجب أن يكون عندهم من الأطباء ضعف العدد الموجود ، فوقتئذ يقوم الأطباء بالخدمة الطبية بنوعيها من وقاية وشفاء على الوجه الأكمل . ويقول القوم في أمريكا أيضًا : إن صحة أغلب السكان في الولايات المتحدة ليست على ما يرام ، وذلك لأنه قد اتضح من فحص ٢.٧٥٣,٩٢٢ للخدمة الحربية في أثناء الحرب العظمى أن ٤٧ في المائة منهم مصابون بأمراض وعاهات ، وأن ٢٥ في المائة لم يجندوا لعدم لياقتهم طبيًا ، مع أن المصابين بالأمراض الزهرية لم يرفضوا . ومن الحق أن يقال إن هذه الأمراض أو العاهات لم تكن من الخطورة بحيث تمنعهم من أعمالهم المدنية . وهم يستنتجون من ذلك أن نصف السكان تقريبا في حاجة إلى العناية الطبية ، أو أن نصف السكان مصابون بأمراض ربما كان من السهل اتقاؤها لو قام ألو الشأن عندهم بالعناية الطبية الصحية الضرورية ، وزاد عدد الأطباء عندهم الزيادة المطلوبة .
ويدعي بعضهم أن من الممكن تحسين الصحة العامة عندهم بتعيين طبيب لكل مائة وخمسين أسرة ، يكون من عمله أن يتعرف بهذه الأسر وأحوال أفرادها الصحية والاجتماعية وطرق معيشتهم ، وأن ينصرف بكل همته إلى المحافظة على صحتهم الحاصلة . أما مريضهم فليس من شأنه العناية به ، بل يرسله إلى المتوفرين على الأمراض المختلفة لعلاجه . وهم يعتقدون أن مثل هذا الطبيب يؤدي خدمة عظيمة ، لأنه يقي أفراد هذه العائلات من الأمراض التي يمكن اتقاؤها بإرشادهم إلى القواعد الصحية وبتصحيح العيوب الصحية المنزلية ، وباكتشاف الأمراض وهي
في أدوارها الأولى ، قبل أن يستفحل أمرها فتتلف صحة المصابين بها ، أو قبل أن تمتد منهم إلى غيرهم .
وإذا عرف الإنسان أن القوم في الولايات المتحدة لا يزالون ينشدون المزيد من المستشفيات والمصحات والمستوصفات على كثرتها عندهم ، وينشدون المزيد من الأطباء وعندهم لكل ٧٨٠ نفسًا طبيب كما قدمنا ، وينشدون المدارس الطبية وهي أكثر من أن تعد وتحصى ، لتخرج العدد المطلوب من الأطباء للوقاية الكافية والعلاج الشافي ، وينشدون المزيد من الصحة وهم أصح منا أكلا وشربًا وملبسًا ومسكنًا ، وليس عندهم من الأمراض المستوطنة ما عندنا مما أوشك أن يقضي على أرواح الفلاحين وصحتهم . ثم عرف الإنسان بعد ذلك أن القوم عندنا يضنون علينا بمدرسة طبية ثانية على قلة ما عندنا من مستشفيات ومصحات ومستوصفات ، وعلى قلة نسبة الأسرة لعدد السكان ، وعلى قلة ما عندنا من الأطباء لتأدية الخدمة الطبية الصحية ، الضرورية جدًا لانقاذ الأغلبية الساحقة من السكان من الأمراض التي تفتك بأرواحهم وبصحتهم فتكا ذريعًا - أقول إذا عرف الإنسان ما هنالك وما هنا ألا يخر صعقًا من هول ما يرى من الفرق العظيم ؟ ولعله باخع نفسه إذا عرف أن كلية الطب لا تقبل إلا عددًا محدودًا ، وأن هذا العدد المحدود كثيرًا ما يغربل غربلة شديدة في أول كل سنة من سنوات الدراسة بطريقة لم تعهد في جامعة من الجامعات .

