الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 282 الرجوع إلى "الثقافة"

خطاب، القاهرة في ١٩٤٤/٥/١

Share

أخي العزيز معذرة أن تأخرت في الكتابة إليك ، فقد مرضت مرضا خطيرا طال شهرين .

لقد أضعف المرض جسمى ، ولكنه صهر نفسي أتاح لي أن استعرض حياتي الماضية ، فرأيتني كنت أعني فيها بالسطح دون العمق ، تشغلني التوافه ، واطمح إلي أوهام ؛ فأخذت - في مرضي - اتعرف إلي الغرض من الحياة ، وأشتاق إلي تفهم معناها ، واجتهد ان اجتلي حقيقتها المغطاة والأشكال والأسماء ، وابحث عن نقطة الاتصال بين الله والإنسان ، كأن نفسي كانت نبعا مدفونا فتفجر ، وكأن الله كان في السماء فصار في القلب .

لشد ما يكون الإنسان أقرب إلي ربه في مرضه ، وفي أحزانه ، وفي شدائده ، لانه يطلب النجدة فلا يجدها في الأصدقاء والأقرباء ؛ وإنما يطلبها ممن لا تحد قوته ، ولا تقصر قدرته ؛ ولأنه في مثل هذه المواقف تتكشف له النفس الإنسانية فيراها ضعيفة بذاتها ، قوية بربها .

قلبت - أثناء مرضي - في دفاتري القديمة ، فوجدتني قد نما عقل وفتر قلبي ، ولوددت لو كان العكس . واقسم أبي لم أحزن على شيب رأسي كما حزنت على دبيب المشيب إلى قلبي ، فالقلب صلة الارض بالسماء ، ومهبط الوحي من السماء إلي الأرض ، والقلب هو الحب ، وهو الأنسجام ، وهو الجمال ؛ والقلب هو الدين ، وهو الأخوة ، وهو الانسانية ؛ وما الحياة بغير هذا كله إن العالم لم يسعد بنمو العقل بقدر ما شقي بضعف القلب ، إنه أهدى في الحياة من العقل ، إنه منبع السرور والألم ، إنه منار الحياة.

حبب إلي في مرضي التصوف ، والتصوف الحق سر الدين ، والفقه ظاهره، فقرأت فيه كتابين ، كان خير ما فيهما

الحديث عن القلب ، وخير الحديث عن القلب قصة جميلة قصها متصوف . قال : إن تأجرا ألهته التجارة عن صلاة الجمعة فما انتبه إلا في موعد الصلاة ، فتوضأ على عجل واسرع إلي المسجد ، حتى إذا أدركه رأى رجلا خارجا منه ، فسأله متلهفا : اتمت الصلاة ؟ قال : نعم فتاؤه التاجر آهة خرجت من أعماق قلبه . فسأله الرجل أتبيعني آهتك بصلاتي ؟ قال : نعم ! وتم البيع والشراء - ثم رأي التاجر النبي ) ص ( في المنام فعاتبه على بيعته ، وقال له : اتبيع نبض الحياة بعمل الجوارح ، وعصارة القلب بظواهر الحركات ؟ ! لقد غبنت أيما غبن في بيعتك .

وشغفت في مرضي - بنوع من الصلاة لطيف ، أن أمجد الله في جمال الطبيعة ، واعبده بالنظر إلي سمائه وارضه وفي جميع خلقه ، وأقرأ في كل ذلك فنا دونه أي فن ، وقلبا ينبض بالحياة ، موسيقى انغام وجمال انسجام ، وإبداعا في التكوين ، ووحدة في الوجود ، وتدرجا في الارتقاء ، وحياة متشابهة في الجميع ، " اعطى كل شيء خلقه ثم هدى" .

ما الفنان ؟ ما الموسيقى ما المثال ؟ ما الشاعر ؟ ما الأديب ؟ كل رأى جمال الطبيعة من زاوية ، وقدسه في نفسه ، وقلده في فنه ، وفني فيه فحيي نتاجه ، ورأى الله فيما تخصص فيه فآمن ولو كان ملحدا ، وآية إيمانه إقراره بأن جمال الطبيعة فوق جمال فنه ، وجلاله فوق جلاله ، وإحناؤه رأسه علامة الخضوع ، والإقرار بالعجز عن بلوغ شأوه

غصون وأوراق وأزهار ، وجبال ووديان ، وبحار وأسماك ، ونجوم وسماء ؛ كلها تحيا حياة واحدة وإن تنوعت اسماؤها وصفاتها ، ونفس إنسانية هي أعجب العجب ، وكل ذلك وحدة مرتبطة الأجزاء ، إن قرأت الألف فيها قرات الباء إلي الياء . وكما قال شاعر فارسي ظريف : " لما لم يكن للطفل اسنان كان لبن ، فلما كانت الاسنان كان الطعام الذي يتناسب والأسنان " ؛ وكل شئ في العالم مرتبط هذا الارتباط .

بالأمس أخذت كرسي عصرا ، ونزلت إلي حديقتي المتواضعة ، وصعدت إلي السطح مساء في ضوء القمر الساحر . وكان قد استولى علي التفكير في نفسي ، ماذا صنعت في الحياة ؟ اكتفيت بأنك تخط بالقلم على القرطاس ، وتخرج مقالا في صحيفة ، أو تنشر كتابا تؤلفه ، أكل هذا عملك في الحياة ؟ أما الانغماس في الحياة الواقعة وإصلاحها بقدر الطاقة ، فقد نفضت منها يدك ، فعاقبتك الطبيعة بشيء غير قليل من السأم ؛ فالطبيعة التي غرست في الإنسان المحافظة على ذاته غرست فيه المحافظة على نوعه ، فمن لم يحافظ على ذاته برم بالحياة ، لأنه انحرف عن سنة الطبيعة ، ومن لم يحافظ على نوعه بعمل في خدمته عاقبته الطبيعة بالسأم والضجر ، لأنه خرج على قوانينها ، وإنك أخذت في حياتك موقف " المتفرج " من رجال الإصلاح ورجال السياسة ورجال الدين ، وجلست تنظر إلي هؤلاء جميعا نظرك إلي ملعب كرة ، أو رواية في سينما ، أو منظر في تمثيل ، وتلذذت من هذه المناظر أو ألمت ، فكانت اللذة لنفسك والألم لنفسك لا للناس ، وغمرك شعور باطني بنوع من الإعجاب بنفسك ، لأنك استطعت أن تدرس هذا كله في جو هادئ ، كما تدرس موضوعا في مكتبتك ، وأن تنظر إلي المسائل الدينية والسياسية والاجتماعية من وجهها الصحيح ووضعها المستقيم ، فلم يصدك عن النظر الصحيح حرارة الحزبية ، ولم يعمك عن الحقيقة منافعك الشخصية ، ونظرت إلي الممثلين في هذه الأمور كلها نظرة المؤرخ الصادق ، تذكر ما لكل شئ وما عليه وأعجبك فهمك لهذه المناظر ، إذ تري أحيانا منظر طامع إلي المجد وإلى الشهرة وإلى المنفعة الشخصية يلبس علي المسرح ثياب الطهر والنقاء والغرام بالصالح العام ؛ وترى سمين الرغبة في المال يلبس ثياب الزهد في المال ، والمتاجر بالدين أو الوطنية منح على المسرح لسانا طلقا يجعل الناس يؤمنون أنه يعمل ما يعمل لخدمة الدين والوطنية.

وأعحبتك نفسك إذ منحت في هدوءك ودراستك ومكتبتك ما مكنك من رؤية الممثلين قبل ان يضعوا في وجوههم الأبيض والأحمر والشعر المستعار والثوب المصطنع ، واستطعت بعقلك وخيالك ان تدخل عليهم في حجرة الملابس والزينة قبل ان يتصنعوا ، ولكن هل من الحق أن تكون قابلا لا فاعلا ، و " متفرجا " لا ممثلا ؟ !

وهكذا أعزل نفس وأؤنبها ، لأنها رضيت أن تكون على هامش الحياة لا في صميمها ، وكان خيرا ان تنزل إلى الموقعة ، فاما قتلت وإما قتلت ، وإما كان الصدر وإنما كان القبر ؛ ثم أرضي عنها وأحبذ عملها ، لأنها عاهدت الله الا تنطق إلا بصدق ، ولا تنتصر إلا لحق ، فإذا أمكنتها الفرص فعلت ، وإلا تنحت ، ونفسك لا تصلح إلا لما فعلت ، وكل ميسر لما خلق له ، وحصانك لا يصلح إلا للسير في الطريق التي قطعت . فإن شئت طريقا آخر غير حصانك إن استطعت ، ومثلك الأعلى إما ان تصنعه من مال وجاه وشهرة ومنصب ، وإما ان تصنعه من الحب ، حب الخير والفضيلة والجمال والحق ؛ ومعبودك الذي تعبده إما الوثن وإما الله ، ولا يمكن أن تجمع بينهما .

وهكذا كان العراك بيني وبين نفسي ولا اكتمك أني عندما أخذت كرسي ونزلت إلي الحديقة كانت النظرة الأولى ، وعند ما صعدت إلى السطح كانت النظرة الثانية . أتستطيع أن تعلل لي ذلك ، وان تذكر لي أي النظرتين أحق وأصدق ؟ وما أصعب معرفة خبايا النفس لأنها آخر وأعقد ما حاولنا أن نستكشفه !

لقد تمنبت أن يصح جسمي وتبقي نفس صافية صفاءها في مرضي ، احتقر توافه الدنيا ولا اعبأ بها . ولكن ها هو دمي يجري من جديد في جسمى فيحمل في ثناياها الشهوات التافهة والأمال السخيفة ، فما احرى بالإعجاب أولئك الذين استطاعوا ان يحتفظوا بطهارة دمائهم على غزارتها وحيويتها .

آسف لأني حدثتك كثيرا عن نفسى ، وقد أردته  خطابا ، فلما بدأته نسيت فكان مقالا . فقد كنت في الصباح أكتب مقالا فسرت عدوى الصباح إلى المساء.

على كل حال أحسب صداقتنا تسمح لك أن تسر بجدي وهزلي ، ووقاري ولغوي .

اكتب لي كثيرا فكتبك تقع مني موقع الماء من ذي الغلة الصادي .

أهلك وأصدقاؤك بخير يسلمون عليك

اشترك في نشرتنا البريدية