مقدمة
في يوم من أخريات أيام الخريف من سنة ١٩٠٢ كان يجلس في ظلال اشجار الكستناء العتيقة بحديقة الاكاديمية الحربية بمدينة فينا فتي لم يبلغ بعد العشرين ، اسمه فرانتز كمسافر كبس ، شاءت له الظروف أن يستعد لأن يكون ضابطا ، على حين كان ميله إلي الشعر أقوى من ميله للجندية .
انتحي الفني من حديقة الاكاديمية هذه الناحية يشبع شوق نفسه بقراءة كتاب يحوي قصائد للشاعر الألماني ريبتر مر با لكه (Rainer Maria Rilke)وقد بلغ من شدة استغراقه في القراءة انه لم يكد ينتبه لهي قسيس الا كاديمية إليه ، وهو العلامة الفاضل هو راجيك ، الأستاذ الوحيد الذي لم يكن في سلك الضباط بين اساتذة الاكاديمية .
أخذ الأستاذ الروحي الكتاب من يد الفتي ، ونظر غلافه ، فهز رأسه وسأل في روية : اشعار مريا رلكه ؟ ثم أخذ بقلب صحائف الكتاب ويقرأ بعض الآبيات قراءة هي اشبه عمرو الطائر ، ثم أرسل بصره في الفضاء البعيد متفكراً وقال : هكذا صار الطالب رينر مريا رلكه شاعراً .
قص القسيس على الضابط التلميذ قصة رينو مريا رلكة ، ذلك الفتي النحيف الباهت اللون الذي بعث به أبواءه منذ أ كثر من خمسة عشر عاما إلى المدرسة الحربية الإعدادية في سانكت بواتن غير بعيد من برلين كي يتخرج ضابطا . وكان هوراجيك في ذلك الحين يقوم بوظيفة استاذ ووحي في تلك المدرسة ، ولكنه رغم طول العهد كان لا يزال يذكر ذلك الفتي رلكه تماما ، يذكر أنه كان شابا
هادئا عظيم الكفاية يؤثر ان يقف من زملائه جانبا ويحتمل صابراً كل ما في حياة الطالب الداخلي من قيود ، ويذكر ايضا انه بعد أربع سنين انتقل مع غيره إلى المدرسة الحربية الثانوية في إحدي مدن يوهيميا ، وهناك تبين ان جسم الفتي لا يقوي على احتمال الأعباء الحربية فأخرجه أبواه من المدرسة الحربية كي يواصل دراسته الأخرى في بلدتهما براج . وإلى هنا انتهت حكاية هوراجيك للظروف الخارجية لحياة رلكه.
كان طبيعيا أن يقرر كبس في تلك الساعة إرسال محاولاته الشعرية إلى رلكه يطلب رأيه فيها ، وكأنما أحس بمناسبه روحية بينه وبين رلكه لانه كان يشعر ان ميوله تعارض المهنة الحربية اشد المعارضة ، فرجا ان يجد عند رلكة ، الذي بدأ حياته ضابطا لكنه انتهى بأن سار شاعراً ، ما يشعر بحاجته إليه من العطف إن كان يأمل أن يجد ذلك عند إنسان ما . ولقد فاض عن نفس الفتى خطاب إلى رلكه أرفقه بأشعاره ، وأقضى له فيه بأسرار نفسه دون تحفظ وعلى نحو لم يصرح به لأحد قبل ذلك ولا بعده .
وقد انتظر الفني أسابيع كثيرة حتى جاءه الرد ، وكان خطابا ثقيل الوزن يحمل ختماً من باريس ، وعلى غلافه خط واضح جميل يدل على هدوء الكاتب وثقته واتزانه وهكذا بدأت مراسلة منتظمة بين كبس الذي صار شاعراً واديباً وبين رينر مريا رلكة واستمرت حتى عام ١٩٠٨ ، ثم تراخت حبا لها شيئاً فشيئاً لأن الحياة ساقت فتانا إلي طرق كان رلكه يود بعناية رقيقة حارة مؤثرة ان يفيه إياها .
وبعد أن انقضت على انتهاء هذه المراسلة أكثر من عشرين ستة نشر كبس عشرة خطابات من التي بعث بها إليه رلكه ، وهي عظيمة الدلالة على روح هذا الشاعر الألماني العظيم وعلى العالم النفسي الذي كان فيه يعيش وينتج كما أنها نافعة جدا لكثير من الشعراء والأدباء
الناشئين . ورغم أن خطابات كبس ليست بين أيدينا فإننا نستطيع ان نستشف موضوعها من وراء كلمات رلكة إن حاولنا إدراك مراميها وتنبهنا إلي دقائق ما تحويه من اراء ومشكلات لا تخلو منها حياة إنسان ناشئ . وأحب أن اعرض للقراء هذه الخطابات التي كانت في بعض سنين الغربية الطويلة غذاء نفسياً لي وسلوي من كثير من الألام .
الخطاب الأول باريس في ١٧ فبرابر ١٩٠٣
أيها السيد المكرم لم يصلني خطابك إلا منذ أيام قلائل ، وأريد أن أشكرك على ما تضمنه من ثقة كبيرة كريمة ، غير اني أكاد لا أقدر على أكثر من الشكر ، فأنا لا استطيع أن أتناول خصائص أشعارك بالبحث الدقيق لاني أبعد ما أكون عن القصد إلى النقد ، إذ لا شئ أبعد عن فهم العمل الفني من كلمات النقاد ، لأنها دائما تتضمن سوء فهم يختلف حظه من التوفيق ؛ وليست الأشياء كلها في متناول إدراكنا وتعبيرنا كما يراد في كثير من الأحيان إقناعنا بذلك ، بل إن معظم الحوادث العميقة في نفوسنا لا يمكن وصفها لأنها تحدث في مجال لم تطأه أقدام الألفاظ قط . وأعصى ما يكون أمام الألفاظ هي المبتكرات الفنية ، تلك الكائنات المحوطة بالأسرار والتي لا تزال نبقى بعد انقضاء حياتنا الفانية .
فأنا إذ أقدم هذه الملاحظة بين يدي خطابي ، أود رغم ذلك أن تسمع لي بأن أقول لك إن اشعارك ليس لها بعد طابع خاص يميزها ، هي بالأحري مبادئ هادئة مستترة للتعبير عن شئ شخصي يميزك ، وأوضح ما اشعر بذلك في القصيدة الأخيرة التي عنوانها ( روحي ) . هنا المح شيئا خاصاً بك يريد أن يتخذ لنفسه عبارة وصورة بظهر فيهما ، وربما يكون في القصيدة الجميلة التي توجهها إلي ليوبردي
شبه يتجلي بينك وبين هذا الشاعر العظيم المتوحد . ولكن قصائدك ليس لها رغم ذلك طابع خاص هي ليست شيئاً مستقلا بذاته ، حتى القصيدة الأخيرة والقصيدة الوجهة إلى ليويردي . وإن خطابك الكريم الذي أرفقته بأشعارك لا يفوته ان يعلل لي بعض النقص الذي احس به عند قراءة اشعارك والذي لا استطيع مع ذلك أن أعبر عنه بالألفاظ .
إنك تسألني إن كانت أشعارك جيدة ، تسألني أنا ، وقد سألت آخرين قبلي ، ثم إنك تبعث بها إلي المجلات ، وتقارنها بأشعار أخري ، ويقلقك أن ترفضها بعض هيئات التحرير . والآن ، بما أنك قد سمحت لي أنصحك ، فإني أرجوك أن نترك هذا كله ، إبك تنظر إلي الخارج ، وهذا بنوع خاص ما ينبغي ألا نفعله الآن . لا أحد يستطيع أن ينصحك أو يساعدك ، لا أحد ، وليس أمامك إلا طريق واحد : أدخل إلي نفسك وابحث عن السبب الذي يدعوك إلي الكتابة ، وتحقق مما إذا كانت أصوله ممتدة إلي أعمق مكان في قلبك ، تحقق من أنك لا بد أن تموت إن حيل بينك وبين الكتابة ؛ أسأل نفسك قبل كل شئ ، في أهدأ ساعات الليل هذا السؤال : هل لابد أن أكتب ؟ ونقب في نفسك عن إجابة عميقة ، فإذا جاءت هذه الإجابة مقرة لك على ذلك ، وإذا استطعت الإجابة عن ذلك السؤال الخطير بعبارة بسيطة قوية هي : لابد أن أكتب ، إذا فأين حياتك طبقا لهذه الضرورة القاهرة ، ويجب أن تكون حياتك حتى في أقل ساعاتها شأنا وأضعفها اهتماما ، يجب أن تكون شاهدا وعلامة على هذه الرغبة التي تدفعك . بعد ذلك اقترب من الطبيعة ، وحاول أن تعبر عما تري وتحس ، عما تحب وتفقد ، كأنك أول إنسان يفعل ذلك ، وتجنب أن تكتب أشعاراً غرامية ، وتجنب أولا أنواع الشعر الجاري المألوف فهي أصعب أنواعه ، وإن ابتكار شيء جديد خاص ، حيث توجد مأثورات غزيرة جيدة بعضها باهر ، يقتضي قوة كبيرة ناضجة ؛ ولذلك فلتتخلص من
الأغراض الشعرية العامة ولتقصد نحو ما تعرضه لك حياتك اليومية ، فصف أحزانك ورغباتك وأفكارك الجارية السريعة وإيمانك بأي نوع من أنواع الجمال ، صف ذلك بإخلاص هادي عميق متواضع ، واستعمل في تعبيرك عن نفسك ما تجده حولك ، استعمل صور أحلامك ومادة ذكرياتك ؛ فإذا بدت لك حياتك اليومية فقيرة فلا تلمها بل لم نفسك ، وقل لنفسك إنك لست بعد شاعراً له من ملكة الشعر ما يكفي لإدراك ما في الحياة اليومية من كنوز ذلك أنه لا فقر بالنسبة للشاعر المبتكر ، وليس ثم مكان فقير لا يثير الاهتمام ولو أنك كنت في سجن لا تدع حيطانه شيئا يصل إلى حواسك من ضوضاء العالم الخارجي أليس لا يزال عندك بعد ذلك طفولتك ، تلك الثروة الملوكية الجميلة وذلك الكنز العظيم من الذكريات ؟ وجه اهتمامك إلي هذا وحاول أن تستخرج الإحساسات التي غرفت وتوارت في ذلك الماضي للبعيد ، وهكذا ستقوي شخصيتك وتتسع وحدتك التي تشعر بها حتي تصير لك مأوي تمر ضوضاء الآخرين بعيدا عنه . وعند ذلك فإذا خرجت أشعار من هذا الاتجاه إلي داخل نفسك ومن الغوص في العالم الداخلي فيك فلا تفكر في أنذ تسأل أحداً إن كانت أشعارك هذه جيدة ، ولا تحاول أن تجعل المجلات تهتم بها ، لأنك ستجد فيها ثرونك الطبيعية العزيزة وقطعة من حياتك وصوتاً لها . إن العمل الفني يكون جيدا وذا قيمة إذا قاض عن صاحبه ضرورة ، وقيمته والحكم عليها إنما يكونان بحسب صدوره على هذه الصورة لا يحسب شئ آخر . لذلك لا أعرف أيها السيد المكرم ما أنصحك به غير هذا : وهو أن تدخل إلي نفسك وتمحص الأعماق التي تقبع منها حياتك وفي هذا المنبع ستجد الإجابة عن سؤالك : هل يجب أن أنتج ؟ خذ هذا الجواب كما هو بلا تأويل ، فربما تبين أنك مستعد ومقدر لك أن تكون فنانا ، وعند ذلك فلتأخذ الأمر على عاتقك ولتحمل عبثه وعظمه
دون أن تسأل اجرأ قد يأتيك من الخارج ، لأن الفنان المنتج يجب أن يكون عالماً قائماً بذاته وأن يجد كل شئ في نفسه وفي الطبيعة التي يعتبر نفسه جزءاً منها .
وربما اضطررت بعد الغوص في نفسك وفي وحدتك إلي الزهد في أن تكون شاعراً ، إذ يكفي كما قلت لك أن يشعر الإنسان بعدم قدرته على الحياة إن لم يكتب ، وإلا فينبغي الا بكتب قط ، ولكن هذا الرجوع إلي نفسك ، وهو ما أرجوك أن تفعله ، لن يكون في هذه الحالة سدى . ومهما كان الأمر فان حياتك ستجد من عند هذه النقطة طريقها الخاص ، وإن لارجو لك أن يكون هذا الطريق خيرا غنياً فسيحاً فوق ما استطيع أن أعبر لك .
ماذا عسي أن أقول لك بعد ذلك ؟ يظهر لي أبي قد أكدت ما أقوله بقدر ما ينبغي له من التأكيد . وأحب أخيراً أن أنصحك أيضاً بأن تنمو في تطورك هادئاً جاداً ، ولا شئ يكدر عليك هذا النمو تكديراً شديداً أكثر من أن تنظر إلي الخارج وننتظر الإجابة عن الأسئلة التي املك لن تجد الإجابة عنها إلا في أعماق شعورك عند أهدأ ساعاتك .
لقد سرني أن أجد في خطابك ذكر الأستاذ الهر هوراجيك ؛ فإني أكن لهذا العلامة الجدير بالحب إجلالا كبيرا وشكرانا يدوم مع السنين ، فأرجوك أن تبلغه شعوري هذا ، ومن كبير البر انه لا يزال يذكرني ، وهذا يا أقدره منه حق التقدير ..
أما الأشعار التي تفضلت بأن عهدت بها إلي فإني اعيدها مع هذا إليك ، واشكرك مرة اخري لثقتك القلبية العظيمة . وقد حاولت بهذه الإجابة المخلصة ، التي أبعتها إليك بحسب خير ما أعرف ، ان اكون اكثر استحقاقا لثقتك مما أنا بالفعل ، أنا الرجل الغريب عنك مع عظيم الإخلاص والعطف ريتر مريا رلكه ( يتبع )

