الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 381الرجوع إلى "الثقافة"

خطابات إلى شاعر ناشىء

Share

- ٩ - فوريورج ، يونسيريد ، السويد في توفير ١٩٠٤

ياعزي هركئيس في هذه الفترة التي انقضت دون أن اكتب إليك فيها كنت احيانا على سفر واحيانا مشغولا ، فلم استطع الكتابة ، ولا أزال إلي اليوم أجد الكتابة شاقة ، لأني كان لابد أن أكتب خطابات كثيرة حتى تعبت يدي ، ولو اني كنت استطيع الإملاء لفلت لك الكثير ؛ فلتقبل هذه الكلمات القليلة ردا على خطابك الطويل .

إني أفكر فيك كثيرا ،ياعزيزي هركيس ، وأتمني لك من الآماني العميقة ما كان يجب أن يعينك على نحو ما معونة حقيقية . أما أن خطاباتي يمكن أن تساعدك حقا ، فهذا ما أشك فيه غالبا ؛ فلا تقبل إنها تساعدك ، بل خذها في سكون وبدون شكر كثير ، ودعنا ننتظر ما سيأتي ربما لا تكون هناك جدوي في مناقشة عباراتك واحدة واحدة ، لان ما استطيع أن أقوله لك فيما يتعلق بميلك إلي الشك أو يعجزك من التوفيق بين ظاهر حياتك وباطنها أو بكل ما يضيق له صدرك فهو دائما عين ما قلته لك من قبل ، وهو أني أحب لك ان تجد في نفسك من الصبر ما يكفي لكي تحتمل ، ومن السذاجة ما يكفي لكي تؤمن ؛ يجب عليك أن تزداد دائما ثقة مما هو شاق وثقة بوحدتك بين اقرانك ؟ وفيما عدا ذلك فلتدع الحياة تجري مجراها ، وصدقني أن الحياة على حق في جميع الأحوال .

أما عن احساساتك فالنقى الطاهر منها هو الذي يشمل كل ناحية من كيانك ويسمو بك ، وضده هو الذي لا يشمل إلا ناحية واحدة من ذاتك فيضيق عليك الخناق . وإن كل ما تذكره فيما يتعلق بطفولتك فهو خير ، وكل ما يجعل منك شخصا خيرا مما كنت من قبل في أحسن ساعاتك فهو خير ايضا ، إن كل محاولة منك للسمو بنفسك تكون خيرا إذا كانت في كل قطرة من دمك ، إذا لم تكن مجرد نشوة خادعة ولا اضطرابا ، بل إذا كانت غبطة واضحة نري كل ما فيها إلي الأعماق ، فهل تفهم ما أعني ؟ أما الشك فقد يكون صفة حسنة لو أنك هذبتة

إن الشك يجب أن يكون شكا مستنيرا غارقا ، هو يجب أن يكون نقدا وتمحيصا ، ولنسأله كما أراد أن يفسد عليك شيئا : لماذا هذا الشر ، ولتطالبه بالبرهان ولتمتحنه ، فربما وجدته حائرا لا حجة بيده ولا رأيا صائبا . وربما وجدت أنه غاضب عنيف في اشتهائه ، فلا تطعمه ، ولا تسلم نفسك له ، بل طالبه بالأدلة ، وكن على هذا النحو منتبها مستقيم المنطق دائما ؛ وسياتي اليوم الذي يصير الشك فيه ، بعد ان كان عاملا مخربا ، من احسن معاونيك ، بل ربما كان امهر عامل تبني به حياتك

هذا كل ما استطيع اليوم ، يا عزيزي هركيس ، ان أقوله لك ، وأرسل لك مع هذا مستخرجا منفردا من قصيدة صغيرة ظهرت الآن في مجلة " العمل الالماني " (Deutsche Arbeit) بمدينة براج . في هذه القصيدة اواصل حديثي معك عن الحياة والموت وعن ان كلا منهما عظيم وجليل

- ١٠ - باريس في اليوم الثاني من أيام عيد اليلاد سنة ١٩٠٨

لابد أن تعلم ، بإ عزيزي هركيس ، كم أسعدني أن

أتلقي منك هذا الخطاب الجميل ، فان الأنباء التي تذكرها بما أراه فيها من أنك قد انتهيت إلي واقع تعبر عنه بوضوح هي أنباء طيبة كما يظهر لي ، وما فكرت في ذلك شعرت أنها طيبة حقا . وقد كنت أحب في الواقع أن أكتب إليك هذا الخطاب ليلة عيد الميلاد ، ولكني قضيت هذا الشتا ، كله في عمل لا ينقطع ، ثم جاء العيد القديم مسرعا . حتى لم يكن لدى من الوقت ما يكفي للقيام بإعداد الزم الضروريات فضلا عن الكتابة .

ولكنى فكرت فيك كثيرا في هذه الآيام ، أيام العيد ، وصورت لنفسي كيف انك لابد ان تكون هادئا في حصنك المنعزل بين تلك الجبال الخالية التي تهجم عليها رياح الجنوب الشديدة كانها تريد ان تبتلعها قطعا كبيرة .

إن السكون الذي يتسع لهذه الرياح بما تحدثه من ضوضاء وحفيف لابد أن يكون كبيرا ، وإذا صور الإنسان لنفسه إلى جانب هذا كله قرب البحر يضم إلى ذلك صوته الذي ربما كان أعمق نغمة في هذا الانسجام الذي لا تبلغه ذاكرة التاريخ ، فإنه لا يستطيع إلا أن يتمني لك أن تترك صابرا واثقا هذه الوحدة العظيمة تعمل عملها فيك ، هذه الوحدة التي لا يمكن ان تخرجها من حياتك والتي ستظل عاملا مستترا يؤثر في كل ما تحس به وما تفعله أو يقع لك تأثيرا حاسما هادئا ، كدم الآباء الذي يجري فينا دائما وينضم إلى طبيعتنا الخاصة فيتحد معها ويؤلف ذلك الشئ الفريد الذي لا يتكرر والذي هو نحن في كل نقطة حاسمة من حياتنا .

نعم إنه ليسرني انك تحيا هذه الحياة المستقرة الواضحة ، وان لك هذه الرتبة وهذه الخدمة العسكرية ، ان لك كل هذه الأشياء المحسوسة المحدودة التى تبدو ، في مثل تلك الجهة التى انت فيها مع فئة منعزلة من الجنود ، في صورة جادة وملزمة . هذا سيمكنك من اشياء وراء ما يلعب به ويتسلى لقضاء الوقت في المهنة الحربية ، وهو يقتضى منك

أن تستعمل وقتك استعمال المتيقظ ، هو لا يتطلب من الإنسان انتباها واستقلالا فحسب ، بل هو يربيه أيضا ، ومن النافع أن نــــــكون في ظروف نفعل فعلها فينا وتضعنا بين حين وآخر أمام الأشياء الطبيعية الكبيرة .

والفن إنما هو طريقة في الحياة ، ويستطيع الإنسان ان يستعد له دون أن يشعر بذلك ، ومهما كانت صورة حياته . ونحن نكون في كل أمري من الأمور الواقعية أقرب إلي الفن وأدني جوارا مما لو كنا في تلك المهن التي ليس فيها شئ حقيقي والتي هي نصف فنية ، التي توهم بقربها من الفن ، لكنها تنكر في الواقع وجود كل فن وتهاجمه ، وهذا ما تفعله طريقة الصحافة بكل أنواعها وما يفعله كل النقد تقريبا ، وثلاثة أرباع ما يسمي الأدب أو يريد أن يسمي كذلك . وبالاختصار يسرني أنك قد تغلبت على الخطر الذي كان محدقا بك وانك تعيش وحيدا سعيدا في مكان ما من الواقع الشاق ؛ وإني لأ تمني أن السنة التي على الأبواب تحفظك في هذا وتقويك ، لك دائما . ( انتهت الخطابات العشرة )

اشترك في نشرتنا البريدية