الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 413الرجوع إلى "الثقافة"

خطابة الرسول

Share

أشهر العرب قديما بأنهم كانوا أهل فصاحة ولسن ، وخطابة وجدل ، وقد صور القرآن الكريم فيهم هذا الجانب تصويرا طريفا ، فقال عز وجل : " وإن يقولوا تسمع لقولهم " ، وقال سبحانه وتعالي : " ومن الناس من يعجبك قوله ؟ وقال جل شأنه : " فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد " . وقال تعالى . " ولتنذر به قوما لدا " وقال : " أآلهتنا خير أم هو ، ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون " . وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استمع إلي بعض خطبائهم فقال : " إن من البيان لسحرر " .

وإلى هؤلاء الخطباء الآبيناء ، والجدلين الفصحاء ، أرسل النبي محمد عليه السلام ، وفي يمناه آيات الذكر الحكيم التي نزلت في أروع صورة عرفها العرب للبلاغة ، وإنها

لصورة معجزة تقطعت آمال الناس في العصور المختلفة دون محاكاتها ، والإتيان بشيء على مثالها . أما يسراء فقد جاءت وراء يمناه تحمل خطبه وأحاديثه التى كانت تعبر أجمل تعبير عن هذا النور السماوي الذي انبثق في فؤاده ، وتألقت أضواؤه في طوايا روحة ، وعلى صفحات وجدانه .

وطبيعي أن نصيب خطابة النبي وخطبه حظوظا واسعة من البلاغة وروعة الفصاحة ، فقد أعطي جوامع الكلم ، وإنها لجوامع تنبع من ميراث حكمة ، وإنها لتحقها العصمة ، وقد أعجب بها إعجابا منقطع القرين من كانوا في عصر ومن جاءوا بعد عصره ، وقد أشاد بها الجاحظ في بيانه طويلا . واستمع إليه يصف النبي صلى الله عليه وسلم فيقول : " إنه لم تسقط له كلمة ، ولا زلت له قدم ، ولا بارت له حجة ، ولم يقم له خصم ، ولا أفحمه خطيب ، بل يبد الخطب الطوال بالكلام القصير ،

ولا يلتمس إسكات الخصم إلا ما يعرفه الخصم ، ولا يحتج إلا بالصدق ، ولا يطلب الفلج إلا بالحق ، ولا يستعين بالخلابة ، ولا يستعمل المواربة ، ولا يهمز ، ولا يلمز ، ولا يبطئ ، ولا يعجل ، ولا يسهب ، ولا يحصر ، ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعا ، ولا أصدق لفظا ، ولا أعدل وزنا ، ولا أجمل مذهبا ، ولا أكرم مطلبا ، ولا أحسن موقعا ، ولا أسهل مخرجا ، ولا أفصح عن معناه ، ولا أبين في فحواه ، من كلامه صلى الله عليه وسلم "

وواضح أن الجاحظ تنبه إلى عنوان رسالة النبي وغايته من دعوته ، إذ قال إنه كان يطلب الصدق والحق ، وما يطوي فيهما من خير ، وقد تنبه أيضا إلى أنه لم يكن يستخدم الخلابة والمواربة ، ولا الهمز واللمز ، لأن ذلك لا يتلاءم مع المثل الكامل الذي رسمه الرسول لنفسه في حياته وتقيد به في جميع أقواله وأفعاله ، ثم يلاحظ الجاحظ أنه لم يكن يبطئ ، ولم يكن يعجل ، وكأن ذلك كان ضروريا لتقريره وتعليمه وبث مبادئه ودعوته ، وينتقل الجاحظ من ذلك إلى الإشادة ببيانه وتبيانه ، وسهولة مخارجه ، وحسن موقع كلامه ، واعتدال أوزانه ، ولا عجب فهو سيد الفصحاء ، والبلغاء في عمره وبعد عصر غير مدافع ولا منازع .

وإذا كان كلام الرسول صلى الله عليه وسلم عامة تسمه هذه المياسم الشريفة في رأي الجاحظ ، فلا شك أنه كان لخطابته القدح المعلى بين فنون هذا الكلام ، إذ كانت أدانه إلى فل حصاة خصومه ، كما كانت لسانه في نشر الدين الجديد . وإن من يرجع إلي تاريخ السيرة النبوية يجد الخطابة متجلية في سطورها الأولى ، فإن الرواة يزعمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين رأي أن يبلغ قريشا رسالته إليهم ، دعاهم ، ثم وقف بينهم ، حمد الله وأثنى عليه قائلا :

" إن الرائد لا يكذب أهله ، والله لو كذبت الناس

جميعا ما كذبتكم ، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم ، والله الذي لا إله إلا هو إنى لرسول الله إليكم خاصة وإلي الناس كافة ، والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ، ولتحاسبن بما تعملون ، ولتجزون بالإحسان إحسانا ، وبالسوء سوءا ، وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا " .

أرأيت إلي هذه الخطبة القصيرة التي قلت حروفها وكلماتها ، وكثرت معانيها ومدلولاتها ؟ ! وإنه ليتلطف في استهلالها ، إذ يذكر صلته بقومه وأنها صلة الرائد بأهله وأنه لو كذب الناس جميعا أو غرهم جميعا ما كذبهم ولا غرهم ، وهو يريد أن ينفذ من ذلك إلى أن يثني إليه أعناقهم ويستميل قلوبهم ، حتى إذا تم له ذلك فجأهم ببعثته إليهم وقد وضع تحت أعينهم الموت والنشور ، والحساب والعقاب والثواب ، وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا . وعلى هذا النسق الواضح البين الذي لا يعرف كلفة ولا مشقة في التعبير كان يخطب الناس واعظا وداعيا إلى دينه الحنيف . واستمع إليه يقول في خطبة أخري : " أيها الناس ! إن لكم معالم فانتهوا إلي معالمكم ، وإن لكم نهاية فانتهوا إلي نهايتكم ، فإن العبد بين مخافتين : أجل قد مضي لا يدري ما الله فاعل به ، وأجل باق لا يدري ما الله قاض فيه ، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ، ومن دنياء لآخرته ، ومن الشيبة قبل الكبرة ، ومن الحياة قبل الممات ، فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب ، ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة والنار " .

وأنت تري هذه الخطبة كسابقتها تمتاز بالإيجاز والضبط والإحكام الشديد للآلفاظ والعبارات . وإن الإنسان ليشعر شعورا واضحا بأن صاحب هاتين الخطبتين على قصرهما كانت لديه قوة يصرف بها اللغة على النمط الذي يريده ، فليست هناك لفظة تستصعب عليه ولا عبارة لا تستجيب إليه . ولا يظن القارئ أن الرسول عليه السلام كان يوجز في خطبه دائما، فقد روي الباقلاني أنه خطب

يوما بعد العصر فما زال يخطب حتى لم تبق من الشمس إلا حمرة على أطراف السعف ، وأيضا لا يظن القارئ أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يخطب كثيرا ، فإن ما بين أيدينا من نصوص يدل على أنه لم يترك مشهدا عظيما أو مجمعا حافلا إلا وبادر إلى الخطبة فيه . على أننا نعرف ما كان من تشريع الخطبة في صلاة الجمعة ، ومعنى ذلك أنه كان يخطب كل أسبوع ، ومعناه أيضا أنه خطب مئات الخطب ، ولكن للأسف سقط من يد الزمن هذا التراث الضخم ، ولم يبني منه إلا قطع نقرؤها في كتب الأدب والتاريخ ، وأمل القارئ يدهش حين يعرف أن خطبه يوم الجمعة لم يحتفظ لنا الرواة منها إلا بخطبة واحدة رواها الطبري ، وهي خطبته في أول جمعة جمعها بالدينة ، ونحن نسوقها برمتها ، لما لها من أهمية تاريخية ، وقد استهلها على هذا النحو : " الحمد الله ، أحمده ، وأستعينه ، وأستغفره ، وأستهديه ، وأومن به ولا أكفره ، وأعاد من يكفره ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ، لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالهدي والنور والموعظة ، على فترة من الرسل وقلة من العلم ، وضلالة من الناس ، وانقطاع من الزمان ودنو من الساعة ، وقرب من الأجل ، ومن يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن بعضهم فقد غوي وفرط ، وضل ضلالا بعيدا . وأوصيكم بتقوي الله فإنه خير ما أوصي به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة ، وأن بأمره بتقوي الله ، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه ، ولا أفضل من ذلك نصيحة ، ولا أفضل من ذلك ذكري ، وإن تقوي الله لمن عمل به على رجل وعخافة من ربه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة ، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية لاينوي بذلك إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره ، وذخرا فيما بعد الموت ، حين يفتقر المرء إلي ما قدم ، وما كان من سوي ذلك يرد لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا ، وبحذركم الله نفسه ، والله رمضان بالعباد ، والذي

صدق قوله وأنجز وعده ، لا خلف لذلك فإنه يقول عز وجل : " ما يبدل القول لدى وما أنا بظلام للعبيد " فاتقوا الله في عاجل أمركم وأجله ، في السر والعلانية ، فإنه من يتقي الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا ، ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما ، وإن تقوي الله يوقي مقته ، ويوقي عقوبته ، ويوقي سخطه ، وإن تقوي الله يبيض الوجوه ويرضي الرب ويرفع الدرجة . خذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله . قد علمكم الله كتابه ونهج لكم سبيله ، ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين ، فأحسنوا كما أحسن الله  إليكم ، وعادوا أعداءه ، وجاهدوا في الله حق جهاده ، هو اجتباكم وسماكم المسلمين ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحي من حى عن بينة ، ولا قوة إلا بالله ، فأكثروا ذكر الله ، واعملوا لما بعد اليوم ، فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس ، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه ، وملك من الناس ولا تلك منه . الله أكبر ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " .

وما من ريب في أن صورة هذه الخطبة - إذا صحت - هي الصورة التي تحكمت في خطب الجمع النبوية كما تحكمت في خطب من جاءوا بعده من حيث طريقة افتتاحها بالحمد والصلاة على النبي عليه السلام ، ثم من حيث توشيحها بآي القرآن الكريم ، ثم من حيث ما تعالجه من الدعوة إلى تقوي الله وخشيته ، وطاعته وطاعة رسوله وما جاء به من أوامر ونواه .

وقد امتازت الخطبة بالتكرار في ألفاظها ومعانيها . ونحن نعرف أن التكرار من أهم رسوم الأسلوب الخطابي وسماته . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يميل إلي هذا التكرار كما يبدو من خطبته الكبيرة الأخرى التي احتفظ لنا الرواة بكثير منها ، وتعمد خطبة حجة الوراع ، فقد كرر فيها عبارتين مرارا ، وهما : أيها الناس ، ثم ألا ها بلغت ؟ اللهم اشهد . ولعل مما يتصل بهذا التكرار

ما روي عن أنس بن مالك من أنه كان يعيد الكلمة ثلاثا لتعقل عنه . ولسنا ندري هل كان يصنع ذلك ببعض عبارات خطبه أو لم يكن يصنع ، ولكن على كل حال ظاهرة التكرار مثبتة فيها ، وهي ظاهرة تعم الأساليب الخطابية .

ويظهر أنه صلى الله عليه وسلم كان يعني بمنطقه عناية شديدة ؟ فقد روي عن عائشة أنها قالت : " ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد كسردكم هذا ، ولكن كان يتكلم بكلام بين فصل يحفظه من جلس إليه " . ومعنى ذلك أنه كان يراخي بين عباراته حين يتكلم ، فلا يسرع بها ولا يتعجل فيها ، بل يفصل بعضها من بعض متمهلا متأنيا وكما كان يعني بصورة منطقه كان يعنى بمنطقه نفسه ، أى بألفاظه وعباراته ، ولكنها عناية محدودة ، فلم يكن يفزع إلي السجع في خطابته ، إذ لم يكن يحب أن يعتمد على خلابة في خطبه ، ومع ذلك فإن من يتابعه فيها يجده يعنى بسهولة مخارجه وجمال ألفاظه ، بحيث تكون فصيحة عذبة . وقد كان يكره الإغراب في اللفظ ، وقد أثر عنه في هذا الباب أنه قال : من بدا جفا . وكما كان يكره  الإغراب كان بكره التزيد والتشادق والثرثرة ، فقد روي الجاحظ أنه كان يقول : إياي والتشادق ، وقال : أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون ، وكما كان يكره ذلك كان يكره المبالغة في جهاز الصوت وانتحال سعة الأشداق وعدل الشفاء .

وينبغي أن يفصل القارئ بين كراهته لكل هذه الضروب التي تدل على التكلف والتصنع وبين عنايته بألفاظه وأساليبه ، فليس من شك أنه كان يعنى إلى حد ما باختيار ألفاظه وانتخابها بحيث تكون سلسلة عذبة . ويظهر أنه كان له ذوق طريف في هذا الجانب ، ولعل مما يشهد لذلك ما رواه الجاحظ في ديوانه من أنه قال ذات يوم لأصحابه : لا يقولن أحدكم خبئت نفسي ، ولكن ليقل لقست نفسي . ومعنى ذلك أنه كره أن يضيف المؤمن الطاهر إلى نفسه الخبث والفساد .

والحق أن ما بقي من خطابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ينطق بفصاحة لهجته ، وبلاغة عبارته . وكم كنا نتمنى أن يحفظ لنا معاصروه ما ألقي من خطب ، ولكنهم لم يصنعوا ، ولعل عنايتهم بالقرآن هى التي صرفتهم عن العناية بخطابة الرسول . ولعل من الطريف أن نذكر هنا أنه كان لا يشذ عن عادة العرب أثناء خطبه من الاعتماد على المختصرة والقضيب أحيانا ؟ ففي الحديث أنه جاء البقيع ومعه مختصرة ، ويقول الجاحظ : " كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يخطب بالقضيب ، وكفى بذلك دليلا على عظم غنائها ، وشرف حالها ، وعلى ذلك الخلفاء وكبراء العرب من الخطباء . ويبدو من النصوص أنه لم يكن يعتمد على المختصرة والقضيب دائما ، ففي الشمائل للترمذي أنه كان يشير إذا اشار بكفه كلها ، وإذا تعجب قلبها ، وإذا تحدث اتصل بها ، وضرب براحته اليمني بطن إبهامه اليسري

وبعد فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيب العرب قاطبة في عصره ، وما زال خطبه - أو بعبارة أدق بقايا خطبه - مائلة تحت أعيننا نستشف منها ما كان يتصف به من سهولة اللفظ وإقامة الوزن وطلاوة المبارة وفخامتها كما تستشف منها ما كان يدعو إليه من محبة الصدق والحق والخير والجمال

اشترك في نشرتنا البريدية