الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 165 الرجوع إلى "الثقافة"

خطبة الحجاج، في الكوفة

Share

ما عرضت على ذهني أول خطبة للحجاج في الكوفة الا تراءت لي في صاحبها أشياء غير بلاغته ، لقد انكشف لى بعد تقليب النظر في هذه الخطبة السر في توفيق الحجاج من أول يوم ولي فيه العراق فليس بالامر الهين ان ينقاد الناس إليه في المسجد هذا الانقياد ، ثم ينبسط سلطانه هذا الانبساط فكيف خضع أهل المسجد خضوعهم الذي عرفناه ، وكيف سكتوا سكوتهم الذي عهدناه

لقد انتدب الحجاج ، لا بل لقد ندب نفسه إلى أمر تهيبه شيوخ بني أمية وخافوا خواتيمة أفليس بالامر العجيب أن يخرج عبد الملك إلي اصحابه ويقول لهم ثلاث مرات : ويلكم ! من للعراق ؟ فيصمت القوم ، وينبري الحجاج فيقول : والله انا لها يا امير المؤمنين ، فيقول له عبد الملك : انت زنبورها ، ويكتب إليه عهده

ليس هذا كله بالأمر اليسير فعلي أي شئ اعتمد الحجاج في الإقدام على أمر أحجمت عنه مشيخة بني أميه ؟ وما هي العدة التي أعدته وهيأته لمثل هذا الأقدام ، وهو لو هفا فيه أقل هفوة لذهبت هفوته بحياته وبسلطان بني أمية في العراق ؟

لو بث المؤرخون في يومنا هذا ، وحاولوا النظر في سيرة الحجاج ، ونقبوا عن اسرار توفيقه من أول يوم امتد فيه ظله إلى العراق ، ما أغفلوا العوامل النفسية في هذا التوفيق ، مثل معرفته بطبائع الناس ، وتنوعة القوم بيلاغته ، وفورة شبابه وحيطته لامره ، وأشياء كثيرة اختص بها في سياسته في العراق ، لا مجال لذكرها في مثل هذا المقام ، لأن الكلام على سر توفيقه من أول خطبة خطبها ليس إلا .

لقد قال الناس في الحجاج بن يوسف وأبيه ما قالوا ، وأنشدوا شاهدا من الشعر على أن الحجاج وأباه كانا معلمين بالطائف . ولما قدمت وفود العراق على سليمان بن عبد الملك بعد ما استخلف ، امرهم بشتم الحجاج ، فقاموا يشتموه ، فقال بعضهم : إنه كان عبدا زيابا ، قنور بن قنور ، لا نسب له في العرب ،

على أن فيلسوف المؤرخين وأعني به ابن خلدون ، تمرض في مقدمته لنسب الحجاج وأبيه ، ولاصر تعليمهما في الطائف ، فوضع هذا الأمر اكمل توضيح ، فقد نبه على أخطاء المؤرخين ، ومن جملتها ما نقلوه من أحوال الحجاج وأن أباه كان من المعلمين ، فذكر أن التعليم في صدر الاسلام وفي صدر الدولتين ، الأموية والعباسية ، ثم يكن فيه شئ من الفضاضة . فقد كان أهل الأنساب والعصبية الذين قاموا

بالملة هم الذين يعلمون كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، تباينا للخير . لا التماسا للمعاش ، إذ الكتاب إنما هو كتابهم المنزل علي الرسول منهم ، وبه هدايتهم ، والإسلام دينهم ، فاتلو عليه وقتلوا واختصوا به من بين الأمم ، ثم يقعد بهم عن هذا التعليم شيء من كبرهم وانفتهم . ويشهد بذلك بعث النبى صلى الله عليه وسلم كبار اصحابه مع وفود العرب يعلمون الناس حدود الاسلام وما جاء به من شرائع الدين

ولم يدخل التعليم في جملة الصناعات والحرف إلا بعد استقرار الاسلام ؛ فاشتغل حينئذ أهل العصبية بالملك والسلطان ، وشمخت أنوف المترفين عن التصدي للتعليم ، فانتحل المستضعفون من الناس ، وصار منتحله محتقرا عند أهل العصبية والملك ، والحجاج بن يوسف كان ابوه من سادات ثقيف واشرافهم ، ومكانتهم من عصبية العرب ومناضة قريش في الشرف معلومة ، فلم يكن تعليمه للقرآن للمعاش ، وإنما كان على ما وصفه ابن خلدون في الكلام المتقدم .

وعلي هذا الوجه لم يبقى شك في أن التعليم لم يحط من قدر الحجاج ، أو من قدر أخيه أو من قدر أبيه ؛ وكثيرا ما فخر الحجاج بأنه ابن الاشياخ من ثقيف والمقاتل من قريش ، على ان هذا كله ليس ما ارمى إليه في الباب الذي أخوض فيه ، فالذي أرمي إليه إنما هو الأمر الآتي : إنى أري في ممارسة الحجاج لصناعة التعليم سرا من أسرار نجاح سياسته ، فقد مكنه هذا التعليم من الوقوف علي الطبائع ، والتغلغل إلي بواطن النفوس ، وكشف الغطاء

عن مواطن الترغيب والترهيب ، وعن مواضع الغضب والرضاء ، والطاعة والعصيان ، وعن الزمن الذي تنفع فيه الشدة ، والزمن الذي ينفع فيه اللين ، فان صلة المعلم بطلابه تمهد له السبيل إلي النفوس البشرية ، فتصبح له ملكة خاصة في سياسة الناس ، وفي استمالتهم وتنفيرهم ، وفي استثارتهم وتسكينهم ، وامثال هذا كله . وليس معنى كلامي أن كل معلم برزقه الله تعالى هذا الحظ من المعرفة ، في المعلمين كما في كل طبقة من طبقات

الناس ؛ ولكن رجلا مثل الحجاج اختصه الله بمثل ما اختصه به من فضل السياسة زاده التعليم سعة في هذا الفضل . فلما ولي العراق وقذف في مسجد الكوفة بالخطية التي قذف بها ، وكأنها نار جهنم ، كان عالما بطبائع الناس ، واقفا علي المذاهب التي ترهبهم وتفزعهم :

ولولا معرفته هذه لما جرؤ على مثل ما جرؤ عليه في الكوفة ، وأهل المسجد الذين سمعوا هذه الخطبة لم يكن هواهم في بني مروان ، وما منهم رجل جالس في مجسله إلا ومعه العشرون والثلاثون من أهله ومواليه ، فلم يتحرك أحد منهم

إلا أن التعليم لم يكن السبب الأوحد في توفيق الحجاج ، فان بلاغة الحجاج كانت عاملا من عوامل هذا التوفيق ، ولم ينكشف تأثير الكلام في الجماهير انكشافه في عصرنا هذا ؟ فان اكثر رجال السياسة المبرزين في سياستهم هم امراء البيان ، ومن لم يكتب له نصيب من

هذه البلاغة قل حظه من التوفيق في السياسة ، والحجاج في هذا الميدان فارس في الرميل الاول من الفرسان ؛ لقد ذكروا عنه أنه إذا صعد المنبر نافع بمطرفة ، ثم تكلم رويدا ، فلا يكاد يسمع ، ثم يتزيد في الكلام حتى يخرج بدء من مطرفة ، ويزجر الزجرة فيفزع بها اقصى من في

المسجد ؛ وقال فيه مالك بن دينار : رغما سمعت الحجاج يخطب ، ويد كر ما صنع به اهل العراق وما صنع بهم ، فيقع في نفسي انهم يظلمونه وانه صادق لبيانه وحسن تخلصه بالحجج ، ولست أشك في أن شكله الشاذ كان له بعض التأثير في الجماعات ، فضلا عن بلاغته ، فقد كان اخيفش العينين ، مسلق الأجفان ، أصك الرجلين

فأول خطبة خطبها في الكوفة كان لها أبلغ أثر في توفيقه ، ولقد تصرف في خطبته هذه تصرف العارفين باسرار التأثير ؟ فان صعوده المنبر متلثما ، متنكيا قوسه ثم جاوسه واضعا إبهامه على فيه ، ثم تكلمة رويدا ، ثم تزيده في الكلام ، ثم زجرته - كل هذا من الأمور التي ميلت الأنظار إليه . فالحجاج ملك عيون الناس قبل الشروع

في الكلام ، وهذا باب من أبواب البراعة ؛ ولو خطب من فوره دون هذه الحركات كلها ، لضعف سلطانه على القلوب ؛ ولكنه أحب قبل كل شئ ان يمكن العيون منه ، فلما تمكنت منه هذا التمكن ، وغص المسجد بأهله حسر اللثام عن وجهه ، ثم قام ونحي العمامة رأسه ، ثم انسق في الكلام ، وكان من امره ما كان .

ولا ريب في أن الحجاج لما قذف بأوائل خطبته علم العلم كله أنه نوم أهل المسجد على تعبير عصرنا هذا ، فسبهم إرادتهم وشعورهم وتفكيرهم ، وعرف انهم لا يستطيعون ان يتصرفوا في شيء من هذه الارادة ومن هذا الشعور ومن هذا التفكير ، فأخذ يلعب بهم كما يلعب الطفل بالتصاوير ، واستمر على طرازه من الشدة في الكلام ، والغلظة فيه دون ان يخشى خروج أحد عليه من اهل المسجد ، فكان القوم قيد إرادته وقيد إشارته ، بأمرهم

فيأتمرون ، وينهاهم فيتناهون ، وأكبر دليل على ذلك قوله لهم : يسلم عليكم امير المؤمنين فلا تردون عليه السلام ، فلما قال قوله هذا قال أهل السجد كلهم : وعلى امير المؤمنين السلام ورحمة الله وبركاته ولم يشغب عليه شاغب .

وإذا أضفنا إلي بلاغة الحجاج قوة شبابه عرفنا أن هذا الشباب عامل آخر من عوامل توفيقه ، فان الشيوخ يقيمون لجلائل الأمور أوزانها ، فلا يقتحمون في الأغلب من احوالهم في الذي يقتحم فيه الفتيان ؛ وحجة ذلك أن عبد الملك بن مروان لما انتدب اصحابه إلي العراق تهيبوا الأمر وحذروه ؛ قدم الشباب في الأقدام على عظائم الأمور غير دم الشيوخ وقد كان الحجاج في أول ولايته العراق

في مقتبل العمر ، كان عمره ينيف على ثلاثين سنة ، وكان واثقا بنفسه الثقة كلها  عالما بأنه أمر الكتابة التي نثرها عبد الملك طمعا واحدها سنانا ، وأشدها تكبرأ ؛ ومع هذا كله فقد أخذ بالحيطة في امره ، فلم يقدم العراق على ما ذكره بعض المؤلفين في ثمانية رجال او تسعة على النجائب ؛ وإنما قدم الكوفة ومعه جيش ، ولكنه لما بلغ القادسية أمر الجبش أن يقبلوا وان يروحوا وراءه وردا يجمل عليه

فتب ، فجلس عليه بغير خشية ولا وطاه ، واخذ كتاب عبد الملك بيده ، ولبس ثياب السفر ، وتعمم بعمامته حتى دخل الكوفة وحده ؛ ولم يدخل بغداد كما قال بعضهم ، فان بغداد من بناء المنصور ، فلم تكن في أيام الحجاج ؛ وعلى هذا لم يبلغ منه التهور ان يقدم العراق في ثمانية

رجال أو تسعة ، وإنما ترك جيشه في القادسية ، وهي على ابواب الكوفة ، فان شاب الحجاج لم يمنعه من حيطة الشيوخ ، فهو أعقل من ان يجرؤ على العراق دون الاستعاية بالجيش ، والعراق يومئذ حبل من نار :

أظن أن هذه الأمور إنما هي في مقدمة الأمور التي مهدت للحجاج سبيلا إلى نجاح سياسته في العراق من أول يوم دخل فيه الكوفة . وقد بقيت أشياء كثيرة عن

سياسته وعن أخلاقه لا يتسع لها هذا المقام ، ولولا فضل هذه السياسة وهذه الأخلاق ما احتمله العراق عشرين سنة !

) دمشق )

اشترك في نشرتنا البريدية