تتضاءل قيمة بعض الحيوانات في النهار وترتفع تلك القيمة في الليل لاعتبارات تفرضها يقظة القرية ورقادها . فقد يصيح الديك صيحاته المنقطعة المتعددة في وضح النهار ، ولكنها تذوب في صوت اليقظة فلا يلتفت إليها ولا يؤبه بها ، وينبح الكلب في القرية نباحه المتواصل أو المنقطع ، فيمتزج صوته بالاصوات الاخري ، وتتلاشي جميعها في تلك اليقظة . .
ولكن عندما يقترب المساء ، وتعود القرية تحتضن ما انتشر منها عند الصباح من إنسان ودواب ، ويتكاتف سواد الليل شيئا فشيئا ، وتندرج القرية في هدوئها حتى تخالها تغط في إغفاءة من النوم - عند ذلك والليل ساج والقرية هادئة ناعمة تصور نفسك وأنت تسمع نباح الكلب يقطع سكون الليل في أوله لعله يوحي للمسافر ليلا بأنسة تزيل بعض الوحشة من رهبة سكون الليل ، بل لعله يرشد
ضالا نحو حي أهل بالسكان . أو قد يثير اليقظة والانتباه في أهل الحي نفسه عند قدومه لذاك المكان . ولكن كل هذه الانطباعات تتضاءل بجانب ذاك الانطباع القوي عندما يعلو نباح الكلب بصوت متصل يقترب من الزئير فيكون في حالة الدفاع لاقتراب خطر يتوقعه . . عندئذ تشاركه كلاب القرية في النباح وبالعزم نفسه حسب قربها من مصدر النباح الرئيسي فتخال كلب النهار تحول إلي سبع الليل ، بل وتخال القرية وقد نام أهلها تحولت إلي مسبعة .
أيها الكلب . . عفوا ! أيها السبع . نعمت المسئولية التي سمت بك خولتك سبعا ، تؤنس والليل موحش ، وتحرس والناس نيام . .
ويسير الليل حتى منتصفه فيعلو في القرية صوت آخر ، تعلو قيمته في الليل بقدر ما تتضاءل في النهار ، الا وهو صوت الديك . . ومن منا لم يسمع صيحة الديك الاولى تقطع سكون الليل في النصف الأخير منه .
ينفض الديك جناحيه ويصفق بهما رافعا عنقه ، مطلقا في الفضاء صيحات متوالية ، مشاركا زملاءه الديكة في صيحاتها التى تنبعث في القرية فترة قصيرة ، ثم يعود الديك والديكة إلي الغفوة .
وتتكرر تلك الصيحات في فترات منظمة يكاد يضبط الإنسان الوقت حسبها ، وكأن هذه الفترات من يقظة الديكة وصياحها ، تتخللها اغفاءات منتظمة كأنها فترات تمهيدية إلى اليقظة الأخيرة التي تتمثل في صياح الديكة عند مطلع الفجر ، فتكون هذه هي النداء الأخير لاستيقاظ القرية .
أيها الديك الموقظ . . نعمت تلك الصيحات المعهدة لصيحتك الأخيرة لتبعث حياة القرية عند الفجر من جديد . أيتها القرية . . هنيئا لك - كلبك الحارس الأمين ، وديكك المنبه اليقظ . .
بنير - فلسطبن

