الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

خطر يهدد, مطالعات الاطفال العرب !

Share

بلغني في صائفة ١٩٥٣ ان محاولات كانت تبذل من طرف بعض دور النشر الفرنسية لاصدار كتب عربية انيقة للاطفال العرب ، فتعجبت من ذلك ولم اكد اصدق ثم رفعت كتفى وقلت : " وهل يمكن ان يوقق الغرباء عن العربية فيما لم يفلح فيه العرب انفسهم ؟ "

ولكن الخبر اخذ يتردد في بعض الاوساط وبدأت تظهر بعض الايضاحات حتى تبين ان فى المسألة جدا وان هناك فعلا مساعى حثيثة تقوم بها شبه رابطة كونتها دور النشر الفرنسية لاصدار كتب عربية للاطفال راقية الاخراج ، زهيدة الثمن ، غزيرة المادة ؟

واخيرا انجلى الشك حين قيل ان بعثة نائبة عن تلك الرابطة اتت الى تونس وسعت للاتصال بالمسؤولين وبذوى الاقلام وبمتعهدى التوزيع وقدمت الى بعضهم عروضا مغرية وربما تعاقدت معهم كما قد تعاقدت مع عدة اشخاص فى مختلف البلاد العربية

وقد كتبت شخصيا فى السنة الماضية مقالا فى هذا الموضوع ونشرته على صحيفة يومية ولوحت الى خطر ذلك السعى ولكننى كنت اتصور رغم كل ذلك ان تلك المحاولات فاشلة فاكتفيت بنشر المقال المشار اليه ، وبتأليف لجنة داخل منظمة التعاضدية التونسية للتعليم العصرى مهمتها دراسة مشكلة " كتب الاطفال " وعرض ارائها ومقترحاتها على الوزارة ، وقد تم عمل تلك اللجنة اذ اعدت تقارير ضافية وعرضتها على موافقة المعلمين المجتمعين فى تمرين المدرسة العصرية الاخير وسيقدم التقرير حالا الى الوزارة .

ولكن تلك المساعى كلها اصبحت اليوم ضئيلة جدا بالنسبة للخطر الداهم الذي يهدد طفولتنا ذلك الخطر الذي برزت ظواهره الاولى فى هذه الكتب التى اخرجتها تلك الرابطة التى كنا نتوقع خيبة مساعيها

وليسمح لي القارىء الكريم بان اقدم له في عجالة خاطفة مختلف اوجه هذه المشكلة حتى يتصور بالتدقيق خطورة هذا الامر ووجوب مبادرة المسؤولين بالانكباب على حله .

فقرنا المدقع فى ميدان التأليف للاطفال

لو ذهبت الى مكتبة فرنسية مثلا وطلبت منها كتبا ليطالعها طفلك لقادتك البائعة الى ناحية من المكتبة تكاد تضيع بين جوانبها الفسيحة العديدة ولوجدت عن يمينك ويسارك وخلفك وقدامك وعلى راسك مئات الكتب وعشرات المجموعات المتنوعة بالنسبة لكل سن وبالنسبة لكل جنس وبالنسبة لكل فن وبالنسبة لكل صنف بين مقوى الغلاف ومذهب العنوان ومحفوظ فى ورق صقيل الخ .. مئات بل آلاف من الكتب اللطيفة الرائعة البديعة الاخراج الرفيعة الورق الجميلة الصور ؛ ويا ليتهم اكتفوا بذلك ولكنهم توصلوا ايضا بسعيهم الى ارضاء رغائب الطفل الى تجسيم الصور داخل الكتاب (!!!) فما ان يقلب الطفل صفحة حتى يجد امامه منظرا مجسما تجسيما لا مصورا فقط ! كل ذلك والاثمان زهيدة جدا حتى ليحار المرء كيف ان ثمن الكتاب الواحد لا يكاد يسد اجرة صنع تجسيم واحد لتلك الصور التى يحتوى عليها الكتاب ولا يكاد ايضا يساوي نصف ثمن الغلاف المتين الذي يحفظ كل سفر !

هذا ما نجده عند الفرنسيين وما يمكن ان نجد عند الانقلوسكسونيين مثلا او السويديين ادعى الى الدهشة والاعجاب والأكبار ايضا فماذا نجد فى تونس بل فى كافة الاقطار العربية مجتمعة ؟

حقا ان الامر لمخجل وان الحالة لتدعو الى الاسى ! ان جدتى العجوز التى لا تعرف الحساب ولكنها تعد " بالحارة " لتستطيع ان تحصى تلك الاسفار التى لا تكاد تعمر طابقا واحدا من مكتبة اخى وقد بدأنا فى تكوينها منذ عشر سنين وحفظنا فيها كل كتاب عربي لمطالعة الاطفال بين صغار وكبار وذكور واناث

ثم انظروا الى تلك الكتب ان جاز ان نطلق عليها ذلك الاسم ! .. وبعد ذلك اسالوا عن ثمنها !..

فلنذكر اهم اسباب هذا الفقر المدقع بايجاز ١) ان العرب لم يعتنوا بالتفكير فى مطالعات اطفالهم ولم يكتبوا للاطفال

الا فى السنين الاخيرة وهم الى الآن - وان هم اهتدوا الى نقصهم في هذا الميدان - لم يتبينوا اهمية هذه المسألة تبينا كاملا وهم ما زالوا يخبطون فى تصور الغاية الحقيقية من مؤلفات الاطفال !

٢) الكتاب ودور النشر لا يستطيعون بمفردهم الاضطلاع بمهمة التأليف للاطفال ولكن الاخصائيين فى التربية والمسؤولين عن الثقافة فى كل بلد هم الذين يتحتم عليهم المشاركة فى هذا العمل العظيم مشاركة بالمادة العقلية وبالتوجيه وبالمساعدة المالية والأدبية

٣) الاطفال العرب لا يطالعون فنتج عن ذلك ان عدد المطبوعات من كل كتاب قليل وبالتالى ثمن كل نسخة مرتفع وانجر عن كل ذلك ان دور الطباعة والنشر لم تستطع تجهيز نفسها بالآلات والادوات العصرية التى تستعملها دور الطباعة في اروبا فبينما يطبع من كتاب مطالعة فرنسى خمسون الف نسخة تباع الواحدة بخمسين فرنكا نرى الشرقيين لا يستطيعون ان يطبعوا اكثر من خمسة ءالاف نسخة يبيعون الواحدة منها بمائة وخمسين فرنكا !!!

ماذا نتج عن هذا الفقر ؟

منذ اقدم العصور كانت دور النشر فى فرنسا تتبارى ويقاوم بعضها بعضا بل وتتطاحن احيانا فى سبيل ترويج بضاعتها ولم يتسن لها بحال ان تنعم بالسلم فيما بينها او ان تتحد فى امر

واليوم نراها تلقى السلاح وتتعانق مع بعضها وتكون رابطة عظيمة رصدت لها عظيم الاعتمادات ومكنتها من احدث الآلات وارفع المواد ، كل ذلك لماذا ولاية غاية ؟ -كل ذلك لتستحوذ على هذه السوق الرحبة الشاغرة فى بلادنا العربية عموما ولتنتج لابناء العرب كتبا عربية لا نستطيع ولن نستطيع بحال مزاحمتها فى اخراجها ولا فى زهادة اثمانها

وهذا الامر الذي لا نستطيع تحقيقه نحن العرب ولو اتحدنا جميعا مع بعضنا فى هذا الميدان ، نراها هى تنتجه وتبرزه الى الوجود بكل سهولة ودون تكبد مشاق عظيمة ثم تربح اموالا طائلة

تصدر كل من تلك الديار كتبا بالفرنسية تحليها بصور رائعة وتنتجها بواسطة آلة " الليتوقرافير " التى تخرج في آن واحد الوانا عديدة وبديعة .

فماذا فعلت هذه الديار كى لا تكون مصاريفها باهضة فى انتاج الكتب العربية ؟ انها اخذت نصوص تلك الكتب الفرنسية وكلفت اناسا بترجمتها ثم اخرجتها مع نفس الصور التى ابرزتها فى الكتب الفرنسية واستعملت نفس ( الكليشة ) فلم تتحمل الا ثمن الورق واجرة المترجم والخطاط وكانت الصور مجانية !!!

ولو حاول احد الناشرين العرب ان يخرج كتابا من نوع تلك النبى اخرجتها الدور الفرنسية لاضطير الى بيعه بثمن يساوى عشرة اضعاف ثمن مثيله الذى يبيعه الفرنسيون اى اذا كان هذا الكتاب الذى اخرجته الدور الفرنسية يباع بمائة فرنك ، لن نستطيع نحن اذا انتجناه ان نبيعه باقل من الف فرنك !!!

قد يقول بعض قصار النظر : " ولكن ما فى هذا الامر من عيب ؟ وما هذه العنصرية ؟ الا يحق لنا بالعكس ان نعمل بمبدأ " تنازع البقاء " فنبتهج بهذا العمل الذى يوفر لابنائنا مطالعات شيقة وزهيدة الثمن وماذا يعنينا بعد ذلك ان يكون قد انتج تلك الكتب زيد او " فرنسوا " او " بيارو " لذلك نبادر برفع هذا الالتباس

ماذا يترتب عن هذه الحالة ؟

من الناحية الاقتصادية : لست اختصاصيا في هذا الموضوع ولكنى اشعر كفرد من افراد هذا الشعب بان تمكين الاجانب من سوق في عقر دارنا ، يحتكرونها بحيث تبور بضاعتنا ، سيسلط ضربة مهلكة على جهازنا الاقتصادي او بالاحرى اجهزتنا الاقتصادية نحن معشر العرب

من الناحية التربوية :

اما فى هذا الميدان فاننا نلمس بانفسنا الخطر العظيم الذي يحيط بنا ونشعر بالالم المبرح الذى يصيبنا من جرائه ، ناهيك ان ارواح فلذات اكبادنا هى المهددة فى الموضوع ، وانى لارغب من كافة المربين ان ينكبوا على هذه المسألة ليتبينوا نواحي خطرها العظيم لاني لن استطيع فى هذه العجالة الاحاطة بتلك الاخطار وتعدادها ولكنى اذكر فقط على سبيل المثال ما يلى واشير على طالب مؤيد الاسترشاد فى هذا الباب ان يتصفح بنفسه ما ظهر من تلك الكتب وان يمحص على سبيل المثال كتاب " الالياذة والأوديسا " الذى اخرجته دار " فرنان ناطان " الفرنسية

هناك ناحية اساسية لا بد لنا من مراعاتها ومن الاقتناع بها إذا كنا حقا حريصين على مستقبل ابنائنا ومؤمنين بوجوب اعداد رجال اعزاء لهذا الوطن المفدى وتلك الناحية هى : انه لمن الرشاد ولمن الاكيد الا نتهاون بالمثل العليا والقيم السامية في سبيل زهادة الثمن او عشق المظاهر الخلابة وبعبارة اخرى عوض ان نتمتع بصرنا بتلك الصور الزاهية الرائعة التى تزين الكتب التى نتحدث عنها وعوض ان نبتهج بانخفاض اثمانها يتحتم علينا اولا وبالذات تمحيص داخل الكتاب ومعايرة محتواه بمقياس صحيح هو مقياس المثل التربوية السامية ، فذلك هو المهم فى الموضوع وذلك الجوهر هو الذى سيساهم فى تكوين ارواح رجال الغد .

وانه لا يسعنا بعد تمحيص ما جاء بين ايدينا من تلك الكتب المغرية التي نشرتها دور الغرب لابنائنا العرب الا ان نلاحظ ما يلى :

من الناحية الاسلوب :

رأينا ان هذه الكتب معربة عن كتب فرنسية ومن الملاحظ ان هذا التعريف كان حرفيا لا يتماشى بحال مع الذوق السليم ولا يتفق مع قواعد اللغة العربية ، انظر مثلا هذه الجملة التى بحذافرها وهى آخر جملة وردت فى كتاب " قطيطات " وهى جملة مسبوقة بثلاث نقط متوالية : " . . ولما نفكر ان هذا العصفور الصغير اشجع منا " - الراء فى نفكر مضمومة - فهل هذه جملة عربية ؟

لاحظ كذلك الاغلاط الفادحة فى هذه الجملة الواردة فى كتاب " الكلب الغريب الاطوار " من سلسلة " كوكوريكو " ص ٦ : " . . راحوا يعدون بعضهم - بالضم - بعضا . واحد اثنين ، ثلاثة ..." ومثل هذه الاغلاط التى لا تغتفر فى كتب الاطفال ومثل تلك التراكيب الناشزة التى لا يجدر ان يتمرن عليها اطفال فى طور التعليم شائعة فى كل صفحة من صفحات تلك الكتب

كما نلاحظ ان المحرر للنصوص او مترجمها يظهر انه لا يمت الى التربية بصلة ولكنه انسان مستاجر طلب منه ان ينقل الى العربية كلاما فرنسيا ، فقام بالمهمة حسب اجتهاده دون مراعاة للشروط الاساسية التى ينبغى ان تتوفر فى اسلوب كتب الاطفال وفى انتقاء الالفاظ السلسة الحلوة الى غير ذلك من الامور التى لا يدركها الا من كانت مهمته تربية الاطفال ناهيك ان لاختيار اسماء ابطال القصة فقط فلسفة برمتها !

وهناك ناحية تمتاز بها عامة الكتب التى اتصلنا بها من ذلك الصنف وهي ان اسلوب الكتاب لا يتماشى مع مستوى الفكرة ، فبينما نجد محتوى الكتاب مجعولا لاطفال لا يتعدى سنهم السابعة على اكثر تقدير ، نجد الاسلوب بالعكس اما معقدا لا يفهمة الا تلاميذ الدرجات العليا او متعمدا شيئا من البلاغة بحيث لا يتماشى مع سن الاطفال الصغار ، انظر مثلا الى هذه الجمل الواردة فى كتاب يخاطب محتواه اطفالا فى عامهم السادس او الخامس : " ... هناك شخصيات عجيبة فى بيت الدجاج . ما انكرة صوتا صوت الديك الرومى ! وقد كنا نظن انه سيد لطيف ! هذا الصعلوك من وراء البلور لا يرتاح اليه ". يرتاح مبنى للمجهول -

والسبب راجع في ذلك الى ان الطفل الفرنسى الذى الف له الكتاب فى الاصل يسهل عليه فهم لغته التى يتكلمها عادة ، بخلاف الطفل التونسي الذي يتعلم العربية تعلما فى المدرسة !

من ناحية المادة :

لسنا في حاجة الى ذكر الاختلافات العظيمة والبون الشاسع بين عقلية الطفل الاروببى وعقلية الطفل العربى بصفة عامة ، فالبيئة والتربية وكل مقومات عقلية هذا الطفل وذاك مختلفة اشد الاختلاف ومن الخور والجهالة ان نعتقد ان الموضوع الذي يروق لهذا الطفل سيستسيغه ذاك !

ومن هنا نتبين ان مناولة أطفالنا مادة مستقاة من بيئة غير بيئتهم يعتبر جهلا بنفسية الاطفال وتهاونا برغائب ناشئتنا

واني لاذهب الى ابعد من ذلك واجزم بان إدمان اطفالنا على مطالعات تصور لهم وسطا غير وسطهم وحياة غير حياتهم - مع ما فى ذلك من تشويق وتزويق وتمويه - سيزرع فى نفوس اطفالنا بعد طول المدة ذبذبة خطيرة لن تحمد عقباها !..

على انك عندما تتصفح جميع تلك الكتب وتتابعها من اول صفحة الى آخر صفحة لا تجد اية فكبرة ولا تلوى على اية فائدة ولا تغنم اى محصول ولو كان زهيدا ، فهذه الكتب ليست قصصية ولا خرافية ولا وصفية ولا روائية ولا ثقافية ولكنها هذر فى هذر وفراغ فى فراغ ، كانت تتمتع برونق فى الاسلوب المعهود عند الاطفال فلما جردت من ذلك الرونق اصبحت شبح سراب !

اننا نريد لاطفالنا مطالعات جدية لا خرافية ملفقة ولا اصطناعية مملة

ولكننا نريد لهم مطالعات شيقة لطيفة وثقافية وعلمية صحيحة تنمي في ارواحهم غريزة التطلع الى الجمال والى الحق والى الكمال

الخطر الاعظم فى المشكلة

لو كانت المسألة مقصورة على تلك النواحي العديدة التي تشين اسلوب تلك الكتب ومحتواها لهان الامر اذ فى استطاعتنا ان نأمل بان تلك الكتب لن يكتب لها الرواج بحيث يزول الخطر من تلقاء نفسه ولكن المسالة ادهى من ذلك بكثير لان تلك الكتب التى امتازت بمثل ما ذكرنا من الخلل الفادح فى الجوهر قد تزينت بابدع ثوب خارجي واروعه وذلك من شانه ان يغطى فادح عيوبها ويبرزها في نظر الاطفال كارفع واحمل ما يمكن ان يقتنوه واذا اضفنا الى ذلك زهادة الثمن تبينا ان تلك الكتب سيضمر لها كامل الرواج وانها لا محالة ستقضى قضاء مبرما على جميع كتب المطالعة العربية الاخرى وتتسبب فى امر الخيبات لكل المحاولات الصالحة المفيدة التى يقوم بها رجالاتنا فى سبيل اعداد غذاء روحى لاطفالنا من النوع الراقي الذي يحتاج اليه رجال تونس الغد ، وهكذا نتبين بوضوح مدى ما فى هذه المشكله من خطورة عظيمة تهدد كيان طفولتنا وبالتالي كيان امة المستقبل

هل من امل فى ايجاد علاج سريع ؟

اخاف ان يكون ما قد نقترح من علاج متاخرا عن موعده بحيث تكون كل محاولة عديمة الجدوى لانى ارى الداء قد بدأ يستفحل وما اظن القائمين على هذا المشروع المدمر لكياننا لينى العريكة او مستعدين للتراجع ولو وجهنا ما وجهنا ضد محاولاتهم من اسلحة دفاعية مشروعة ولكن الانسان اليقظ والرجل الحازم لن يستسلم ولو فل سلاحه ، لذلك ارى انه من المتأكد جدا ان تتظافر جهود الدولة ، بل ان امكن جهود الدول العربية وجهود الافراد العاملين والمربين الحازمين وجهود كافة الهيئات الساهرة على مستقبل الطفولة للمبادرة بمواجهة التيار الجارف بما يستحق من احتياطات قوية حازمة واهم تلك الاحتياطات عمل ايجابي سريع يتمثل فى الانكباب على تاليف كتب لمطالعات الاطفال تتوفر فيها جميع الشروط التى نفرضها على مطالعات تتماشى واهداف التربية السامية ثم اخراج تلك الكتب العديدة فى سلاسل مختلفة واكساؤها بما تستحق من اجمال والرونق ولكن هذا العمل لن يكون موفقا الا اذا اهتمت به الدوائر الرسمية اهتماما كاملا ورصدت له ما يستحق من الاعتمادات والمساعدات الادبية والمالية

واشير بهذه المناسبة الى ذلك العمل الجليل الذى قامت به التعاضدية التونسية للتعليم العصرى فقد وفقت الى تاليف سلسلة من الكتب العلمية والثقافية التى لم يسبق لها مثيل فى المؤلفات العربية وجمعت كل الشروط التى تكفل لها تأدية مهمتها على احسن وجه ولكنى الاحظ بمزيد الاسف ان تلك المنظمة العتيدة لم تستطع طبع تلك السلسلة الضافية من المؤلفات نظرا لقلة رأس المال ولعدم وجود المساعدات من طرف الدوائر الرسمية

كما انى الاحظ بان بادرة طيبة جدا يمكن لنا ان نعلق عليها عظيم الآمال فى هذا الميدان - اذا تحققت - واعني تاسيس المنظمة العظيمة التى شرع فى تكوينها الاتحاد العام التونسى للشغل وهى " التعاضدية القومية التونسية للتامين " التى سيكون لها بعيد الاثر فى فض مثل هذا المشكل الخطير الذى يمس فى آن واحد جهازنا الاقتصادى وجهازنا التربوي

اما الناحية السلبية التى تتضمن تحذير الناشئة والمربين من المطالعات التى لا تعود عليهم الا بالوبال وبيان ما فى تلك المطالعات من اخطار وكذلك تفضيل مطالعات على اخرى ، هذه الناحية لا يمكن لنا ان نشرع فيها الا بعد تكوين راس مال وافر ، اى بعد تحصلنا على مؤلفات للاطفال عربية حقا وتونسية صرفة تخدم مثلنا العليا وترمز الى السمو بناشئتنا الى ذرى العزة والكرامة

ومن هنا يتضح مرة اخرى ان شروع المربين والمسؤولين عن الثقافة القومية فى عملهم الانشائى امر اكيد جدا لا يتحمل اي تراخ

وعسى ان نهتدى الى ما فيه خير بلادنا وناشئتنا ولغتنا .

اشترك في نشرتنا البريدية