الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 665الرجوع إلى "الثقافة"

خطوات أدبية

Share

فرغت من مطالعة كتاب خطوات أدبية للكاتب الكندي الفكه ستيفن ليكوك فألفيت فيه حديقة فينانة طافحة بالدعابات الحكيمة والنوادر المرحة واللذعات الساخرة والملح اللطيفة ، مما يكاد يطرق كل شأن من شئون الحياة ؛ فلا يملك القارئ إلا أن يهتز لها عجبا وطربا . فستيفن ليكوك الذي خبر الحياة حلوها ومرها ، وهو أستاذ في إحدي الجامعات الأمريكية ، ثم وهو كاتب يشار إليه بالبنان في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ، تجده يتنقل بنا في خضم الحياة الزاخر ، من أفق إلى أفق ، ومن لون إلى لون ، ملاحظا منقبا متغلغلا إلى أبعد خلجات النفس البشرية واهتزازات العواطف ، فيصورها لنا جميعها بريشة فنان بارع . فهو تارة يصور شذوذ الإنسان العقلي أو الفكري ، وطورا تقلبات النفس وما يعتورها من شطحات خيال ، وتصرفات غير مألوفة لا تصدر إلا عن مريض ، وتارة اخرى برسم دخائل هذه النفس وما تنطوي عليه من طمع وأثرة وغيرة وحسد ، وما يراودها

من أحلام المنى كحب الغنى والسيطرة والتمتع بالمباهج ضاربا على ذلك كله أصدق المثل مستخلصا أبلغ العظات والعبر

لقد قال أحدهم عن ليكوك إنه بين معاصريه جميعا من الكتاب في إدخال المتعة على القلوب بحيث يمكن القول أنه من أعظم أصحاب النكتة في التاريخ فكل نادرة من نوادره ودعابة من دعاباته تقوم شأن كل نادرة ودعاية حقة على أساس من الحكمة العميقة والمعرفة الصحيحة بدخائل النفس وأحاسيسها الخفية . وقد أبى ناقد إلا أن يضع قصص ليكوك ولطائفه في مرتبة الأدب الرفيع الكلاسيك وقد يكون ستيفن ليكوك في مقدمة أولئك الرواد الذين شادوا أسس النكتة في أمريكا الشمالية - هذه النكتة التي شاعت وتنوعت فأصبحت من مميزات هذا الشعب . ولئن كان بعض الملح الأمريكية أحيانا ما ، ذوق الشرقي ، بسبب اختلاف البيئة أو الطابع الفني الذي صيغت فيه النكتة ، فإن ستيفن ليكوك عرف كيف يصوغ طرفه وتحفه في قالب شامل مبتكر ، حيث يسهل على الصيني مثلا إدراك مغازيها ، والارتياح لها بقدر ما يري الأميركي فيها مرآة صافية لطوايا نفسه ودخائل لبه .

ولا عبرة في أن الكاتب كان كنديا إذ أنه عاش في الولايات المتحدة حقبة من الزمن أستاذا في جامعة ماكجيل Mceill بشيكاغو وقد نشر معظم آثاره في المجلات والصحف الأميركية

فإنا تصفحنا الكتاب رأينا ألوانا من هذه الطرق تتصل كل واحدة منها بشأن من شئون الحياة أو مشهد من مشاهدها وها أنذا أسوق ثلاثة أمثلة منها فقط ونحن لا يهمنا إن كانت هذه الموضوعات واقعية أم أنها من نسج الخيال بقدر ما يهمنا ملاحظته من ارتفاع ليكوك بها عن طابع التكلف والحذلقة فجاءت هينة طبيعية متقادة

فأول هذه المشاهد قضية ذلك الرجل الذي أراد أن يودع أمواله في البنك لأول مرة .. وفيها تصوير لشعور الخشية والتكتم الذي يلازم معظم الناس عند دخولهم البنك لا سيما إذا كانوا يدخلونه لأول مرة وما يرافق ذلك من حيرة

وارتباك من كثرة النماذج التي تعرض على المرء والموظفين المختصين الذين يتعين عليه المرور بهم كل في دوره ويقصد الرجل البنك فيلج باب البناء مترددا متلفتا ويحم شطر المحاسب ليلتمس منه مقابلة المدير العام . . ثم يزل لسانه - وهنا عقدة السكتة - فيقول إنه يبغي مقابلة المدير على انفراد . . فتنبعث في أرجاء البنك حركة غير عادية ، ويقتاد الرجل إلى غرفة المدير فيرحب هذا به ويسأله عما لديه من معلومات ، حاسبا إياه أحد رجال البوليس السري ، وقد جاء ينذره من مؤامرة تحاك للسطو علي أموال البنك . ويسقط في يد الرجل ويتمتم قائلا : إنه ليس من رجال البوليس السري ، بل جاء ليودع أمواله في البنك ، فيرتاح المدير للنبأ - وقد سري عنه - ويسأل الرجل عن قيمة الأموال التي ينوي إيداعها . فيجيبه هذا بأنها خمسة وستون دولارا عدا ونقدا . . ! فينهض المدير وقد ضاق ذرعا بالرجل ، ويأمر أحد المحاسبين باستلام المبلغ منه . غير أن الرجل لم يكد يودع الخمسة والستين دولارا حتى قطن إلي أنه يعوزه إبقاء ستة دولارات منها معه ، كمصروف خاص ؟ فيستكتب المحاسب صكا بهذه الدولارات الستة لسحبها من الرصيد العام ويمسك بالصك ليوقعه - وهو في أشد حالات الاضطراب والخجل ، فيخطئ ويضع الرقم خمسة ( ٥ ) إلي جانب الرقم ستة ( ٦ ) فيصبح مجموع ما سيسحبه ( ٦٥ )دولارا ، وهو كل المبلغ الذي أودعه منذ هنية ؛ وفي غمرة هذه الورطة التي ألمت بصاحبنا تتراءي له فكرة التحدي والتزق كأن يظهر أمام موظفي البنك بمظهر من خدشت كرامته أثناء كتابة الصك الأخير ؛ فيعدل عن رأيه في إيداع أمواله ، ويطالب بسحبها كلها

ويسترد الرجل نقوده ويخرج من البنك لا ينوي على شئ ولكنه لم يكد يوصد الباب خلفه حتى رنت في أذنيه عاصفة قوية من الضحك ارتجت لها جوانب البناء

ومنذ ذلك الحين لم يعرف صاحبنا طريقه إلى البنك مرة أخرى بل كان يودع أوراق البنكنوت في جيب سراويله  أما القطع الفضية فيلقي بها في جورب

أما القصة التالية فتصور لنا ما تعوده معظم شركات التأمين على الحياة من ترغيب وتشويق الناس ليؤمنوا على حياتهم وليس القصد طبعا النصيحة الخالصة بل الترويج

للبضاعة وربما بلغ الحد ببعض الشركات أن تتغاضى عن بعض قوانينها التى تحتم مثلا أن يكون المؤمن عليه سليم الجسم قويه في سبيل الحصول على زبون جديد فستيفن ليكوك يرسم هذه الصورة في قصته ويتندر على شركات التأمين ما شاء له التندر

يقول جاءني يوما موظف من إحدى شركات التأمين عارضا على فكرة التأمين على حياتي وأنا رجل لا أطيق رؤية موظفي هذه الشركات إذ أن حججهم تصب دوما على أنني ميت يوما ما الأمر الذي أخالفهم فيه كل المخالفة على أننى أرخيت هذه المرة الموظف العنان ورحت أشجعه وأستصوب آراءه وحججه إلى أن تركي وقد خلف لي وراءه رقعة طبعت عليها الأسئلة ، التى ينبغي لكل طالب التأمين أن يجيب عليها . وهذا ما كنت أتمناه ! إذ كنت قد عوات على أن أجيب على هذه الأسئنة ، إجابة قاطعة حيث لا تترك في نفوس أصحابها مجالا لأدنى شك في أمر صلاحيتي للتأمين على حياتي ، وهذا بعض ما أجبت عليه

س كم عمرك ج لا أدري س ما سعة صدرك ج تسع عشرة بوصة س ما هو امتداد صدرك ج نصف بوصة

س ما طول قامتك ج ست أقدام وخمس بوصات إذا سرت منتصبا ، وأقل منها إذا مشيت على الأربع

س : هل جسدك ميت ؟ . ج : في الواقع نعم . س : ماسبب موته ؟ . ح : التسمم بسبب إدمان الخمر . . من : هل والدك متوفي ؟ . ح : أجل . س : سبب الوفاة ؟ . ح : السعر ( داء الكلب ) . س : ما هي الأمراض التي أصبتم بها ؟ .

ج : في عهد الطفولة أصبت بالتدرن والبرص وماء الركب ، وفي عهد الرجولة بالشهقة وداء المعدة ونقطة الدماغ . . من : هل لك أشقاء ؟ . ج : ثلاثة عشر ، مات معظمهم . .

س : هل أنت ميال إلى تناول بعض المواد التي قد تعجل في انتهاء أجلك ؟ ج : أجل ، فأنا أحتسي الخمر ، وأدخن واتعاطي المورفين فضلا عن أنني تعودت أن أبلع بزر العنب وأكره الرياضة . .

لقد كنت أظن عند بلوغي نهاية القائمة أنني قد فرغت إلى الأبد من هذا الموضوع وأنه سيكون آخر العهد بيني وبين شركات التأمين . ثم قمت فأودعت الرقعة في البريد ، مرفقا إياها بحوالة مالية بقيمة المدفوع لثلاثة أشهر مقبلة ، وأنا واثق من أن المبلغ سيرد إلي قريبا . ولكني فوجئت بعد بضعة أيام بوصول هذا الكتاب ، من الشركة : -

سيدي العزيز

تسلمنا كتابكم المتضمن الطلب لتأمين على الحياة مع خمسة عشر دولارا قيمة الاشتراك لثلاثة أشهر . وبعد المقابلة الدقيقة لقضيتكم مع متوسط نسبة المستوي العصري يسرنا أن نقبلكم " كمجازفة " في الدرجة الأولى .  !

أما المشهد الثالث والأخير فيصور لنا ليكوك فيه الرجل الذي يريد أن يصنع معروفا فيسف في الكرم ويتبذل فيفسد معروفه عليه ويصبح المكرم برءا به ، صدوفا عنه .

قال : كنت واقعا ذات مساء على ناصية الشارع لأشعل سيجارتى ، إذ لم أكن أحمل ثقابا . فمر بى رجل محتشم فسألته إن كان معه عود ثقاب فأجابنى :(( عود ثقاب ؟ بلى ، بلى )) ثم حل ازرار معطفه ، ووضع يده في جيب صدريته وهو يقول : (( أنا عالم بوجود عود هنا .. وأكاد أقسم أنه في الجيب السفلى ، أو لعله - انتظر لحظة - لعله في الجيب العلوى . . اصبر حتى أضع هذه الرزم على الرصيف . . : ))

فقلت له ملاطدا : لا تزعج بالك يا سيدي ، فالمسألة لا قيمة لها .

أجاب : العفو ، .. فلا تعب ولا إزعاج .. سأخرجه

حالا ، فأنا موقن بوجود عود ثقاب معى .. في مكان ما . ثم أخذ يغرز يديه في جيوبه مفتشا إلى أن قال :

- ولكن هل علمت أن هذه ليست الصدرية التي تعودت ارتداءها كل يوم .. :

ورأيت الاضطراب قد أخذ يبدو على وجه الرجل فقلت له محتجا :

- إذا كانت هذه الصدرية التي لم تتعود ارتداءها ، فكيف تبغي العثور على عود الثقاب ؟ لا بأس يا سيدي واعفنى . أجاب : على رسلك يا هذا ؛ لابد من وجود واحد من هاته العيدان اللعينة في مكان ما هنا .. أظنه عند ساعتى .. ها .. إنه ليس هناك . قف لأنظر في سترتي . . هلا عرف ذلك الخياط المخزي كيف يصنع جيوبا للناس يستطيعون الوصول إليها .. :

وبدا الرجل مهتما متهمكا ، وقد ألقى بعصاه على الأرض وأخذ يقلب جيوبه ، وقد صك باسنانه ثم زفر قائلا : هذه نتيجة تمادي ذلك الولد الخبيث ، في العبث بجيوب أبيه .. فوالله لأؤذينه عند رجوعي إلى البيت.. والآن أرجو منك أن تمسك قليلا بذيل معطفى ، فأنا أراهنك على أنه في جيبى الخلفي فرجوته مرة أخرى قائلا :

- دع عنك كل هذا العناء يا سيدي ، فالمسألة أهون مما تتصور . أتريد أن تخلع معطفك يا سيدي.. بالله عليك لا تفعل : . ثم أرجو ألا تلقى بأوراقك هكذا على الثلج . وألا تشق جيبك على هذا النحو .. أرجو منك يا سيدي ألا تدوس على معطفك .. وألا تضع قدميك وسط هذه الرزم .. أشد ما يؤملني أن أسمعك تسب ذلك الطفل الصغير ابنك ، وما استبينه في صوتك من رنة التوعد . . .

وفجأة انطلقت من فم الرجل زفرة ارتياح واستبشار ، وهو يجذب يده من تحت بطانة سترته مناديا :

- وجدته ..! وجدته ..! هاك إياه . . ثم تقدم نحو المصباح ليستبين الشئ ، فإذا هو عود ( لنكش) الأسنان !!

وتملكتني صورة من الحنق ، فقذفت به في وجه عربة كانت مسرعة نحونا وقمت بالفرار ! .

اشترك في نشرتنا البريدية