ليتنى ما جئت القاهرة. بل أحمد الله لأنى جئت. وأستغفرك اللهم إذ تمنيت غير ما كان من إرادتك. فقد رأيت القاهرة لوثتنى ونسيت أنها علمتنى، وقد حننت إلى الإسكندرية التى دللتنى ونسيت أنها خلبتنى. وهأنذا أعيش فى القاهرة راضياً، وهاأنت ذا يا رحمن تأذن لنا أن نجتمع بين يديك يوماً أو أياماً كلما شئت فلا تحرمنى من الإسكندرية يا رب كما يسرتها لأستاذى أحمد الشايب
يا رب! عجيبة الإسكندرية! ولست أدرى إذا كنت أحبها لأنها بلدي، أو أنى لأحبها لأنها الإسكندرية. ولكنى أشعر وأومن بأنها أقرب إليك. . . وشتان ما بينها وبين القاهرة.
عندما يريد أهل الإسكندرية أن يسبوا واحداً منهم أو من غيرهم يعيرونه بأنه (صايع) وهو عندهم من لا يعمل عملاً شريفاً يأكل منه
وعندما يريد أهل القاهرة أن يمدحوا واحداً منهم أو من غيرهم ويعظموه، يصفونه بأنه (وجيه) وينعمون عليه برتبة (البيكوية) من عندهم. والوجيه فى القاهرة هو من لا يعمل
عملاً مطلقاً ويأكل ويشرب من حيث يعلم الله، و (البيك) فيها هو هذا الوجيه نفسه، أو ذاك الموظف فى الحكومة الذى ينفق فى الخلاعة مرتبه وزيادة تأتيه من حيث يعلم الله وأهل الإسكندرية لا يصفون إنساناً بأنه (صايع) ويعدلون بهذا الوصف عن الحق إلا إذا تهاجموا، وفى التهاجى عداوة، والعداوة نكد، والنكد ضرر، فالعدول عن الحق فى الإسكندرية ضرر فيه شر
وأهل القاهرة قد يصدقون حين يصفون إنساناً بأنه (وجيه أو بيك) ، ولكنهم غالباً ما يصفون بهذين الوصفين أناساً ليسوا أهلاً لهما فيعدلون بذلك عن الحق، ويصيبهم من هذا رضاء موصوفيهم، وعندما يرضى الإنسان يجود على الذى أرضاه ووصفه بغير الحق، فالعدول عن الحق فى القاهرة نفع فيه خير
والذى يتجول فى أحياء الإسكندرية لا فى القاهرة المصطافة المتهتكة عند الشاطئ، لا يفتأ يسمع كلمة (صايع) تُردد مع خطاه. فالخلاف على الرزق فى الإسكندرية كثير بحكم أنها بلد صيد وبيع وشراء وكفاح، ولكن هذا الخلاف صريح مكشوف لأنه نما وترعرع مع الأجيال، والخلاف لا يمكن أن ينمو وأن يتضخم وأن يظل مع نموه وتضخمه مكتوماً مستوراً، فإذا انكشف لم يكن غير معركة، والناس لا يستطيعون أن يتعاركوا ليلاً ونهاراً، فهم يعدلون عن العراك أحياناً إلى السب والتعبير، فإذا كثر سبهم بوصف من الأوصاف، كان ذلك دليلاً على أن هذا الوصف هو أبلغ السب عندهم، وأبلغ السب يكون بنعت المشتوم بأقبح النعوت فى رأى الجمهور وأكره ما يكرهون، (فالصياعة) إذن هى أكره ما يكره أهل الإسكندرية وضدها هو أحب ما يحبونه، وهو أن يكون الإنسان عاملاً والعمل فى الإسكندرية بطولة. لأن الناس محتاجون إليه فهم
يقظون، عيونهم مفتحة، متصارعون عليه فى لهفة واستماتة وإجادة، فإنه إذا لم يكن العامل قوياً خر فى الميدان. وهذه البطولة لها قيود كان لا بد منها لأمان المجتمع، فإنها لو تحررت يسعى إليها كل إنسان بطريقته هو فاستباح بعض الناس الحرام، وأكلوا جهود غيرهم. وكل مجتمع تكونه الطبيعة يصنع قوانينه وقيوده بنفسه لأنها من أسباب حياته، ويحرص كل الحرص على صيانتها، ويثور كل الثورة على من يهم بخدشها. وقيود البطولة فى الإسكندرية هى القوة الصريحة فى العمل الجد.
فإذا انحدرنا إلى القاهرة سمعنا رتبة (البيك) ، والوصف بالوجاهة ينعم بهما على كل من هب ودب حتى نحن. ومعنى هذا أن أهل القاهرة جميعاً يحبون أن يكونوا (بكوات) ووجهاء هكذا ويأكلون ويشربون من حيث يعلم الله ولا يعلم الناس. وهم فى هذا كما يكره أهل الإسكندرية أن يكون الواحد منهم هكذا
وهذه حال تستلزم أن نتنزع لها من الطبيعة قوانين تصونها، كما أنها تستلزم أن يكافح الجموع من أجلها، وأن يقاوم الخارج عليها الذي يهم بخدشها، والقانون الذى تلتزمه الطبيعة فى هذه الحال هو قانون (الستر) ما دام الناس لا يريدون أن يعلم غير الله من أين يأكلون ويشربون. و (الستر) ، و (التستر) ، و (الستائر) جميعاً تخفى وراءها ما لا يعلمه أيضاً إلا الله. وقد يعلم الناس منه الكذب والغش.
وأهل القاهرة يسترون هذا التلوث الخلقى لأنهم يسترون كل شيء، حتى أنفسهم يسترونها عن عيونهم. فالكذب إذا حدث فى الإسكندرية حاربه أهلها، وإذا كان فى القاهرة حاباه أهلها. وهكذا يسرى الكذب فى القاهرة حتى يتغلغل فى حياتها إلى أن يركب الفن. . . الفن العطية من الله. إذا ادعاها فى الإسكندرية مدع قتلته الإسكندرية، فإذا ادعاها فى القاهرة مدع سترته القاهرة
وقد يصبر أهل الإسكندرية على مدع فى غير الفن، ولكن هذا الذي يتلف عليهم الوقت الذى يطلبون فيه متعتهم الروحية التى يشترونها بدمائهم ويكدحون طول النهار لها، هذا المدعى يضربه أهل الإسكندرية ضرباً بالأيدى وبالأرجل وبالكراسي وبالزجاجات الفارغة وهم يصيحون: (هاتوا فلوسنا) !
ومع هذا العنف فى طلب الحق فإن فى أهل الإسكندرية عيباً عجيباً هو أنهم يلينون لكل ما يجىء من القاهرة سواء أكان فناً أم غير فن، لا يفتحون عيونهم عليه، ولا يحاولون التفرس فيه وانتقاده، لا لشىء إلا أنه من العاصمة وأنهم لا يظنون بالعاصمة إلا خيراً، فلا يمكن أن يتصوروها أقل منهم فراسة وصدق نظر! وإلا فلماذا كانت القاهرة العاصمة؟ ليس من شك فى أن الله جزى القاهرة ستراً بستر، إذ خيل لأهل الإسكندرية أنها ما استحقت أن تكون العاصمة إلا لأنها جديرة بأن تكونها. . ولولا هذه العقيدة لزحفت الإسكندرية على القاهرة. . .
صحيح! هذا هو إحساس الإسكندرية وتفكيرها، فهذه الثقة المتعامية بالقاهرة هى وحدها التي تروج بضائعها فى الإسكندرية ومنها الفن. فإن لم يكن هذا فكيف ذاق سيد درويش الويل فى الإسكندرية حتى اعترفت به، وكيف هللت الإسكندرية وكبرت للأستاذ عبد اللطيف ألبنا عندما استجلبه لها متعهدو الحفلات من القاهرة؟. . . القاهرة العاصمة!
والفن عند أهل الإسكندرية قد يسرع إلى أن يكون حرفة لأنه موهبة، والمواهب عند العاملين رأس مال. ولا يمكن أن يحترف الفن فى الإسكندرية إلا الفنان الصادق، ومتى ظهر صدقه فى فنه وتمكنه منه، أقبل عليه الناس وشجعوه، ولكن إلى أن يظهر هذا الصدق، ويجوز رضاء أهل الإسكندرية، ثم يكون له بعد ذلك تعصبهم البلدى يذوق فنان الإسكندرية الأمرين من نقدهم القاسى الصريح الذى لا يمكن التغلب عليه إلا بعزم من فولاذ، وأكثر الناس تعرضاً لهذا النقد وهذا التهشيم هم أصحاب الفنون الجميلة، التى لا يأكلها الناس ولا يشربونها، فإذا لم تكن فنونهم إلهاماً من الله يهبط على الجمهور من خلال أرواحهم، فإن كل ما فيه من صنعة يتعرض للنقد، والصنعة ينفسح المجال فى نقدها للعالمين والجاهلين، ما دام الأمر فى النقد راجعاً إلى المنطق والحجج والبراهين والكلام، وما دام الأمر فى هذا كله راجعاً إلى وجهات النظر الفردية. . . على العكس من إلهام الله وهو الحق الذى لا مراء فيه. والفن الملهم هو باعث الحق فى الحس، والناس إذا أحسوا الحق لم ينكروه إلا كما ينكر المحروق شى النار.
ومع أن الفن الملهم هذا قد يسرع إلى أن يكون حرفة فى الإسكندرية لإسراع الناس فيها إلى العمل والإنتاج بحكم الحاجة، فإنه لم يكن إلى اليوم فيها تجارة مثلما أصبح فى القاهرة على أيدى إخواننا السوريين الذين تأصلت فيهم طبيعة التجارة منذ كان أجدادهم الفينيقيون يحملون لواءها فى العالم القديم ووجدوا فى القاهرة المتسترة ميدانهم. . . فأهل الإسكندرية صيادون يبيعون ما يجود الله به عليهم من سمك أو فن، ولكنهم لا يستطيعون تلفيق السمك ولا يستطيعون تلفيق الفن، كما أنهم لا يعرفون الإعلان عما عندهم إلا بعرضه، كما أنهم لا يوقتون مواسمه ولا ينظمونه، فالطبيعة هى التى توقته لهم وتنوعه، فأيام الصفاء لها سمك ولها فن، وأيام النوء لها سمك آخر ولها فن آخر. وما أكثر تقلبات البحر الذى يجود بالسمك! وما أكثر تقلبات الحياة التى تجود بالفن! وما أكثر تلون الصروف التى تجود بما بين السمك والفن. . .
أما القاهرة فكان من نتائج الاتجار بالفن فيها أن أصبح له أسواق منها شارع عماد الدين، كما أن للخردوات فيها أسواقاً منها شارع الموسكي. والأسواق يتسلل إليها السماسرة، ومتى دخل السماسرة دخل الزيف والبهرج اللذان لا صلة لهما بالفن وإن كانت لهما صلة بما هو دونه
هذا هو ما يختص بظهور الفن فى كل من الإسكندرية والقاهرة. . . فما هى طبيعة فن الإسكندرية، وما هى طبيعة فن القاهرة؟
طبع الفن فى الإسكندرية يشبه طبعها، وطبع الفن فى القاهرة يشبه طبعها، وأصدق الفن فى الإسكندرية ما كان صدقاً، وأصدق الفن فى القاهرة ما كان غشاً وكذباً!
الإسكندرية تعاشر البحر فى كنف الصحراء. . . وكل منهما مكشوف. وفيها منهما. والقاهرة يحتضنها جبل أغبر ليته ما كان فانطلقت صحراوية خالصة، وانكشف عنها هذا الرجم الثقيل الجاثم على صدرها وعينيها. . . فربما كانت تسمع وترى وتعى!. . . لقد طبع البحر الإسكندرية وأهلها وفنها. فالأدب فيها نقد عنيف قاس يشبه أن يكون إعصار، فإذا رق فهو إخلاص البحر واستسلامه على جبروته وعظمته، والموسيقى فيها صفاء وصدق
ما هدأت أو ثارت. والرسم فيها هو هذه الصور التى تعرض البحر وطيره وسمكه، والصيد ومراكبه ورجاله، وهى التى نرى فيها من نشاط الإسكندرية وتوثبها ما يميزها من غيرها. . .
وفن الإسكندرية فيه من روح أوربا أنقاها لا البراق الباطل منها، وذلك لاختلاط المصريين فيها بالأجانب اختلاطاً لا يشبه اختلاطهم بهم فى القاهرة، فالأجانب فى القاهرة يكادون يعيشون فى أحياء خاصة، فيها بيوتهم ومتاجرهم وملاهيهم، أما فى الإسكندرية فهم منبثون فى أنحائها جميعاً يتخللون الوطنيين، ويعاشرونهم كأنهم منهم، وقد لا يشعر الأجنبى فى الإسكندرية بالغربة، كما أن الوطنى لا يشعر فيها بغرابة الأجنبى، وهذا راجع إلى أن الإسكندرية تصبغ سكانها جميعاً بصبغتها، وأنها تعدهم جميعاً لنوع واحد من الحياة يتعاون فيه سكانها. وقد يعجب القارئ إذا قلت له إنى سمعت روميا يلعن روميا آخر ويلعن الباخرة التى قذفت به فى بر مصر، وهذا لا يمكن أن يصدر إلا من وطنى، يغار على بلده ولا يريد أن ينهال عليها إلا من هو جدير بالحياة فيها، ولا يحابى فى هذا من كان من وطنه الأول أو من كان من أهل البلاد نفسها. والأجانب فى الإسكندرية كثيرون، وهم كما يعطونها أرواحهم يعطونها تفكيرهم، وإحساسهم، فيأخذ عنهم الوطنيون ألواناً من أساليب العرض الفنى، كما يتعلمون منهم أشياء رقت بهم على المصريين وجودت فنونهم هذا هو فن الإسكندرية وأما فن القاهرة فأستره إرضاء للقاهرة.
