الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 218 الرجوع إلى "الثقافة"

خمس زوجات، لكاتب فاضل

Share

تزوج رجل من رجال الجيل الماضي بسيدة كان هو بحكم حالة ذلك الجيل في مصر أكثر منها علما . أو بعبارة ادق كان هو بالنسبة لها على شيء من العلم . أما هي فلم يكن لها من هذا العلم أي نصيب . فعاش معها منغصا . . إن اراد ان يطالع في كتاب نهرته وعيرته بأنه يهجرها من أجل هذا الهراء الذي يملأ الكتب وهو لا يسمن ولا يغني من جوع . وإن رأي في شأن من شئون معيشتهما رأيا صائبا هيأه له ما حصله من العلم ، رأت هي غيره حتما بما هيأها له ما هي عليه من الجهل . وعاش الرجل معها ما عاش على هذه الحال ، ولم يمنعه ذلك ان ينجب منها أربعة أبناء دأب على رعايتهم ، والعناية بهم ، حتى أنشأهم أحسن

تنشئة . وبلغ أكبرهم تلك السن التي يفكر عندها الشبان في الزواج . فرأي أبوه ان يجنبه ويلات الزواج بالجاهلات وتعاون معه في البحث عن فتاة مثقفة تنير عليه بيته بحسن إدراكها للأمور . وتشد أزره فيما يقبل عليه من الأعمال برجاحة عقلها وسعة علمها . ووفقا بعد طول البحث إلي فتاة جمعت بين: العلم والثراء وتم الزواج . .

وسارت الأمور في بداية الحياة الزوجية سيرة تبشر بحسن المستقبل . ولكن ما لبثت مواهب الزوجة أن اتجهت اتجاها خاطئا ، فقد ملأ رأسها الغرور بما حصلت من العلم . وصعر خدها ما تملكه من المال . وبدأت تهمز زوجها ، وتلمز حماها في كل مناسبة بعقد المقارنات التي

لا تنتهي بين علمها هي وجهل حمائها . وبين يسار أهلها وفقر أهل زوجها . ثم انتهت بأن أصبحت لا تجادل زوجها في أي شأن من شئون المنزل دون أن تذكره بنعمة الله عليه إذ من عليه بمثلها ، وكان من الممكن أن  لا يصب في حياته إلا قدر ما أصاب ابوه من قبله . وظل الحال بينها على ذلك حتى اصبح أبوه يلوم نفسه على أنه أشار على ولده بالزواج من مثلها أكثر من لومه على أنه هو تزوج بمثل زوجته

وحل أوان زواج ابنه الثاني . ففكر هو وابنه الأول فيما عسى ان يشيرا به ليكفلا لهذا الابن زيجة هنية لم يتمتع بمثلها أبوه ، ولا أخوه من قبل . واخذا يقلبان وجوه الرأي حتى انتهيا آخر الأمر إلي أن آفة الزواج عند الوالد كانت الجهل . وان آفته عند الآخ الاكبر كانت الغرور الذي سببه وفرة المال ، وتوفر العلم ، فعزما علي أن يختارا للأخ الثاني زوجة من وسط اقل من وسطهما مقاما ، لتكون أساس قيادا ، وأهدأ طبعا - ولكن على شرط أن تكون فتاة متعلمة أيضا - فإن هذا العلم هو الأساس الأول الذي لا يمكن اغفال أمره . والتهاون فيه عند البحث عن الزوجة الصالحة ، وإلا وقع الابن فيما وقع الأب فيه .

ووفقهم الله أخيرا إلي فتاة يتيمة مات عنها أبوها وهي صغيرة فرباها احد أقاربها مع أولاده ولكنها بحكم يتمها نشأت بين أولاد قريبها نشأة الخادم وسط سادته . ففرح الرجل مما أصابه من التوفيق في إختيار الزوجة الصالحة لابنه الثاني . وعلق على هذه الزيجة آماله في أنه استطاع أخيرا ان يقيم منزلا على أساس متين من الهناء والسعادة . وبدأت الحياة في المنزل الجديد هنية حقا سعيدة حقا . ولكن الزوجة الجديدة التي حسبت أنها وضعت حدا لذل اليتم عند ما بدأت حياة الزوجية ما لبثت أن أحست بكل

من حولها ينظر إليها نظرة ولي النعمة على مولاه . فغالطت نفسها أول الأمر . . ثم تغاضت . . ثم حاولت أن تحتمل . . ولكن ذلك كله لم يكن إلا ليزيد نظرات التعالي علوا أو هكذا شبه لها على الأصح - ولم يكن إلا ليزيد احساسها باليتيم حدة . فشكت . . ثم تمردت وبالغت في تفسير النظرات والإشارات والعبارات حتى اصبحت تري في كل نظرة غمزة . وفي كل عبارة تعريضا . وكانت هي من جانبها تقابل كل غمزة بفورة . وكل تعريض بثورة . وتلاحظت الفورات والثورات في المنزل حتى أصبح جحيما لا يطاق بفعل هذه الزوجة الجديدة العصبية . الثائرة المتمردة . وحز الألم في نفس الوالد علي أنه أراد أن يدعم بيته بزيجتين هنيتين فلم يزد بعمله هذا إلا أنه أضاف المتعوس والمنحوس إلي خائب الرجاء . .

وجاء دور الابن الثالث فقال الوالد في نفسه لا كان رأي ولا رأي ولدي الكبيرين إن لم نهتد في هذه المرة إلي الزوجة الصالحة . وتوالت اجتماعاته بولديه . وكثرت مشاوراتهم ومحاوراتهم . وطال تقليبهم لوحدة الرأي وأخيرا أجمعوا أمرهم على أن يختاروا للولد الثالث فتاة . . متعلمة طبعا - فأن الوالد فرغ منذ زمان من جعل هذا الشرط أساس كل اختيار - ولكن يضاف إلي علمها ان تكون من اسرة عريقة في الحسب والنسب حتى يضفي هذا الحسب والنسب ظلا من الجاه على نفس الزوجة فتعيش وسطهم معززة مكرمة محترمة مرفوعة الرأس تملأها الثقة بنفسها فتدفع عنها شر التأويل والتفسير والوقوع فيما وقعت فيه زوجة الأخ الثاني . ويجد في حسبها ونسبها سياجا يقيها شر الغرور الذي وقعت فيه زوجة الابن الأول . وكان هذا الولد الثالث انجب أخوته فحصل على ما لم يحصلوا عليه من الآجازات العلمية . وكان حسن الصورة جميل

الهندام رياضي الجسم فهيأت له هذه الظروف مجتمعة أن يحصل على مركز مهم من مراكز الدولة . وكانت هذه المؤهلات جميعها خير شفيع له عند صهره الجديد الذي كان من أشراف القوم - فقبل أن يعطيه ابنته .

وكانت هذه الإبنة أول الأمر فخورة بزوجها العصامي الممتاز . فصارت الأمور سيرا حسنا . فالوالد محبوب ومحترم لأنه هو الذي أنجب هذا الزوج الممتاز . والأخوة كذلك مقبولون مكرمون لأنهم من رائحة هذا الزوج الممتاز . . ولكن العروس لم تكن تستطيع أن تنسي طول الوقت أنها إنما نزلت درجة عن مستواها الإجتماعي حين قبلت ابن هذه الأسرة بعلا لها . وكان هذا المعنى يلقي ظلا علي كافة تصرفاتها وأعمالها فيما يصل بينها وبين أهل زوجها . ثم فيما بينها وبين زوجها نفسه . وكان الجميع يرون هذا الظل القائم وتتأذي نفوسهم لمرأة ولكنهم يتجاهلون ويتغاضون إلي أن جاء اليوم الذي اختفت فيه المعاني وبرزت الماديات . فالنظرة المتعالية زالت وحلت محلها الكلمة المتغطرسة ، والأشارة المتكبرة أفسحت الطريق للعبارة الجافه المهينة . وصيرت الأسرة على مضض . وقبلت أن تقطع ما بينها وبين ولدها لعله إن ابتعد عنهم تحرر من أثقالهم التي كانت تستقر به في مستواهم ، وارتفع هو إلي مستوي زوجته وفساد السلام والهناء ، في المنزل من جديد ؛ ولكن هيهات . . فأن القناع كان قد انكشف والستر كان قد تهتك . فما زال هو في نظر زوجته الأرسقراطية ابن أبيه وأمه الديمقراطيين . وما زالت هي تحس أنها ضحت بأعز ما تملك المرأة وهو المظهر الفخم والوجاهة البادية وذلك من أجل زوج مهما يكن من أمر نبوغه فأنه كان من الممكن أن تجد في طبقتها نابغة مثله يطلبها للزواج . وخيمت على المنزل سحابة قائمة زادت وحشته . وأصبح الولد الثالث وهو يري نفسه ضائعا في وسط الطرق فلا هو احتفظ بأهله ولا هو سعيد

بزوجته . وأصمت هذه الطعنة الجديدة قلب الوالد الكبير الذي لم يبق له غير ولده الرابع . فعول على ان لا يفلت زمام الأمور من يده هذه المرة وهي ان يستفيد من كل تجاربه الماضية ويركز خبرته كلها مع خبرة أولاده الثلاثة الكبار لكي يجيء اختيارهم لزوجة الولد الأصغر إختيارا موفقا من كل الوجوه .

وقال الوالد : إن شرط الأول في الزوجة الجديدة ان تكون متعلمة ، فإن محنتي لم يكن لها سبب إلا جهل امكم .

فاعترضه الولد الاكبر قائلا : إن سر شقائي يا أبي كان في أني تزوجت فتاة متعلمة ، تباهي أمي بعلمها ، وتزدهي علي بعرفانها ، ولذلك فإني اقترح لاخي الأصغر زوجة وسطا لا تحسب في العالمات فيشقي بها كما شقيت أنا - ولا في الجاهلات فيشقي بها كما شقيت أنت

فقال الوالد : وأنا أزيد على ذلك أن لا تكون من الحسب والنسب بحيث يفتنها جاهها ، وان لا تكون من الثراء بحيث يطغيها مالها ، وان لا تكون من الهوان بحيث تفسدها ذاتها .

فقال الولدان الثاني والثالث في وقت واحد : نعم الرأي وبدا لأول وهلة أن الأسرة اهتدت إلي الرأي الأصوب الذي لا رأي بعده . والذي يعتبر بحق أساس كل هناء ، ومفتاح كل سعادة . وانتشرت العيون وانبثت الأرصاد من أقصى المدينة إلي اقصاها ، حتى جيء بهذه الزوجة النموذجية ، بعد طول البحث وكثرة التنقيب ، فقدموها ثمرة ناضجة لتجارب الأسرة كلها ، إلي ولدهم الأصغر . وكانت هذه الزوجة الجديدة فوق كل تلك الأوصاف جميلة ذكية ، فجاءت هذه الصفات الأضافية إمعانا من الأقدار في حسن التوفيق . وصار الوالد واولاده الكبار يستعدون الأنس في بيوتهم من انس هذا البيت الجديد . وسري في زيجاتهم الباردة شئ من دفء هذه

الزيجية الحارة . وانقضت الشهور الاولي علي خير ما تنقضي الأزمان في هذه الدنيا

ولكن الزوج الجديد ما لبث ان شكا ايضا . فقد لاحظ أن زوجته تميل إلي نوم الضحى لأنها لا تحب أن تأوي إلي فراشها قبل أن ينتصف الليل ، وكان هو في أول الأمر يزاملها ، ويصاحبها إلي دور السينما والملاهي فيقضيان السهرة ثم يعودان هانئتين سعيدين . فيستيقظ هو في الصباح المبكر ليكون في عمله في الوقت المحدد له . ويترك زوجته تستمتع بنومة الضحى التى اعتادتها . ولكن هذا تكرر وتكرر إلي ان اصبح السهر لا يطاق . وبدا يشعر أن أحب ساعات النوم عنده هي أحب ساعات اللهو عند زوجته . وان هذا الاختلاف كان ينغص عليه وقته إذا هو وافقها . وينغص عليها وقتها إذا هي وافقته . وكانت هذه واحدة .

وواحدة أخري أنه عرف في زوجته الدقة في إدارة شئون منزلها دقة تامة . وكان هذا الأمر يطريه ، ويسعده في الآيام الأولى ، لأنه كان في نظره عنوان الحرص على مصالحه . ولكنه رأي أن هذه الدقة أصبح من مظاهرها النزاع المستمر مع خدم المنزل . فالطاهي متهم أبدأ بالسرقة في كل ما يشتريه من حاجات المأكل . و الفراش متهم أبدأ أنه لم يكنس ما كلف بكنسه ، ولم يمسح قط ما نيط به مسحه ، وانه إن كان فعل شيئا من ذلك فإنه لم يفعله على وجهه الاكمل فهو كسول خامل ، بليد ، لابد أن ان يخصم كذا من راتبه ، وإن اعترض فلا بد من طرده والإتيان بخادم بدله . وكان ضجيج هذه المنازعات التي لا تنتهي ينهك أعصاب الزوج ويحطمها ، لأن الزوجة لم تكن تفرق بين الليل والنهار في مناوشاتها ولا بين اوقات الاكل واوقات النوم ، فهي ترغي وتزيد في اية ساعة وفي اية مناسبة . ومن عجب أنها كانت هي التي تهيء دائما الجو

الصالح للنزاع بينها وبين الخدم . ولكن إذا جد الجد واقتضى الأمر طرد هذا الخادم أو ذاك ، تخلت هي وانسحبت من الميدان ، ثم طلبت إلي زوجها ان يتولي شتم الخادم أولا أو ضربه إذا اقتضى الحال - ثم طرده ثانيا ثم البحث عن الخادم الجديد . ثالثا . . وكانت هذه واحدة اخري .

وواحدة ثالثة ، تتفرع من الواحدة السابقة ، هي أنها تتبع طريقة تعتبر نسييج وحدها في معاملة الباعة . فالخباز مثلا يحضر الخبز في يوم من الأيام فلا تعطيه ثمنة لأنها مشغولة في عمل لا تريد تركه . فإذا اصبح في اليوم التالي قدم ما يطلب إليه تقديمه من الخبز ، فتنقده ورقة مالية لا تساوي ما أخذته من الخبز في يومين . ولكنها تزيد عليه أو تنقص عنه قليلا ، ويتعلق بينهما الحساب . ثم يحضر في اليوم الثالث ، وتجد هي ان ما بقي في المنزل من خبز امس لا يسمح بأخذ " الراتب " كله ، فتأخذ بعضه وتدع بعضه ، ولا تدفع الثمن ، فإذا جاء اليوم الرابع تعقد الحساب ، وظل الرجل من جانب وهي من الجانب الآخر يتساجلان ويتناقشان ويستشهدان بالخدم . فيختلف هؤلاء ، فيما بينهم ، فتترك البائع وتنهال عليهم شتما وتقريعا على إهمالهم وعدم إهتمامهم بضبط الحساب ومعرفة تفصيلاته !

ولم يكن الأمر قاصرا علي الخباز " فإن ما كان يقع معه كان يقع مثله مع بائع اللبن ، ومع مورد الثلج ، ومع البدال ومع كل من تربطه بهذا البيت أية معاملة مالية . وقد يحتدم الجدل ويشتد الخصام ، ويعلو الضجيج ، فيضيق الزوج بكل ذلك ، ويتدخل مكرها لفض النزاع ، فإذا كل ما هنالك اختلاف على بضع مليمات ، ما أكثر ما تلقي الزوجة بأمثالها ، وبأكثر منها لأي سائل يستحق أو لا يستحق ممن يمرون في الطرقات .

وتكاثرت هذه " التوافه " التى كانت تشوب حياة الزوجين حتي أوشكت أن تنتهي بهما إلي مثل ما انتهت به حياة بقية الاخوة . وكان الوالد قد بلغ منه كل ما لقيه في حياته من منغصات ، فساءت صحته ، وانهزم جسده ، واحس بدنو أجله . وعند ذلك تكشفت له الحقيقة ظاهرة سافرة . وهي انه ضيع عمره في طلب ما لم يكن ليدركه إنسان والتفادي مما لم يكن ليتفادي منه احد . فجمع أولاده وجعل آخر كلماته لهم قوله :

" الآن فقط يا أبنائي أدركت ما لم يكن ليشقي إنسان وهو يدركه فخذوه عني واعرفوه : إن لكل إنسان عيوبه . فمن كان يبتغي الكمال المطلق فلينشده ، في غير هذه الدنيا . والمثل الأعلى جميل حين نضعه أمام أعيننا لنعمل

على بلوغه ونفرح بكل خطوة نخطوها في سبيل إدراكه . والسعادة مرهونة بمشيئة من جعل شعاره " خذ من الدنيا ما اعطتك " اما من يدخل على الدنيا دخول المصارع يريد أن يأخذ بناصيتها ليضرب بجبهتها الأرض فهو لشقي العمر لإن مثله في الحياة يكون كمثل ناطح الصخر .

ألا وإن كل زيجة شركة . .

وكل شركة شقاق . .

فمن أطاق أن يعاشر " شريكا مخالفا ( فليفتح بابه للتعلب يحرس  خلاله ، أو فليدخل على الليث عرينه .

ومن لم يطق فأن الله عنده آجر الصابرين ) "

اشترك في نشرتنا البريدية