الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد السادسالرجوع إلى "الرسالة"

خواطر!, باقة من حديقة أبيقور

Share

ضجة !

هي موسيقى كلها نشوز، موسيقى خفاقة مضطربة؛ يثيرها  فرد بل تثيرها فى الفرد يده اليمنى، وليست الموسيقى إلا تعبيرا  عن الذوق والاحساس. وقد اشتهر المصريون من يوم  خوفو وأترابه بالذوق الرفيع، والاحساس السامى. . .

والمصريون أمة مرحة طروب؛ واذا كان هناك شك  فقد بطل الشك، وأثبت نزعة المرح فى أمتنا بائع العرقسوس!  فى أحيائنا الوطنية وأنصاف الوطنية يسير هذا الرجل  يحمل الى صدره آنية ضخمة، خرج من فوهتها لوح من الثلج  طويل يترجح بين البياض والسمرة. . . ويمسك بيده اليمنى  وعاءين من النحاس الأصفر، يتنافران أحياناً؛ فاذا تجاذبا  تعانقا، وكانت قبلتهما تلك الموسيقى التى يضج لها الشارع،  وتطل عليها الملاليم، وتملأ لها الكوبات، ويحسوها الناس  فرحين، وتنفرج الشفاه عن لفظ الجلالة. .!!

وعلم الله أن بائع العرقسوس وشراب العرقسوس، لا  يستحقان هذا التقدير، وليس من الذوق أن يثيرا هذه الضجة  المزعومة، وإلا كان لبائع التمر هندى أو الرمالى أو جروبى  أن يسير وفي معيته طبل بلدى.!!

تقليد !

يزعمون أن التقليد لا يفيد، وأن المقلد أعرج بالقياس  إلى صاحب الفكرة، أو كالتل بالنسبة للجبل، ويعطينا الزاعمون  أمثلة من الأدب، فيقولون: إن الأدب الرومانى ظل للأدب  اليونانى، ولهذا كان الأدب الروماىي ضعيفاً بالقياس إلى أدب  اليونان. ثم يعرجون على حياة الجماعة، فيقولون: إن تقليد  الناس للناس فى مظاهر حياتهم معناه أن المقلد يستمر على ذيل  القافلة يتطلع ولا يتقدم، ويبصر ولا يفكر.

وسواء أكان هذا الرأى صوابا أم خطأ فأنا أرى أن  تقليد الانسان للانسان هو قضاء على تفكير المقلد، وعبودية

لعبقريته الكامنة. وأن النفس التى تعيش على تفكير نفس  أخرى، أجدر بالزراية وأحق بالتثريب.

فتياتنا فى مصر أردن خلع البراقع وأردن تقليد الغربيات،  فماذا اخترن لرؤوسهن من لباس؟ اخترن (البيريه) وما  أعجب وضع هذا البيريه على الرأس! ذلك الوضع الذى  يحتاج إلى حارس يراقب رأس الآنسة! محافظة على ذلك البيريه  الذى تنافر مع معظم الرأس وتجاذب مع بعضه، مصغيا إلى  الشمال جدا. .! وحسب موقع البيريه من الرأس أنه يترجح  بينها وبين الأرض، وأنه فى حاجة الى انسان يراقبه من عثرة  السقوط! أما لون البيريه فأغلب الظن أنه تقليد أعمى لجوارب  كرة القدم فى ملاعب القاهرة. .!

أنا لا أكره البيريه وإنما أكره وضعه من الرأس  ولونه السخيف. . .

سخاء !

لعل طبيعة السخاء فى المصريين تغلب على طبائعهم جميعا،  وليس يشك عاقل فى أن السخاء طبيعة محبوبة ترضاها  الانسانية المعذبة التى لا تجدها فى كثير من الأحيان. ولكن،  نعم، ولكن السخاء قد يركب العقل والقلب ويصبح نوعا من  الاسراف، فيه ثورة على أمن الناس وراحتهم!. .

فى الترام أو فى السيارات العمومية تجد هذا السخاء يمتط  ويعرض وتطول حباله فاذا به ثورة. . سخاء يدفعه الوفاء  حينا وتدفعه المظاهر أحيانا، هذا يريد أن يكلف نفسه  ما وسعت فيتحمل عن صديقه عبء التذكرة. . . والصديق  يأبى أن يستغرقه هذا الفضل!. ويرغب فى أن يكون سباقا فى  هذا المضمار!

وتقوم ثورة تحسها فى اللسان، وقد اجتمعت عنده أغلظ  الايمان، وتراها فى العينين الزائغتين، وفي اليدين المندفعتين،  تحمل القروش إلى المحصل! وتبدأ الثورة رويدا رويدا  ثم تتكاتف الألسنة، وتبرق العيون، وتندفع الأيدى؛  هذا يريد أن يدفع، وذاك يود أن يسبق صاحبه، والمحصل  يظل حائرا، وقد وسعت يده أكثر مما يطلب، ويرجو

إن أمكن أن تصل يد قبل أختها. فأغلب الظن أن يدى  الصديقين تصلان معا فى فترة واحدة، وفي عاصفة من  التهليل والتكبير!.

أما الراكبون فلست أشك أنهم لا يغضبون، لأنهم فى  هذا السخاء سواء يعلنونه ما ملكت إيمانهم وما وسعت جيوبهم،  وكم أخاف أن تقوم هذه الضجة فلا يجد أحدهما فى جيبه  غير ثمن تذكرته، وتصبح ثورة السخاء هباء فى هباء، والناس  من حولهما يضحكون أو يأسفون؟!.

اشترك في نشرتنا البريدية