الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 247الرجوع إلى "الثقافة"

خواطر صائم :، بين الله وعباده

Share

تلاوة القرآن الكريم جميلة دائما ، وهي اجمل ما تكون في رمضان ، ولعل خير أوقاتها فيه الهزيع من الليل واللحظات الأولى من الصباح . وإذا انضم إلي الترتيل محاولة الفهم والتدبر ، وإطالة الوقوف عند آيات الذكر الحكيم ، لم يعدم القارئ أن تتفتح له أبواب من أسرار الكتاب ربما ظلت مغلقة دونه طول العام

كنت منذ ليال أقرأ سورة النساء ، فلفت نظري في كثير من اجزائها تلطف البارئ جل وعلا في خطاب عباده ، وتعقيبه على آيات التشريع والتعليم بآيات تفيض برا ورحمة ، وتمزج سلطان المشرع بألطاف الوالد الودود . فقد فصلت السورة في أولها طريق معاملة اليتيم ، والقيام على ماله ، وحدود الميراث ، وشرائع الزواج ، وآداب الحياة الزوجية وما يعرض لها من مصاعب ومزالق. ثم

قفت على ذلك بقوله تعالى : ) يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله غفور رحيم . والله يريد ان يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلو ميلا عظيما . يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ( .

فالوضع - إذن - ليس وضع مشرع متجبر ، يفرض الأحكام فرضا ، ويمليها إملاء ، ويؤكدها بضروب الإنذار والتهديد . ولكنه وضع خالق رءوف رحيم بعباده ، يريد ليبين لهم ما خفي عنهم من مصالحهم ، ويهديهم صراط من تقدمهم من أهل الرشد ، وهو عالم بطبائعهم ونواحي الضعف في نفوسهم ، يشرع لهم من الدين ما يهذب طباعهم ، ويبرئ أدواءهم ، ويرشدهم إلى سنن واضح في الحياة والاجتماع

وقفت عند هذه الآيات وقفة اتبين فيها جميل ادب المولى مع عباده ، واذكر كيف تنبه المتصوفة والسلف الصالحون إلي امثال هذه المواطن في القرآن ، وكيف فهموا التشريع على هذا الأساس ، فقدموا الروح على المظهر ، وغلبوا جانب الود والقرب على جانب الخوف والتجارة في العبادة ؟ وكيف تشبه الأخيار من رعاة المسلمين بأخلاق الله ، فساروا في رعيتهم لا سيرة الأمر الناهي ، ولكن سيرة الوالد الصديق . ثم خطر لي وأنا سابح في تلك الذكريات أن هذه الروح يجب أن تكون دستورا لكل راع مسئول عن رعيته ، وأنها هي الروح التي تنشدها الإنسانية الحديثة كلما خطت نحو الكمال في دينها وحكومتها وقضائها وتعليمها وسياسة بينها .

ويظهر ان سيدنا عبدالله بن عباس رضي الله عنه كان ممن لفت نظره هذه الآيات الثلاث ، فوقف عندها وقفة المتأمل ، ثم راح يتتبع مثيلاتها في سورة النساء حتي عدهن ثمانيا فقد قال فيها روي عنه : " ثمان آيات في سورة النساء عن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت ؛ هذه الثلاث ، و ) إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ( و ) إن الله لا يغفر أن يشرك به ( و ) إن الله لا يظلم مثقال ذرة ( و ) من يعمل سوءا يجز به ( و ) ما يفعل الله بعذابكم . . ( ؟

فأما الآية الرابعة " إن تجتنبوا ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما " فإنها تجىء قريبا من سابقتها ، لتعقب على نهي المؤمنين ان يأكلوا اموالهم بينهم بالباطل ، وان يقتلوا أنفسهم ، ولتؤكد طابع الرحمة الذي ختم به هذا النهي في قوله تعالى : ) إن الله كان بكم رحيما " ، ولتعد المؤمنين ان محو الله سيئاتهم إذا اجتنبوا الكبائر ، ويدخلهم فيما أعد لهم من النعيم مدخلا كريما .

ويجىء بعدها في سياق السورة آية ) إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيما ( ، وهي واردة في صدد التحضيض على الإحسان إلى ذي القربى واليتامى والمساكين والجيران ، وذم الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وينفقون أموالهم رئاء الناس . تجىء الآية الكريمة في هذا السياق لتدعو إلي الإنفاق الخالص دعوة رفيقة ولتعد على الحسنات أضعافها من الأجر العظيم .

وأما آية ) إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ( فترد اولا في الكلام على بعض أهل الكتاب الذين حرفوا الكلم عن مواضعه ، واستحقوا لعن الله إياهم بكفرهم ، ثم تتكرر في ذم من يشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين . وهي تقرر في صراحة أن اكبر الكبائر الشرك بالله ، وان ما عداه من الخطايا يهون بجانبها ، وان الله إذا شاءت رحمته غفر ما دون هذه الكبيرة من الذنوب . والإشارة هنا كما تري اشارة مطمعة من قادر كريم . ولقد كان بعض الصحابة يتحرجون ان يوجهوا انتباه المسلمين إلي هذه الآية حتى لا يتكلوا .

وتروي كتب التفاسير - في سبب نزول الآية السابعة - أن أهل الكتاب والمسلمين راحوا يتفاخرون ، أولئك بسبق نبيهم وكتابهم ، وهؤلاء بأنهم أوتوا خاتم الكتب وخاتم الأنبياء ، فنزل قوله تعالى : ) ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب . من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا . ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون

نقيرا ( . ولقد كان الجزء الأول من هذا الوعد كافيا في إزعاج بعض أصفياء القلوب من المسلمين كأبى بكر - إذ يروى أنه لما سمع الآية قال : " فمن ينجو مع هذا يا رسول الله ! " فقال صل الله عليه وسلم : " أما تحزن ؟ أما تمرض ؟ أما يصيبك اللأواء ؟ " قال : " بلي يا رسول " قال : " هو ذاك " . وأما الجزء الخاص بالصالحات فهو وعد كريم متفضل واسع العطاء لا يظلم عبده مثقال ذرة أو قدر نقير

ويتجلي في الآية الثامنة غني الباري وتعاليه عن النفع والضر ، وتنزهه عن النقمة والتعذيب إرضاء لجبروت أو اشباعا لسلطان . يقول جل شأنه : ) ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ! وكان الله شاكر عليما ( .

وبعد ، فهذه الآيات الثمان في سورة واحدة من سور القرآن تؤلف اساسا صالحا لفهم سياسة الثواب والعقاب فيه ، وإدراك روح الشرائع والحدود التي جاء بها ، وتهدى بصيرة العبد المؤمن إلي الطاف الله ومنافذ رحمته ، فتفتح أمام عينيه آفاقا فسيحة من الرجاء تعينه على صالح العمل .

اشترك في نشرتنا البريدية