جري الإنسان أشواطا بعيدة وأمعن في الإصعاد والتحليق ليتمثل الخلود ، ويرسم حدوده ، ويحيط بأطرافه ، ويستدني بعيده ، وبروض عصبه ، ويثبته ويؤيده ، ويعززه ويوطده ، ويستنجد " في لقاء الحادثات ، ومواجهة الخطوب ، والتمرس بالشداد ، ولكن هذا الجهد الضخم البذول ، وهذا القدر الهائل من التفكير الملح والتطلع اللاهف ، وهذه الآمال المترامية المتسامية لا تدل بحال على التأكد والاطمئنان ورسوخ الثقة واستحكامها ، ولا تنم على الانتهاء إلى نتيجة يحسن الوقوف عندها ، والاستراحة في أفيائها ، وإنما يدل على رغبة في مغالبة الشك ومحاولة زحزحته عن مواقفه وإجلائه عن مناطقه ، وإنه لمجهود ضخم رائع قدمه الإنسان لتسويغ معتقد عزيز عليه أثير في نفسه .
وسجل تجارب الإنسان المؤكدة لا يشمل حقيقة الخلود ، ولسنا نملك من الناحية الفكرية الخالصة برهانا قاطعا ولا دليلا جامعا مانعا على صحته ، وكل تفسير لهذه الفكرة أو هذه الأمنية يحاول أن يفيد من ينابيعها العاطفية وقيمتها الأخلاقية ؛ فهي فكرة لا يفرضها على العقل الإدراك الحسى ، أو النطق الفكري ، ولكن يبعثها الأمل من أصداف الخفاء وظلمات المجهول .
وإذا التمسنا لها الدليل الفكري والاقتناع العقلي عدنا وأبدينا صفرات ، وجعابنا خاليات ، ونفوسنا متلهفات حائرات ، ورددنا قول المتنبى :
ومن تفكر في الدنيا ومهجته
أقامه الفكر بين العجز والتعب
ومن بواعث الألم ودواعي الأسف أن يكون هذا موقفنا ! ولا نزاع في أن من يقدم لنا الدليل الذي لا ينقض على ذلك سيحمل إلى الإنسانية أنباء سارة ، وبشارات عظيمة ، وسيكون أحق بالسوار ممن وعدهم به المتني إذا
بشروه بابن العميد كما روي لنا في قوله :
صفت السوار لأي كف بشرت
بابن العميد وأي عبد كبرا
ولكن قصاري الإنسان في ذلك - إذا كان لا يريد أن يخدع نفسه ولا أن يخدع الناس ، وإذا كان يحترم عقله وعقول الناس - أن يشارك الناس في جهلهم ، ويقاسمهم عجزهم . ويعطف على آمالهم وتطلعاتهم . ولا يقف منهم موقف الساخر المتهاتف ، أو المزهو المتعالي بعلمه ومعرفته ؛ فقد يكون إيمانهم العاطفي أصدق من شكوكه ، وأبقى على الزمن من مزاعمه وتفكيراته وفلسفاته وادعاءاته .
وفكرة الخلود تمس آمال الإنسانية مسا رقيقا وتشغل أمانيها وأحلامها ، وتملأ أخيلتها وأوهامها ، وقد يبرر هذه العقيدة الواغلة في النفس شدة شعورنا بالحاجة إليها ، واستجابتنا لها ، وتقديرنا لمكانتها وآثارها الحسان ؛ فكلنا نتطلع إلى الخلود ، ونروغ البقاء ، ونحرص على الحياة ، ونود لها الدوام والنماء ، وما أصدق قول أبي الطبيب :
وإذا الشيخ قال أف فما مل حياة ، وإنما الضعف ملا
والرغبة في الخلود معناها أن يمتد تاريخ حياة الإنسان إلى ما وراء هذه الحادثة الجليلة الرائعة العجيبة الغريبة التى نسميها "الموت" وهي حادثة غريبة حقا ، لأن نفوسنا لا يمكن أن تألفها وتعتادها ، ومهما عرف الإنسان أن لكل أجل كتابا ، وأن الموت حتم في رقاب العباد ؛ فإن غريبة الموت ولغزه وخفاءه وسره لا يبرح مخيلتنا ، ولا يغيب عن بالنا ، ومن بدائع أبي تمام في رثاء أحد أصدقائه قوله : " أصم بك الناعي وإن كان أسمعا " .
والواقع أن نعي أي إنسان مهما هان قدره يصيم وإن كان يسمع ، لأن الموت يخلع على كل من يغلق رهنه وتملكه أشطان المنون جلالا ، ويجعلنا نكبر قدومه على هذه التجربة ، ومعاناته هذه المحنة ، وكثيرا ما ننسى في غمرة
هذا الذهول وغشية هذه الدهشة والتعجب ما كان بيننا وبين الفقيد من الإحن والحزازات والخلافات والعداوات .
ولكن هل الخير أن تنتهى حياة الإنسان بهذا الحادث الصادع الفاجع ، ويطوي بموته كل ما بيننا وبينه ، وتندثر آثاره ، وتضيع معالم أخباره ، أو الأحسن والأفضل أن ينتقل بعد هذا الحادث إلى مرحلة جديدة يظل محتفظا فيها بذاتيته ، وملامح شخصيته ، وتتوالي فيها جهوده ، وتتابع أعماله ، وتتجدد تجاربة ومشاهداته ، وتتسع آفاقه !.
بعض المفكرين الأحرار الأعلياء الذين لم يرهبوا مواجهة الحقائق على مرارتها ودمامتها نبذوا التفكير في هذه المسألة ، ونفضوا أيديهم منها ، ووجدوا في اليأس إحدي الراحتين ، ورأوا أن التفكير في الموت عبث لا طائل تحته ولا غناء فيه ، لأن التفكير في الموت وعن أحياء في رأيهم سخف وعجز ، وحينما يمضي بنا الموت نكون قد أمنا لقاءه ، وامتنع علينا التفكير فيه ، وواضح أن الفكرة الكامنة وراء ذلك أن يكون تفكير الإنسان ابن ساعته ، وربيب حالته الراهنة ، ولكن هذا اللون من ألوان المادية الكثيفة أو البهيمية إذا لم نتأدب في التعبير أو نتأنق في الوصف مما لا تسيغه طباع الكثير من الآدميين ؛ ومن أمارات الإنسانية فيما أري أن يعيش الإنسان في الأبعاد الثلاثة : الماضي والحاضر والمستقبل .
ومن دواعي التفكير في الموت خوفنا الحرمان من المستقبل وإغلاق أبوابه في وجوهنا ، والأمل في حياة مقبلة معناه الخلاص من أوهاق هذا الخوف . وكل آمال الإنسان ومطالبه وغاياته ومآربه مرتبطة بالمستقبل ، منطقة به . متوقفة عليه ، ومحافظتنا على قوانا وملكاتنا وقدراتنا واستعدادنا ، وخوفنا أن تخذلنا قوتنا ونعجز عن النهوض بأعبائنا معناها الخوف من الموت ، وأينما توجد إرادة ماضية وعزيمة قوية ملبية ، فهناك أمل لم يتحقق بعد ، وعمل في طريق الإنجاز ، وغاية نسعى في سبيلها ، ولو كانت اهتمامات الإنسان تقف عند حد وتنتهي عند غاية لما خشي الإنسان زوال الحياة ، ولما تطلع إلى الخلود ، وحرص على البقاء . ولكن الإنسان في الحياة كلما تحقق له أمل انبعثت له آمال وكلما نال مطلبا تجددت مطالبه . ومن ثم كان طلب امتداد
الأجل نابعا لاتساع رقعة الأمل ، وآفاق الحياة في اتساع دائم ، وكلما طالعنا أفقا امتدت أمامنا آفاق ، واستطالت مراحل ومسافات ، فلا غرابة أن يجد الإنسان المتجدد الآمال والمطالب ، في الموت زائرا مشوه الطلعة ، كريه المحضر ، يعترض جهوده وأعماله ويعجله عن القيام بواجباته ومواصلة جهوده ، والرجل البعيد الآمال الكثير الاهتمامات المتشعب النواحي ، لا يرحب بالموت ، ولا يريد مبارحة الميدان ما دام يعيش لغاية ، ويسعى لمطلب ، ويود أن يحقق هدفا ، وإذا نظرنا في ضوء هذه الآمال المتوثبة والمطالب المتكاثرة وجدنا أن العدم والزوال والفناء هو الحادث الجلل ، ولذا ينفر منه ويأباه ، ويقول مع الشريف الرضى:
لو كان يدفع ذا المنون بقوة
لتكسرت عصب وراء لوائي
ولقد قال الفيلسوف الفرنسي رينوفييه وهو في الثامنة بعد الثمانين من عمره : " سأترك الدنيا قبل أن أقول كلمتي النهائية ، والإنسان دائما يموت قبل أن يتم عمله ، وهذا هو أشد أحزان الحياة إثارة للشجن " ، ولقد أبدى هذا الفيلسوف الكبير أسفه هذا بعد أن ملأ المجلدات بأفكاره وآرائه وبعد حياة خصبة حافلة .
وفي فقدنا للأعزاء علينا والذين ارتبطت حياتنا بحياتهم تستشعر ألم الفقد ، وجسامة الخسارة ، وتستنجد بصبرنا ورجولتنا ، ونهيب بالحلم والرزانة والثبات لنواجه الكارثة ونتجلد ونتجمل ، وقد يكفكف مرور الأيام دموعنا ، ويداوى جوي نفوسنا ، فتلتئم جراحاتنا ، وتقل حدة مانعانيه من الألم ، والأمل الوحيد الذي يلطف من وقع هذا الحزن ولا يخل بوفائنا للذكرى العزيزة الغالية ، هو غلبة الاعتقاد بالخلود ، وبأننا سنلتقي مع الاعزاء الذين فجعنا بهم ورزئنا فيهم في عالم الخلد والبقاء.
ولكن لنسائل عقولنا وتفكيراتنا قبل أن نستخبر عواطفنا وقلوبنا : هل من مصلحة من مضي بهم الموت وتركوا مسرح الحياة أن يعودوا من جديد إلى المسرح ويستأنفوا تمثيل رواية الحياة ؟ أظن أن الإجابة عن هذا السؤال متوقفة على اعتقادنا في الحياة ذاتها ، وطريقة تقديرنا لها وحسبانها خيرا أو شرا ، فإذا كانت الحياة عذبة المساغ حلوة
المجتبى جديرة في نظرنا بالحرص عليها واستدامتها فإن من الخير بقاءها أو العودة إليها ، وإذا كان الخير مصاحبا للحياة فإن فقدانها مما يبعث على الأسى ، وبقاءها مما يبعث على الغبطة والرضا ، ومن ثم روعة شعر الرثاء الذي يكشف عن مأساة هذا الفقد ويتحدث عن مدى ما فقدت الإنسانية من كرم الخلال وبواسق الأفعال بموت المرثي ؛ والواقع أننا إذا نظرنا إلى حياة أي إنسان نظرة عامة شاملة وجدنا انها ثمرة نماء متتابع ، وتطور شاق ، فالإنسان مجموع عادات وميول تكونت في بطء من الوراثة والتجربة والبيئة ، وهي ظروف لا تتكرر ، ومن ثم فإن كل إنسان نسيج وحده . وفريد عصره . وصورة من الحياة طريفة ، ولون من ألوان الوجود قذ لا نظير له ! ومهما جهدنا في الاحتفاظ بذكراه وجمع شوارد أخباره وسيرته فإننا لا نستبقى إلا صورة شاحبة . وصدي تذهب به ريح الزمن ، وستضعف ذكراه رويدا رويدا حتي تندثر معالهما وبعني الزمن علي آثارها ! وقد تعيشي أفكار الإنسان حينا من الزمن . وتتخلف عنه . وتؤثر تأثيرها ، ولكن سرعان ما يدركها الفناء وتنسخها أفكار أخري ؛ ومهما طال بقاء الأفكار فإنها لا تسد مسد الرجال ولا تغني عن رهافة ذوقهم . ودقة إحساسهم وتدفق عواطفهم ، وحرارة إيمانهم ؛ وليس الإنسان في جوهره مجموعة من الأعمال ، أو حزمة من الآراء والأفكار وإنما هو شخصية فذة نادرة قبل كل شئ . وفقد الرجال الممتازين خسارة لا تعوض . وفراغ لا يملأ ، كما ان سقوط السرحة الفارعة مأساة لأنها ثمرة ناضجة لتطور بعيد وأعجوبة رائعة من أعاجيب الطبيعة ؛ وكثيرا ما تستبين لنا مأساة الحياة في تأملنا كيف انفض البناء المشمخر في خطات قلائل بعد أن تعبت الأجيال المتوالية في رفع بنيانه . وتوطيد أركانه ؛ فإذا كانت الحياة بركة وخيرا فالخسارة هنا واضحة لا خفاء بها وإذا كانت الحياة شقاء وعذابا وشرا ووبالا في هذا السقوط والانهيار متعة وراحة . ولكن الموت ليس في أغلب الأحيان المهرب العادي من الشر ، ولا يلوذ به إلا من غم عليه أمره . وضافت به وجوه الحيل ، فقد تتغلب على الألم بتحري عللة وأسبابه . وقد تقهر الصعاب باستنهاض العزيمة ، والرغبة في الموت لا تنشأ إلا في آثار
البأس الشامل الذي لا يلتمع في ظلامة ضوء ولا بصيص من الرجاء وفي العدم عزاء تن باتت حياته مخاوف والاما، ومكاره وخطوبا ، وعقبات متتابعة ، وعثرات لا تستقال أو لمن تعطل تفكيره . ووهنت قوته . وفقد تذوق الحياة فقدانا تاما ، وأصبح منقطع الرجاء لا هو حي فيرجي ولا هو ميت فيبكي ، والإنسان يموت قبل أن يحين حينه إذ خذلته قوته . وذرفته بشاشة العيش ، وجازته فتوته .
وربما وجد بعض الناس في حكمة للموت وسيلة من وسائل إزالة غير الصالح للبناء ، وتجديدا لأشواط السباق في ميادين الحياة ؛ فحينما يمضي الشيوخ والكهول ينتقل الزمام إلى أيد أنضر شبابا ، وأوفر إقداما وأشد أبدا ، وتقدم الحياة رهن بهذا الضرب من ضروب التجديد وهذا اللون من ألوان البعث ، ولكننا بشيء يسير من التأمل يمكن أن نري أن الحياة محتاجة إلى إقدام الشباب وحكمة الشيوخ ، والحياة الصالحة الحقة تفيد من المحافظة والتجديد وتستغل الشيب والشباب ، وبقاء العنصرين لازم لاستكمال وجوه التقدم ، واستيفاء أسبابه .
ولا نزاع في أن هناك قوما قساة غلاظ الأكباد . شأنهم الإساءة ، وديدنهم الإجرام والاستمتاع بتعذيب الغير وإيلامهم . وقد نري في موت هؤلاء رحمة بضحاياهم ، وخلاصا من الأذي والشر والإساءة والإجرام ، والذي لا يصنع خيرا ، ولا يحسن صنعا قد يكون من الخير أن تقيده الحياة وترفضه . وتلغي كيانه . وتخفى رسمه وطلعته ، ولكن الشر الذي جلبه والجرائم التي ارتكبها والإساءات التي تورط فيها ستظل قائمة مائلة ، وضحاياه ما يزالون يعانون سوء اثاره وسوابق إساءته فما تتطلبه النفوس أن يمد له في الحياة . ويبسط له في العمر ، ويظفر بالخلود ، ليصحح أخطاءه . ويقوم اعوجاج نفسه ، ويترضي من أساء إليهم ، أو يلقي العقوبة الرادعة ، والحساب العسير الصارم الذي يرد على النفوس ثقتها بالعدالة . وحسن ظنها بالأيام ؛ فالرغبة في امتداد الحياة والحرص على الخلود ومطاولة البناء متصلة بأمل الإنسان في نفسه وفي الإنسانية وفي الحياة عامة ، ولا يمكن أن تكون شيئا مؤكدا كالحقائق العلمية ،
والنظريات الرياضية ، وإنما هي أمل يرفرف فوق مخاوفنا وأحزاننا سواء كان مصدر ، إرادة حيوية مستولية علينا . أو تفاؤل بالمزاج والطبيعة لاصق بنا ، أو يقين وعقيدة تعمر قلوبنا ، وتوحى الثقة والاطمئنان إلى نفوسنا ؛ وأكبر ظني أننا كلنا نستعذب تلك الكلمة التى كان يرددها الكاتب الفرنسي الحكيم سبنانكور صاحب رسائل أو برمان ، وهي قوله : " أيتها الأبدية كوني أنت ملاذي " .
ولكن قد يقال إن هذا الإيمان يسلب الإنسان فرصة لقاء الموت بنبل وشجاعة ، وإذا كان الموت مجرد انتقال من حياة إلى حياة اخري فماذا يكون مصير الشجاعة والتضحية بالنفس ؟ والرد على ذلك في رأيى هو أن الحياة الثانية مسألة يقين وبعقيدة وليست مسألة منطق وبرهان . ولن يكون الموت إلا فقدا محسوسا ، وسيظل الإنسان يخشاه ويحذره .
ولا يمكن العاقل أن يغفل من أهميته ، أو ينتقص من روعته ، ولا يزال لقاؤه معيارا للأخلاق ، ومحكا لقوة النفوس ؛ فالاعتقاد بحياة أخري قد يهون من أمر الموت ، ولكنه لا يزيدنا عليه جرأة ، ولا يمحو ماله في نفوسنا من خشية ورهبة ؛ وهو وإن كان يبقى الأمل ، ولكنه مع ذلك لا يغني عن الحاجة إلي التجلد والثبات . ومما يروي عن الزاهد الورع المشهور سفيان الثوري أنه جزع عند الموت فقيل له : " يا أبا عبد الله ما هذا الجزع ؟ أليس تذهب إلى من عبدته وفررت ببدنك إليه ؟ " فقال : " ويحكم إنى أسلك طريقا لم أعرفه وأقدم على رب لم أره " . والثوري يمثل في هذا الموقف الإنسانية برمتها .
