وليس من العجيب أن تكون الخواطر مضطربة في مثل هذا العصر الذي يشيع فيه الاضطراب والتناقض . فها نحن أولاء نري حولنا الآراء يزاحم بعضها بعضا ، ويعارض بعضها بعضا ، ومع ذلك تراها جميعا تعيش معا ، ويؤمن الناس بها معا . ولو سأل إنسان نفسه ابسط الأسئلة وأوضحها لما استطاع أن يهتدي إلى إجابة قاطعة محددة ، بل لكان أكبر الظن أن يذهب في الأجابة نحو وجهة ثم لا يلبث ان يعود فيذهب في إجابته نحو وجهة أخري تعارضها أو تخالفها في كثير او في قليل . ولست أدري بم استطيع ان احمى هذا الاضطراب كما لست أدري ما الذي بعث إليه . ولست ادري كذلك هل مثل هذا الاضطراب في الآراء دليل على قوة في الإنسانية ، أو هو دليل على ضعف ، وهل هو علامة تبشر بحياة مزدهرة أو حياة مبلبلة هزيلة !
وإذا شاء القارئ ان يجرب ما جربت من نفسى فليسأل نفسه سؤالا بسيطا ، وليكن هذا السؤال :
" لم يعيش الإنسان في هذه الحياة ؟ "
ثم ليحاول الإجابة عليه لنفسه في صراحة ووضوح ويناقش ما يجيب به متعمقا بعض التعمق غير مقيد بقيد من القيود ، ثم ليقل في صراحة هل وجد لسؤاله جوابا قاطعا محدودا يمكنه أن يؤمن به ويستقر عليه ؟
هل نعيش لنأكل ونشرب ونمرح فوق الأرض حينا ؟ لا شك أن أغلب من تقع أعينهم على هذه الكلمات سوف يرفعون ايديهم احتجاجا قائلين : " لا " فان هذا لا ينبغي أن يكون غرضا للانسان ، وما هو إلا غرض للحيوان الأعجم . ولكن أي غرض آخر يمكن أن نؤمن بأنه غرضنا من هذه الحياة ؟
قال هتلر يوما من الآيام : إن الغرض من الحياة الذي
يجدر به " وبقومه ان يعيشوا من أجله هو ان يسودوا العالم ، وقد امتلأ هتلر بذلك المعنى وآمن به واتبعه فيه قومه حينا من الزمان . ولكن الحوادث التي تجري اليوم تكذب أن هذا الغرض يمكن ان يكون قصدا للحياة . فقد هزمت ألمانيا هزيمة جعلتها اليوم أبعد ما تكون عن معني السيادة . فهل يمكن أن يقول قائل إن الحياة قد خلت من غايتها عند الالمان ؟ إنهم لا يزالون يحرصون على الحياة ، ولو وجد هتلر أملا في أنه يستطيع الحياة لحرص عليها وتمسك بها ولو مع الهزيمة ، وبعد ان اصبحت السيادة ابعد الأشياء عن متناول يده . فلم يبقى الناس احياء في الحياة بعد زوال الغرض الذي كانوا يزعمون أنه هو الجدير بالحياة من أجله ؟ ألا يمكن أن يكون قصد الحياة هو أن نأكل ونشرب ونمرح حينا فوق هذه الأرض كما يفعل سائر الحيوان ؟ إن هذا سؤال مزعج حقا .
ولكن قد يقول متحمس إنساني مثل روزفلت عليه رحمة الله : " إن القصد من الحياة أن نعيش أحرارا " ، ولكن مامعنى الحرية ؟ إن هذا المعنى يخلو من كل دلالته لو خلت الحياة من أول مقوماتها ؟ فلو فرضنا - لا سمح الله - ان أمريكا العظيمة قد أصابها شئ من السماء فمنعت عنها الأمطار وصارت أرضها بلاقع لا تنبت حبا ولا تحمل ضرعا ، ولو فرضنا بعد ذلك - لا سمح الله - أن الأرض قد غادت بها حتى لم يبق في مناجمها زيت ولا فخم ، وانها قد خلت من مصانعها العظيمة ومن ناطحات السحاب التى ترفع رؤوسها في كبرياء فوق اديمها . لو فرضنا ان أمريكا أفاقت يوما فوجدت نفسها في أرض مثل صحراء ليبيا لا تقيم حياة ولا تفيد ثروة ، فماذا يكون رأي المتحمسين للحرية في معنى الحياة ؟ اليس قولهم إن الحرية هي القصد من الحياة مرتبطا بغرض مسلم به ، وهو أن الحياة تجد ما يقيمها من الطعام والشراب وان الإنسان واجد بغير شك فوق الأرض مراحا إلي حين ؟ وأنه لا ينبغي لي أن أظلم
روزفلت عليه رحمة الله فأقحم على لسانه ما لم يقل ، فإنه قد اعترف يوما من الأيام بأن أول قصد للحياة إنما هو الطعام والشراب ، لانه عندما حدد معني الحرية سماها حريات أربعا لأحرية واحدة ، وجعل في صدرها التحرر من الخوف - خوف يوم يطلع لا يجد فيه الإنسان طعاما ولا شرابا لنفسه ولا لأهله . إنه ليوم تحس ذلك الذي يطلع على الناس لا يجدون فيه طعاما ولا شرابا ، بل ذلك اليوم الذي لا يجدون فيه ما هو ضروري من الكماليات التى اصبحت لازمة للانسان الحاضر لزوم الطعام والشراب .
وهكذا نستطيع ان نناقش إجابات الناس صنفا بعد صنف ، وان نردها جميعا بعد المناقشة إلي ان الغرض الأول من الحياة هو ان يأكل الناس ويشربوا لا لانهم لا يمكنهم ان يعيشوا في الحياة بغير ان يأكلوا ويشربوا ، بل لان الإنسان مثل سائر الحيوان قد خلق لكي يقضي علي الارض مدة لا بد له من أن يعيش فيها بالطعام والشراب . اليس من الواضح لنا بعد ذلك أن أول هم للناس في هذه الحياة أن ينظروا في طعامهم وشرابهم وان يجعلوا النظر إلي الطعام والشراب قبل النظر إلي كل شئ آخر ؟
والطعام والشراب لا يتأتيان ولا يتوفران إلا إذا وجدت لهما الموارد الطبيعية التي يستخرجان منها بالعمل المتصل . هذه سنة الطبيعة التي لا محيد عنها ، فلا مناص لكل أمة من الأمم أن تنظر إلي تلك الموارد لتوفر لنفسها منها ما يكفيها . اليس هذا واضحا ؟ ومن ثم يمكننا ان نقول إن النزاع الا كبر في هذه الحياة ليس سوي نزاع على الطعام والشراب وسائر ما يقيم الأود من الضروريات ، وان كل الحروب وكل الهموم الدولية ليست سوى مظاهر من سعي طوائف الإنسان نحو توفير الطعام والشراب لنفسها ، ولو كان ذلك على حساب غيرها . وقد كانت قبائل الصحراء تتقاتل لكي يستولي بعضها على رزق بعض ليستأثر القوي بأكبر قسط منه ، ويرد الضعيف إلى اقل
قسط منه . وليست أمم اليوم بأبعد من هذا ، فإنها إنما تتقاتل لكي يستولي بعضها على رزق بعض ، ليستأثر القوي بأكبر قسط منه ويرد الضعيف إلي أقل قسط منه . إنها لحقيقة قاسية مكشوفة كالحة الوجه ، ولكن يخيل إلي بعد المناقشه انها حقيقة لاشك فيها ، ويحب الا تخدع أنفسنا عنها .
ولكن ما الذي يدفعني إلي هذه المناقشة المضطربة ؟ أهي الرغبة في أن أكشف حقيقة ساذجة لاشك في أنها لا تبعد عن الأذهان وإن كانت الأذهان الإنسانية تحاول أن تخفيها عن وعيها ؟ إن الذي يدفعني إلى هذه المناقشة أننا نحن معاشر الشرقيين والمصريين نملأ أشداقنا بألفاظ طنانة نزعم أنها تعبر عن أمانينا وتدل على حقيقة أغراضنا من الحياة . نحن نزعم فيما تملأ به أفواهنا من الألفاظ الطنانة أننا نطلب الاستقلال والحرية وأننا لا نعدل شيئا بالكرامة وإن كلفنا ذلك ما كلفنا . فنحن من أجل هذا نعقد المحالفات ونحضر المؤتمرات ونضحي بالشئ الكثير في سبيل العزة القومية ، فنسخر أنفسنا بمئات الألوف تدفع لتعمير أوربا المدمرة وتسخو نفوسنا بمئات أخرى من الألوف في سبيل أن يكون لنا ممثلون سياسيون يرفعون العلم المصري في عواصم البلدان ، وتسخو نفوسنا كذلك بالملايين نضحيها في سبيل تدعيم استقلالنا - فعلنا ذلك منذ أواخر القرن التاسع عشر ولا نزال نفعله إلي اليوم وما أحسب أننا نصدر في ذلك عن رأي واضح وغاية مفهومة حتى الفهم ، فإن الذي أفهمه أن غرضنا كأمة ينبغي أن يكون أولا أن نجد لكل الأفراد ما يكفيهم من الطعام والشراب ، وأمثال الطعام والشراب من مقدمات الحياة ، وأن غايتنا كأمة يجب أن تكون كفالة الموارد الطبيعية التي تضمن لكل الأفراد ما يكفيهم من تلك المقومات ؛ فإذا نحن رسمنا الخطط في السياسة كان الواجب أن يكون هذا الغرض هادينا ، وإذا رسمنا الخطط في
الاقتصاد كان الواجب أن يكون هذا الفرض هدفنا ، وإذا رسمنا الخطط في التعليم كان الواجب أن نجعل هذا المعنى نصب اعيننا ، إننا نريد أن نجد الطعام والشراب اولا لأننا إلى اليوم لا نجد من مقومات الحياة ما يكفي لكل أفراد أمتنا.
إننا لم نقدر على الحياة إلي اليوم إلا لأننا نطعم الأقلين بطعام الا كثرين الذين يتر كون بغير طعام ، ونكسو الأقلين من ثياب الا كثرين الذين يتركون بغير ثياب ؛ فإذا كنا نريد ان تكون امة متضامنة فلا اقل من ان نعمل على أن تكون الأطعمة والأشربة والأكسية حظا مشاعا بين الجميع يصيب كل منها ما يكفي لحفظ الحياة
وإنه لجدير بنا الا نخدع أنفسنا عن حقائق الحياة . إننا نعيش بين امم العالم ، ولا بد لنا من ان نعاملها لتأخذ منها ولتعطيها نظير ما نأخذ .
فما الذي نستطيع ان نعطي وما الذي نحتاج إلي ان نأخذه ؟ هذا سؤال خطير لا ينبغي ان يغيب عن ذهن أحدنا ، لأننا إذا أردنا أن نأخذ شيئا نظير ما نعطى فينبغي ان يكون ذلك الشئ حقيقة تعيننا على الحياة . وليست ألفاظا خلابة ولا حليا براقة تخلب ألبابنا بغير ان تفيدنا شيئا . ينبغي أن تحرص على ان يكون ما نأخذه معينا لنا أول كل شئ على تيسير مقومات الحياة .

