حملة المحافظين على تصريح الجلاء :
أثار تصريح مستر أتلي رئيس الحكومة الإنجليزية الذي أعلن فيه أن الحكومة قررت جلاء القوات البريطانية عن مصر في البر والبحر والهواء حملة شديدة من جانب المعارضة تولي كبرها المستر تشرشل والمستر إيدن وتابعتهما في ذلك صحف المحافظين .
وقد تولتنا الدهشة من أن يكون مثل هذا القرار محل معارضة من أحد من الساسة الإنجليز . فقد حمدنا لبريطانيا العظمي موقفها من مشاكل إيران وسوريا ولبنان وإصرارها على ان تجلو القوات الأجنبية عن تلك البلاد لأن بقاءها يتنافى مع استقلالها التام . ولم نكن نتصور ان يكون هناك إنجليزي يأبي علي مصر ما رآه حقا طبيعيا لتلك الدول . فهل يكون وجود القوات الأجنبية في بلد مستقل اعتداء على استقلالها اذا كانت تلك القوات .
أو فرنسية ولا يكون كذلك إذا كانت إنجليزية . وأدهشنا أن يتكلم القوم عن ضرورة بقاء القوات الإنجلزية على القتال تأمينا لسلامة الإمبراطورية . فقد كنا نظن ان قيام جمعية الأمم ومجلس الأمن قد فتح عهدا جديدا بين الأمم وكفاها مؤونة التفكير الفردي في الاستعداد لمقاومة ما قد تتعرض له من عدوان . وكنا نظن أن الأمم الكبرى التي أسست الجمعية ودعت الأمم إلي ميثاقها أشد الناس إيمانا بقوة هذه الأداة الدولية في منع العدوان وحل الخلافات بين الامم بالطرق الودية . وكنا نظن أن الجو الدولي تسوده الثقة والمودة وأنه ليس بين الدول الكبرى دولة تنزع إلى الاعتداء على غيرها .
ولكن هذه الأقوال تشير إلى أن القوم لا يؤمنون بهذا النظام الدولي الجديد وأنهم برونه لعبة تتلهى بها الشعوب الصغيرة ، أما الأمم الكبيرة فتحري على سياستها القديمة
على أن سلامة الامبراطورية مع هذا لا تتعرض لخطر قريب او بعيد ، ولكن الوهم يخيل للأذهان الاستعمارية أخطارا مخبوءة ، والخوف أساس عدم الثقة ، وانعدام الثقة بين الأمم مبعث الخلافات والخصومات .
وما لمصر ولهذا كله؟ فلتكن الامبراطورية معرضة لأشد الأخطار ، فهل يقتضي هذا ان تستذل رقابنا وتحتل ديارنا لدرء تلك الاخطار ؟ ولماذا لا تتولي الإمبراطورية تدبير أمر صيانة أملا كها بعيدا عنا ومن غير ان تسئ إلي كرامتنا . إن العقلية الاستعمارية الرجعية التي تبيح أن يعتدي على حرية شعب في سبيل الاحتياط من خطر موهوم ، والعقلية التي تقوم على الشك والحذر وسوء الظن وتأبى إلا الرجوع لسياسة تقسيم العالم إلي معسكرات متحابة في الظاهر متعادية في الباطن ، والعقلية التي تقيس الأمور بمقياس أناني لا ينظر إلا المصلحة الخاصة ولا يستطيع أن يقدر أثرها في غيره من الأمم - هذه العقلية هي أكبر أسباب ما يسود العالم في هذا الزمان من متاعب وقلاقل واضطرابات .
وإن مصر لتضبط أعصابها أمام هذه الحملات الطائشة وترقب بثبات ما سينتهي إليه الأمر بينها وبين إنجلترا ، وترجو ان تتغلب الحكمة والسداد ، وان يسود الحرص على قيام العلاقة بيننا وبين الإنجليز علي أساس الصداقة والمودة .
مصير ليبيا :
ومن سخرية القدر أن تنبت فكرة في اجتماع مجلس وزراء خارجية الدول الأربعة ، وهي جعل طرابلس تحت وصاية إيطاليا . وان يقال ذلك في الوقت الذي يحمل فيه مستر تشرشل علي مصر في خطابه بالبرلمان ويمن عليها أن إنجلترا قد أنقدتها من اعتداء إيطاليا وألمانيا علي حريتنا . فإذا كان مستر تشرشل قد نسي أنه إنما كان يدافع
عن امبراطوريته أولا وبالذات ، وإذا كان قد نسي أننا أدينا للحلفاء من المساعدات ما كان له أكبر الأثر في نجاحهم ، وإذا كان قد نسي أننا إذا حمدنا الله على انه لم يبتلنا باحتلال الطليان أو الألمان لبلادنا فان ذلك لا يمكن أن يسوغ رضانا باحتلال الإنجليز ، فالاحتلال الأجنبي شر كلة .
إذا كان قد نسي ذلك كله فلعله لم ينس ما أطلقه خلال الحرب من وعود وما تقرب به إلى الشعوب من تعهدات ومواثيق ، ولينظر ما انتهت إليه مواعيده وكيف يفكر بعض الدول في أن يقدم شعب طرابلس هدية لإيطاليا المنهزمة مكافأة لها على ما أذاقته الحلفاء من متاعب وما كبدتهم من خسائر وضحايا وما أعانت به حليفتها ألمانيا في تلك الحرب . وهكذا يكون البدل الدولي يقدم المعتدي عليه هدية للمعتدى ليجهز على البقية الباقية منه .
لا نجد تفسيرا لهذا التفكير العقيم إلا أن تكون صلة الرحم الأوربية قد تغلبت على كل الاعتبارات وأن الشعوب الصغيرة أصبحت سلعا لمساومات الدول الكبرى وحل خلافاتها .
إن ليبيا شعب عربي قاسي من ظلم الطليان وقسوتهم الكثير ، وقد كان يظن انهزام إيطاليا الذي ساهم فيه بما استطاع سيطلع عليه عصرا جديدا من الحرية والعدل . وإنه ليحز في نفس هذا الشعب وفي نفوس الشعوب العربية التي تشعر بأنه عضو من جسمها وقطعة من كيانها ان تقضي الدول قضاء جائرا في مصير هذا الشعب .
فلتتدبر الدول مغبة هذا التفكير وأثره في العالم العربي ، فإنه سيكون مبعث مرارة والم ، ومصدر فساد في علاقات أممها بالأمم الغربية .
تقرير فلسطين :
ويذكرنا هذا الرأي المتعثر بتقرير لجنة التحقيق الإنجليزية الأمريكية وما اقترحته بشأن فلسطين . لم تكن لجنة تحقيق ، وإنما كانت هيئة تمهد لإقرار
سياسة خاطئة رسمها الصهيونيون وحملوا أمريكا وانجلترا بنفوذهم على متابعتها .
فلا العدالة تقر تحميل هذه الرقعة الضيقة الفقيرة من الأرض كل هذه الأعداد من المهاجرين وفي بقاع الأرض متسع لهم .
ولا مصلحة اليهود تتفق مع الزج بهم في هذا الجو يثيرون به العداوة والبغضاء لهم من الأمم العربية المحيطة بهم . ولا مصلحة العالم تقضي يخلق مشاكل مفتعلة في
هذه النقطة الحساسة التي تتلاقى عندها القارات والشعوب والأديان .
ولو كان لليهود حقيقة قضية يراد حلها لما أعجز العالم الاهتداء لحلها بتوزيعهم بين أمم الأرض أو بإفرادهم في إحدى القارات الفسيحة الخالية من السكان .
ولكن الصهيونيين لا يريدون إلا فلسطين ، وأمريكا تجاري رغباتهم وانجلترا تتردد أمام نفوذهم . والعرب يأبون أن يساموا الخسف في ديارهم . وستري إلي أين تنتهي الأمور .

