فض الدورة البرلمانية :
أعلن رسميا فض الدورة البرلمانية بعد أن انتهي مجلس الشيوخ من نظر مشروع كهرية خزان أسوان ، ومشروع إنشاء مدينة العمال ، ومشروع تنسيق درجات الموظفين . وقد تناول رئيسا المجلسين ، ورئيس مجلس الوزراء ، في الكلمات التى القوها بمناسبة اختتام الدورة الحديث عما ثم خلال الدورة من مشروعات كبيرة ، وما ساد المجلسين أثناء بحث المشروعات من روح قومية ، وما بذلته اللجان البرلمانية من جهود في إنجاز أعمالها الكثيرة .
وإننا بهذه المناسبة نتثبط بتوفيق المجلسين في إقرار مشروع كهرية الخزان ، ونحمد الله على تحقيق هذه الأمنية العزيزة التي كانت تجيش في صدر كل مصرى محب لبلاده ، ونرجو أن تسارع الحكومة لاتخاذ خطوات التنفيذ ، حتى لا يتأخر الانتفاع بهذا المصدر الجديد للطاقة ، بعد أن حرمت البلاد من استثماره سنوات عديدة بغير اقتضاء ؛ ونعتقد أن هذا الفيض من الطاقة الكهربائية سيهئ للبلاد فرصة النهوض الاقتصادى . وعلى الرغم مما أثاره المعارضون المشروع ، والمتشككون في سلامته الاقتصادية ، محس أنه كسب كبير للأمة أن يكون لديها
مورد عظيم للقوة الكهرائية نستخدمه في صنع السماد الذى تحتاجه الزراعة المصرية ، ونستطيع أن نستغني . عن الخارج ، إذا تحرجت الطروف وتعذر الاستيراد .
حسب المرء أن يذكر أن مشروعات طلعت حرب باشا في إنشاء مصانع النسيج قد استطاعت ان تكفي البلاد خلال الحرب الاعتماد على الخارج في سد حاجة الشعب للكساء ، ليعلم أن كل خطوة تضمن للبلاد الاكتفاء الذاني ، والاستغناء عن الخارج في المواد الأساسية ، هي خطوة حقيقية في سبيل استقلال البلاد الاقتصادي ، و كفالة سير أمورها من غير تأثر بالظروف الخارجية ، وأمان لها من التعرض للأخطار والمجاعة بسبب اعتمادها في شئومها الأساسية على عناصر خارجية لا تستطيع التحكم فيها .
كذلك ترحب بمشروع إنشاء مدينة للعمال ، ونراه خطوة اجتماعية نافعة للطبقات العاملة الفقيرة ، كما نراه بداية تتبعها خطوة طبيعية ، هي إزالة الأحياء القذرة التى تشوء جمال العاصمة ، والتي تمد رمزا حيا للحالة الزرية التى يعيش فيها كثير من أبناء الشعب الفقراء ، ونرجو أن توفق الحكومة لتيسير إيجار أماكن هذه المدينة الجديدة ، وتيسير وسائل المواصلات معها ، كما نرجو ان تكون الخطوات التالية محسين قرى الريف ، وتهيئة الوسائل
الصحية بها ، وتوفير مياه الشرب الصحية ، والإضاءة الرخيصة بها . ليعم الإصلاح المدن والريف على السواء .
أما مشروع تنسيق الدرجات فقد كان نتيجة طبيعية للأنظمة المضطرية التي عولجت بها مشاكل الموظفين ، والتي كان أساسها إرضاء فئات خاصة منهم ، دون النظر لما يترتب على ذلك من إخلال بالتوازن بينهم وبين نظرائهم في ميادين أخرى من ميادن العمل الحكومي ، فجاء هذا المشروع ليقارب بين النظراء فى المعاملة . وقد تريث مجلس الشيوخ في إقرار ما اقترحه مجلس النواب من الإضافة في الدرجات العليا . وكنا نتمني ألا يرجأ ذلك ، فالاعتماد الخاص بهؤلا ، ليس كثيرا ، وهؤلاء الموظفون الرئيسيون على قلة عددهم يحتملون أعباء جسيمة . وكان من الخير أن محل مشاكلهم ، فلا تساورهم شكوك قد تؤثر في قيامهم بواجبهم .
على أننا مع هذا كله نشعر بأن ما تم كان خطوة حسنة في إصلاح أحوال الموظفين الذين احتملوا أعباء الغلاء الفاحش بصبر طويل . وشهدوا ارتفاع مستوي المعيشة اربعة أضعاف فى الوقت الذي لم ينالوا فيه تحسينا يذكر في مرتباتهم وحرموا من العلاوات الدورية ، وقيدت ترقياتهم بقيود شديدة ، وهبط مستوي معيشتهم عن كثير من طبقات الأمة التي أفادت من ظروف الحرب .
المؤتمرات والبعثات :
كثرت المؤتمرات الدولية التي تشترك فيها مصر وتنوعت ألوانها ، ورأينا في هذه المؤتمرات أنها اجتماعات نافعة تتيح للمشتركين فيها من أبناء هذه البلاد الوقوف على تيارات التفكير الدولى ، وتجمعهم بقادة العالم في مختلف الشئون السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية . فالموفدون إليها حقيقون أن يفيدوا منها كثيرا إذا تتبعوا جلسائها واشتركوا في مباحثها بجد وعناية . أما إذا اتخذوا
منها وسيلة للترويح والاستمتاع بزيارة البلاد التى يعقد فيها المؤتمر واهتموا بذلك فوق اهتمامهم بأعماله فانها تكون تحميلا للدولة لنفقات الاستمتاع الشخصي للأعضاء وخير مقياس لمبلغ الإفادة من تلك المؤتمرات أن يكون لها أثر عملي واضح في تحسين أحوال البلاد وتغير بعض الاتجاهات واستحداث مشروعات نافعة أوحي بها شهود تلك المؤتمرات والاشتراك فيها .
كذلك اشتدت حركة البعثات الخارجية وكثر الأعضاء الموفدون للخارج لإنعام دراساتهم ، وهي حركة مباركة ترجو أن تكفل لنا في وقت قريب طائفة كبيرة من الإخصائيين في مختلف فروع العلم والعمل ، تتولى مهمة النهضة الجديدة وتبعث فى البلاد روحا قوية في كل دوائر العمل فيها . وإنا لتتطلع إلى اليوم الذي نستغني فيه بهؤلاء عن إيفاد هذه الأفواج الكبيرة من الطلبة للخارج ، فيكون لهم في البلاد معاهد ممتازة يجدون فيها حاجتهم من العلم والعمل ، ويكون الإيفاد للخارج مقصورا على بعثات من العلماء للتجديد والانصال بغيرهم من العلماء لتبادل البحوث ومتابعة أحدث الآراء ، او بعثات لدراسة جوانب خاصة تمتاز بها بعض البلاد . أما إرسال البعثات للدراسات العادية فأمر يجب أن ينتهي بعد زمن قصير بتوفير أسباب ذلك في البلاد .
الانتخابات في الشرق الأوسط :
من الظواهر الملحوظة في بلاد الشرق الأوسط أنه لا يكاد يحل بها موسم انتخابات جديدة حتى تتحرك القلاقل والاضطرابات وتظهر الإحن والخصومات . حتى لقد بدأ بعض المفكرين يوازنون بين ما تربحه تلك الأمم من الحياة النيابية وما يخسره بسبب الانتخابات من قيام الفن وتولد الضغائن والأحقاد بين الأسر والأفراد .
إن كراسى النيابة جعلت لخدمة الأمة وتحقيق رغباتها
وكفالة الحرية والعدالة والمساواة للجميع ؛ وأحق الناس بها اقدرهم على الاضطلاع بتلك الأعباء وأحرصهم على تحقيق تلك المعاني ، ولكن كراسي النيابة يصحبها شهرة عامة تبرز النواب ، وقد يتبع ذلك الظفر بكراسي الحكم وما يلى ذلك من جاء ونفوذ ؛ وأكثر المتقدمين للنيابة هم الحريصون على تلك الشهرة المتطلعون للجاه والنفوذ الذى يلازمها ، لا الأكفاء القادرون على السير بالأمة إلى الأمام ؛ ومن هنا كان التنافس والتناحر على تلك الكراسي ليس مبعثه التنافس على الخدمة العامة ، وإنما هو التنافس على المظاهر والمزايا التي يجيء من النيابة .
على أن كراسي النيابة وكراسي الحكم ليست هي الوسيلة الوحيدة لخدمة البلاد ، ولا هي الوسيلة الوحيدة للشهرة وكسب الجاه . ففي الميدان الاقتصادي والاجتماعي متسع لكل عامل ، ومجال النجاح فيهما افسح ، وخدمة البلاد
عن طريقهما قد تكون أنفع وأدوم أثرا ؛ ولو بذل بعض المتقاتلين على كراسى النيابة في هذا السبيل بعض ما يبذلونه من جهد ومال للظفر بكراسى النيابة . لكان نجاحهم محققا ولسعت إليهم مناصب الجاه والشهرة بعد ذلك بغير عناء . إن الحكم النيابي وسيلة للحكم الصالح الذي يكفل لأفراد الشعب حريتهم وطمأنينتهم ، ويحقق لهم جميعا العدالة والمساواة ؛ ولايتفق مع هذه الغاية قيام الفتن والاضطرابات والاعتداء على الحريات .
إننا معشر الشرقيين حديثو عهد بالحياة النيابية والاستقلال بأمورنا . وخصومنا كثير بتربصون بنا الدوائر ويسدون علينا كل عثرة ، وينتهزون الفرص لتحقيق مطامعهم فينا . فمتى نفتح أعيننا على تلك الحقائق ونسمو على الصغائر ونتعاون على الخير ونحزم أمورنا فنوليها خيارنا ؟ (...)
