الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 408الرجوع إلى "الثقافة"

خواطر وآراء, مر صدقي باشا إلى لندن

Share

كان سفر صدقي باشا إلي لندن مثار تعليقات شتى  من الهيئات السياسية المصرية

فالسياسيون الذين لا يؤمنون بامكان الوصول إلى  تحقيق مطالب البلاد عن طريق المفاوضات الخاصة مع انجلترا استنكروا هذه الخطوة وعدوها محاولة عقيمة  لتفاهم مع خصم عنيد برزت نياته الاستعمارية في كل الظروف منذ احتل بلادنا وهم يصرون على أن الطريق السليم هو الاحتكام إلي مجلس الأمن واتهام انجلترا  بالاعتداء على استقلالنا

والمعارضون الذين لم يشتركوا في المفاوضات والذين غلب عليهم سوء الظن بما لابس جوها من مطل وتسويف أرا هذه الخطوة مظهرا من مظاهر الضعف والاستجداء من جانب المفاوض المصري وهم يرون أن سير المفاوضات فى اليوم دل على عدم استعداد انجلترا للتزحزح عن موقفها

ولهذا يرون أن لنا العذر في طرق أبواب مجلس الأمن لاستمدائه عليها

ومن المشتركين في المفاوضات من لا يطمئن تمام الاطمئنان لتشدد صدقي باشا في إبراز وجهة النظر المصرية  وهؤلاء يتخوفون من هذه الخطوة ويخشون أن تكون نتيجتها توريط البلاد في أمور لا ترضاها

أما سائر من عدا هؤلاء من السياسيين فلا يرون بأسا بهذه المحاولة ويرون فيها دليلا على حرص مصر علي التفاهم قبل الالتجاء إلي الخصومة والاحتكام إلى مجلس الأمن وهم يثقون بوطنية صدقي باشا وحصافته السياسية ويعتقدون أن اتصاله المباشر بمن بيدهم الأمر في انجلترا قد يؤدى إلى تقريب مسافة الخلف بين الفريقين والوصول إلي نتيجة عملية ترضى الطرفين

وليس لنا إلا أن نتمنى المفاوضين المصريين النجاح والتوفيق في مهمتهم ونعتقد اعتقادا جازما أن في الإمكان إيجاد نقطة يتلاقى عندها الطرفان ولسنا كبيرى الثقة

بنتائج الالتجاء إلي مجلس الأمن فقد دلتنا تصرفاته فى كثير من المشاكل السياسية على أنه لا يزال أداة خاضعة للتيارات السياسية التي تسيره فيها الدول القوية وأنه ليس بالهيئة التي تغلب اعتبارات العدالة على رعاية مصالح الأقوياء

تنفيذ حكم الاعدام فى الزعماء النازيين

وأخيرا تم حكم الإعدام في مجرمي الحرب من زعماء الحزب النازى وشنقوا جميعا ماعدا جورج الذي تمكن من الانتحار

وقد أظهرت محاكمة هؤلاء الزعماء أنهم كانوا شديدى القسوة في معاملة خصومهم من أبناء بلادهم وأبناء الشعوب المقهورة وأسرى الحرب وأنهم استعملوا في تعذيب هؤلاء جميعا وسائل وحشية بربرية تتنافي مع أبسط قواعد الإنسانية ولابد أن الكثيرين من أبناء الشعوب التي ذاقت ويلات الحروب وتجرعت غصصها قد اغتبطوا لهذا المصير الذي يرون فيه قصاصا عادلا لمجرمين أقلقوا راحة العالم وسببوا الشقاء للملايين

ومن المحقق أن المحكمة قد اقتنعت بأن هؤلاء الرؤساء كانوا مسئولين مباشرة عن كثير مما وقع من الإجرام وأنهم لم يكونوا مجرد منفذين لأوامر صادرة إليهم بل هم كانوا شركاء الدكتانور الذاهب موجهين السياسية العليا التي انتهجها الحزب النازى

ولا يعنينا من أمر هؤلاء سوى النتائج التي ستترتب على هذا الحكم فهل سيكون رادعا مانعا لمن تحدثه نفسه من الطغاة في أية دولة يخرق حرمات الشرائع والقوانين الإنسانية وماذا سيكون آثره في الشعب الألماني بالذات هل سيقنعه بألا يمكن أمثال هؤلاء من التحكم فيه والسيطرة على مصايره هذا مايترك للأيام المقبلة وإن تكن الدراسات النفسية لطبائع الشعوب تدل على كثير من التناقض في منطقها

إن الواجب على الحلفاء بعد هذه الخطوة القصاصية أن تتبعها بخطوات خيرية تعمل على تحسين أحوال الشعب الألمانى ومعاونته على السير في الطريق الديمقراطى الصحيح

الصهيونية و نزعاتها الخطرة

ليس كل ما يشكوه العرب من أمر هؤلاء الدخلاء الذين فرضوا عليهم في فلسطين هو أن بلادهم المستفيدة لا تحتمل هذه الجموع الكثيرة وأنهم يزحمونهم في ديارهم ويضيقون عليهم أسباب الحياة الهادئة المطمئنة وينزعون منهم المركز الأصيل الذي هو حقهم في تلك البلاد منذ أكثر من ألف سنة ليس هذا وحده هو ما يقلقهم ويقض مضاجعهم وهو وحده كف لذلك ولكن أشد ما يقلقهم أن هذه الفئة تدخل هذه البلاد في صورة عصابة دولية منظمة لها تشكيلاتها السرية وأساليبهم الغربية الخطرة

فهذه الجماعة بعد أن أقامت العالم على الألمان لاضطهادهم إياهم وبعد أن كسبوا عطف العالم بإعتبارهم أقلية ضعيفة مظلومة لم يستنكفوا من أن يقتبسوا من الألمان طرقهم وأساليبهم العنيفة وروحهم العدائية الخبيثة فهم ينتمرون الآن وينسترون وراء ضعفهم لحشد قواه وتزويدها بوسائل التخريب والتدمير والإرهاب الى حذفوها على أساتذتهم الذين أذلوهم وأذاقوهم الهوان ليستعملوها في تلك البلاد الوديعة التى كانت أرض المحبة والوئام وبقعة سلام للأديان الثلاثة مدى الأجيال وإذا مكن لهم في تلك الأرض فسيكونون خطرا على السلام العالمي ومنبثا للفتن والقلافل وقصار النظر من السياسيين الذين يشايعونهم سيفيقون يوما ويرون هذا الخطر الجاثم في أحرج الواقع الستراتيجية وسيعلموا عندئذ أن الصهيونية ليست عدو العرب العرب وحدهم هي عدو الإنسانية جمعاء

فى الاصلاح الاجتماعى

كثر الكلام عن مكافحة الفقر والجهل والمرض ولم يحس الجمهور بعد أثرا فعليا لهذه المكافحة ولعلها الآن في دور الإعداد للخطوات التنفيذية نعم وضعت تقارير مختلفة عن مشروعات المكافحة وأرصدت لها الملايين ودعنا من أن مكافحة الفقر لم تتناول المكافحة الاساسية لهذا الداء وهي زيادة موارد البلاد وخلق مصادر جديدة للثروة واكتفت بتدبيرات علاجية محدودة دعنا من هذا كله ولتقنع معي بما رسم من سياسة فهل تطمئن إلى أن هذه المجهودات ستعود على البلاد بفائدة حقيقية لست مع المتشائمين الذين يرون أن حظ هذه الملايين التى ستنفق في هذا السبيل سيكون حظ غيرها من الملابين التي تنفق على التعليم الإلزامى دون أن يكون لها أثر محسوس

ولكنى أشفق من أن لا تجد الحكومة لهذه المشروعات الواسعة كل الأيدى القوية الكافية لتسييرها في الطريق المنتج الصحيح  وأشفق من أن لا تجد الوسيلة لرقابة سيرها مع اتساع نطاقها وتفوق مرا كزها فهل أعدت المدة لذلك

لقد كنت أوثر أن تكون خطوتنا الأولى ضيقة النطاق نركز فيها أقوى عناصر الكفاية لنا ونوفر لها كل أسباب الرقابة الكفيلة بسيرها على المنهج المرسوم فتضع بذلك تقاليد متينة صالحة لهذه العملية تقوم عليها الخطوات التالية ولكننا مع الأسف لا نملك لهفتنا على الوصول إلي نتائج واسعة سريعة وهذه اللهفة مصدر ضعف كثير من حركاتنا الإصلاحية وفقنا الله لما فيه الخير

اشترك في نشرتنا البريدية