كان سفر صدقي باشا إلي لندن مثار تعليقات شتى من الهيئات السياسية المصرية
فالسياسيون الذين لا يؤمنون بامكان الوصول إلى تحقيق مطالب البلاد عن طريق المفاوضات الخاصة مع انجلترا استنكروا هذه الخطوة وعدوها محاولة عقيمة لتفاهم مع خصم عنيد برزت نياته الاستعمارية في كل الظروف منذ احتل بلادنا وهم يصرون على أن الطريق السليم هو الاحتكام إلي مجلس الأمن واتهام انجلترا بالاعتداء على استقلالنا
والمعارضون الذين لم يشتركوا في المفاوضات والذين غلب عليهم سوء الظن بما لابس جوها من مطل وتسويف أرا هذه الخطوة مظهرا من مظاهر الضعف والاستجداء من جانب المفاوض المصري وهم يرون أن سير المفاوضات فى اليوم دل على عدم استعداد انجلترا للتزحزح عن موقفها
ولهذا يرون أن لنا العذر في طرق أبواب مجلس الأمن لاستمدائه عليها
ومن المشتركين في المفاوضات من لا يطمئن تمام الاطمئنان لتشدد صدقي باشا في إبراز وجهة النظر المصرية وهؤلاء يتخوفون من هذه الخطوة ويخشون أن تكون نتيجتها توريط البلاد في أمور لا ترضاها
أما سائر من عدا هؤلاء من السياسيين فلا يرون بأسا بهذه المحاولة ويرون فيها دليلا على حرص مصر علي التفاهم قبل الالتجاء إلي الخصومة والاحتكام إلى مجلس الأمن وهم يثقون بوطنية صدقي باشا وحصافته السياسية ويعتقدون أن اتصاله المباشر بمن بيدهم الأمر في انجلترا قد يؤدى إلى تقريب مسافة الخلف بين الفريقين والوصول إلي نتيجة عملية ترضى الطرفين
وليس لنا إلا أن نتمنى المفاوضين المصريين النجاح والتوفيق في مهمتهم ونعتقد اعتقادا جازما أن في الإمكان إيجاد نقطة يتلاقى عندها الطرفان ولسنا كبيرى الثقة
بنتائج الالتجاء إلي مجلس الأمن فقد دلتنا تصرفاته فى كثير من المشاكل السياسية على أنه لا يزال أداة خاضعة للتيارات السياسية التي تسيره فيها الدول القوية وأنه ليس بالهيئة التي تغلب اعتبارات العدالة على رعاية مصالح الأقوياء
تنفيذ حكم الاعدام فى الزعماء النازيين
وأخيرا تم حكم الإعدام في مجرمي الحرب من زعماء الحزب النازى وشنقوا جميعا ماعدا جورج الذي تمكن من الانتحار
وقد أظهرت محاكمة هؤلاء الزعماء أنهم كانوا شديدى القسوة في معاملة خصومهم من أبناء بلادهم وأبناء الشعوب المقهورة وأسرى الحرب وأنهم استعملوا في تعذيب هؤلاء جميعا وسائل وحشية بربرية تتنافي مع أبسط قواعد الإنسانية ولابد أن الكثيرين من أبناء الشعوب التي ذاقت ويلات الحروب وتجرعت غصصها قد اغتبطوا لهذا المصير الذي يرون فيه قصاصا عادلا لمجرمين أقلقوا راحة العالم وسببوا الشقاء للملايين
ومن المحقق أن المحكمة قد اقتنعت بأن هؤلاء الرؤساء كانوا مسئولين مباشرة عن كثير مما وقع من الإجرام وأنهم لم يكونوا مجرد منفذين لأوامر صادرة إليهم بل هم كانوا شركاء الدكتانور الذاهب موجهين السياسية العليا التي انتهجها الحزب النازى
ولا يعنينا من أمر هؤلاء سوى النتائج التي ستترتب على هذا الحكم فهل سيكون رادعا مانعا لمن تحدثه نفسه من الطغاة في أية دولة يخرق حرمات الشرائع والقوانين الإنسانية وماذا سيكون آثره في الشعب الألماني بالذات هل سيقنعه بألا يمكن أمثال هؤلاء من التحكم فيه والسيطرة على مصايره هذا مايترك للأيام المقبلة وإن تكن الدراسات النفسية لطبائع الشعوب تدل على كثير من التناقض في منطقها
إن الواجب على الحلفاء بعد هذه الخطوة القصاصية أن تتبعها بخطوات خيرية تعمل على تحسين أحوال الشعب الألمانى ومعاونته على السير في الطريق الديمقراطى الصحيح
الصهيونية و نزعاتها الخطرة
ليس كل ما يشكوه العرب من أمر هؤلاء الدخلاء الذين فرضوا عليهم في فلسطين هو أن بلادهم المستفيدة لا تحتمل هذه الجموع الكثيرة وأنهم يزحمونهم في ديارهم ويضيقون عليهم أسباب الحياة الهادئة المطمئنة وينزعون منهم المركز الأصيل الذي هو حقهم في تلك البلاد منذ أكثر من ألف سنة ليس هذا وحده هو ما يقلقهم ويقض مضاجعهم وهو وحده كف لذلك ولكن أشد ما يقلقهم أن هذه الفئة تدخل هذه البلاد في صورة عصابة دولية منظمة لها تشكيلاتها السرية وأساليبهم الغربية الخطرة
فهذه الجماعة بعد أن أقامت العالم على الألمان لاضطهادهم إياهم وبعد أن كسبوا عطف العالم بإعتبارهم أقلية ضعيفة مظلومة لم يستنكفوا من أن يقتبسوا من الألمان طرقهم وأساليبهم العنيفة وروحهم العدائية الخبيثة فهم ينتمرون الآن وينسترون وراء ضعفهم لحشد قواه وتزويدها بوسائل التخريب والتدمير والإرهاب الى حذفوها على أساتذتهم الذين أذلوهم وأذاقوهم الهوان ليستعملوها في تلك البلاد الوديعة التى كانت أرض المحبة والوئام وبقعة سلام للأديان الثلاثة مدى الأجيال وإذا مكن لهم في تلك الأرض فسيكونون خطرا على السلام العالمي ومنبثا للفتن والقلافل وقصار النظر من السياسيين الذين يشايعونهم سيفيقون يوما ويرون هذا الخطر الجاثم في أحرج الواقع الستراتيجية وسيعلموا عندئذ أن الصهيونية ليست عدو العرب العرب وحدهم هي عدو الإنسانية جمعاء
فى الاصلاح الاجتماعى
كثر الكلام عن مكافحة الفقر والجهل والمرض ولم يحس الجمهور بعد أثرا فعليا لهذه المكافحة ولعلها الآن في دور الإعداد للخطوات التنفيذية نعم وضعت تقارير مختلفة عن مشروعات المكافحة وأرصدت لها الملايين ودعنا من أن مكافحة الفقر لم تتناول المكافحة الاساسية لهذا الداء وهي زيادة موارد البلاد وخلق مصادر جديدة للثروة واكتفت بتدبيرات علاجية محدودة دعنا من هذا كله ولتقنع معي بما رسم من سياسة فهل تطمئن إلى أن هذه المجهودات ستعود على البلاد بفائدة حقيقية لست مع المتشائمين الذين يرون أن حظ هذه الملايين التى ستنفق في هذا السبيل سيكون حظ غيرها من الملابين التي تنفق على التعليم الإلزامى دون أن يكون لها أثر محسوس
ولكنى أشفق من أن لا تجد الحكومة لهذه المشروعات الواسعة كل الأيدى القوية الكافية لتسييرها في الطريق المنتج الصحيح وأشفق من أن لا تجد الوسيلة لرقابة سيرها مع اتساع نطاقها وتفوق مرا كزها فهل أعدت المدة لذلك
لقد كنت أوثر أن تكون خطوتنا الأولى ضيقة النطاق نركز فيها أقوى عناصر الكفاية لنا ونوفر لها كل أسباب الرقابة الكفيلة بسيرها على المنهج المرسوم فتضع بذلك تقاليد متينة صالحة لهذه العملية تقوم عليها الخطوات التالية ولكننا مع الأسف لا نملك لهفتنا على الوصول إلي نتائج واسعة سريعة وهذه اللهفة مصدر ضعف كثير من حركاتنا الإصلاحية وفقنا الله لما فيه الخير

