٣١
أروع ما في الحركة الوطنية الأخيرة حركة العمال الذين رفضوا أن يتعاونوا مع الانجليز في عمل أو تفريغ أو شحن مراكب ، أو إمداد السفن الإنجليزية بالطعام .
وإذا علمنا أن هذه الطبقة فقيرة لا تدخر شيئا وتعيش برزق يومها ، وأنها إذا فقدت أجرتها عدمت قوتها . أدركنا جلال موقفها . وهذا المنظر يؤكد لنا أن لا رابطة بين الأخلاق والعلم . فقد يكون عالم كبير ومثقف ثقافة واسعة ، وهو مع ذلك لا يصدر عن عاطفه نبيلة ولا فضيلة جميلة . ولقد حدثني صديقي قال : " ركبت تاكسي ليوصلني إلى عملى ؛ فمررت في الطريق على مظاهرة فانتقدتها وانتقدت تصرفها ، فما راعني إلا سائق السيارة وقد حملق إلي ونهرني واتهمني بفقد الشعور ، وكاد ينزلني من سيارته لو اطلت الكلام قليلا . وربما كان هذا السائق لا يحمل في جيبه قوت يومه .
ومن نعم الله أن وزع الجمال والقبح على الأغنياء والفقراء . فقد يكون غني قبيح وفقير جميل . كما وزع الفضائل والرذائل والنبل على الموسرين والفقراء علي السواء .
والفضائل والنبل في الفقراء أجمل . ومنهم أنبل ، لأنه يصدر منهم وليس غير رصيد ، وهم لا يرمون إلى عوض عن نبلهم ، ولا غنيمة عن حربهم . والطف ما فيهم أنهم لا ياتون بالخير عن منطق ولا عث ولا جدال ، انما يصدرون عن قطرة غريزية وذوق سليم . أما المثقف فقد يحار بين العقل والعاطفه ، وبين المنطق والشعور ، ومما يؤسف له ان العقل والمنطق قد يؤديان إلي أسوأ النتائج ، بينما تؤدي الفطرة إلى خيرها .
٣٣
كل ما أرجو هذه الأيام العصيبة أن يصبر المصريون على الشدائد ، فقد صبروا كثيرا يوم كان الصبر رذيلة ، إذ صبروا على ظلم الحكام ، وعلى غطرسة المستعمرين ، وعلى جبروت الأغنياء ، ولم يتحركوا حركة تدل على الأنفة .
أفيصبرون يوم يكون الصبر رذيلة ، ولا يصبرون يوم يكون الصبر فضيلة ؟ ذلك ما استبعد أن يكون ، لانه قلب للأوضاع ، وسوء كبير في التقدير .

