الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 685 الرجوع إلى "الثقافة"

خواطر

Share

-٣٦-

وقفت على حقل مزروع ذرة فرأيت عددا قليلا من العيدان قد نما وترعرع وفاق غيره فى الطول وكثرة ما يحمله من الكيزان .

ورأيت كذلك عددا قليلا من العيدان قصير القامة ضعيف البنية لا يحمل من الكيزان إلا قليلا ، أما أغلب الحقل فعيدان متوسطة لم تبلغ درجة الأولى فى النضج ولا الثانية فى الضعف . أليس كذلك الإنسان ؟

حفنة قليلة من الناس يعدون نوابغ وعظماء أو ما شئت قسمهم ، وحفنة قليلة من الضعفاء ، ضعف عقلهم وضعفت بنبتهم ولم يصلحوا للحياة إلا بشق الأنفس ؛ وأما السواد الأعظم من الناس فأوساط لم يبلغوا ما بلغه الأولون ولا امحطوا  كما أخط الآخرون .

وتراهم كذلك فى كل جمعية بشربة ، فى المدن الكبيرة والمدن الصغيرة والقرى ، وبمقتضى نبوغ النابغين ، حملوا كأبر العبء وكانت فى يدهم السيطرة ، وبمقتضى حفاوة الحقير بن كان فيهم الذل والفقر والمسكنة ، أما الباقون فهم جمهرة الناس .

وترى هذا فى كل مرفق من مرافق الحياة ، فى الفنون والأدب الموسيقى والتصوير ؛ إن كان هذا عمل الطبيعة فكم من السخف أن ننادى بالمساواة لأنها ضد الطبيعة ! ولو سويت بين الناس فى الرزق يوما لاحتال الأقوياء على الضعفاء فسلبوهم ما لهم بقدرتهم وذكائهم ، وعادت الدنيا كما كانت غنى وفقر وسعادة وشقاء .

قد تكون المساواة فى الحقوق معقولة : مساواة أمام القضاء وفى حق الحياة وفى حق الحرية . أما مساواة فى

الكسب والأجور والقدرة على الأعمال المستحيل أن تكون وإذا كانت فمستحيل أن تستمر .

والمهارة الكبرى فى أن يكتشف أصحاب الأعمال مقدرة العمال ثم يضعوا كلا فى موضعه ، وأولياء الأمور أفراد الأمة فيضموا كلا فى موضعه المناسب ؛ لذلك نادى علماء التربية بأن يقسموا التعليم أنواعا : تعليما زراعيا وتجاريا وصناعيا ونظريا ثم يفحصوا حالة كل طالب فيعرفوا ميوله واستعداده ، ثم يوجهونه إلى ما يلائمه ، وبذلك تنمو ثروة البلاد من حيث الاستعداد والاستنتاج ؛ فمن الناس من كفاءته فى يده ومنهم من كفاءته فى قلبه ومنهم من كفاءته فى عقله ، فلو سيرت كلا فى اتجاهه لنجح ، ولذلك ترى فى الحياة الواقعية كثيرين خابوا فى أول حياتهم لأنهم اتجهوا عكس استعدادهم ، ثم نجحوا لما حولوا اتجاههم حسب كفايتهم

ولو أنصف الناس لمدحوا أى عامل على اتفاقه فى عمله لا على نوع عمله ، فقد كان من الطبيعى أن يمدح الكناس على إتفاقه فى كنسه كما يمدح الأديب على إنفانه فى أدبه والعالم على اتفاقه فى علمه ، لأن كلا من الكناس والعالم والأديب يعمل حسب ما خلق له ولا فضل فى الطبيعة بين أحد واحد ، ولكن الناس مدحوا على نوع العمل لا على طبيعة العمل

ثم من حين إلى حين نجد فى حقل الذرة عودا قد نما نموأ شادا لم تكن تراه منذ سنين ، فكذلك الشأن فى الإنسان يطلع على الأمة من حين لآخر فرد أو أفراد نبغوا نبوغا عجيبا لم يكن للأمة عهد به منذ سنين ، وهؤلا ، هم زعماء الأمة فى سياستها أو علمها أو فنها .

ثم تبحث عن مسببات هذا النبوغ فتجد عجبا ! ليست الحبة التى نبت منها العود الكبير أكبر حبة ، ولا طينتها أحسن طينة ، ولا أم النابغة أحسن أم ولا أبوه أحسن أب ولا بيئته أحسن بيئة ؛ ولكن صدق الله العظيم إذ يقول : " الله أعلم حيث يجمل رسالته !

اشترك في نشرتنا البريدية