قد تحيرت فى عمل الفلاح ، تحول فنائه من غيطه إلى غيط آخر ، فيتنازع ويتخاصم ، وقد يؤدى ذلك إلى قتل . ولكن قد يذله العمدة أو شيخ البلد فيمرغه فى التراب ، وقد يفعل المأمور بالعمدة ذلك فلا يتحركان ولا ينيبان بكلمة . هكذا قال صاحبى. وزاد على ذلك فقال : أليس عجباً أن نرى أهل البلد يتحملون ظلم حكومة سنتين أو أكثر فلا يحركون ساكنا ولا يثورون على هذه الحكومة ، ولم نسمع مرة أن يرلمانا يمثل الأمة أسقط حكومة من الحكومات أو صوت ضدها ، لأنها أتت عملاً سيئاً ، وتصرفت تصرفا ظالما ، مع كثرة ما تأتى به من الأعمال السيئة الظالمة . ؛
قلت : إن المصربين فى أشد الحاجة إلى زعيم يزيد شعورهم بالعدالة ، ويبلور أفكارهم ومشاعرهم ، حتى يتأثروا بها تأثرهم بقطع الماء عن مزارعهم .
لقد نجح المرحوم النقراشى باشا فى بلورة الغرض السياسى للأمة وهو الجلاء ووحدة وادى النيل ، فكان ذلك على كل لسان حتى الأطفال فى ألعابهم ، والفنين في أغانيهم ، والمذيعين فى إذاعتهم . وكان على لسان الشيوخ والشبان والرجال والنساء ونحن أحوج ما نكون إلى زعيم يبلور لنا مثلنا الأعلى الأخلاقى ، فيقول مثلا : إن غرض الأمة العدالة والنظام ، يجريها على لسانه فتجرى على لسان كل أحد . إذ ذاك لا يجرؤ أحد أن يظلم ، ولا يطيق أحد أن يصبر على ظلم .
ثم يأتى من الأفعال ويضع من الأنظمة ما يحقق العدل زمناً طويلا ، حتى يألفه الناس ، ويثوروا على الظالم وظلمه . وليست تفلح أمة شعورها متبلد ، بل هي تهتف للظالم فلا يجد ما يصده عن ظلمه .
إذ ذاك يخاف العمدة من أن يظلم الفلاح ، ويخاف المأمور أن يظلم العمدة ، ويخاف المدير أن يظلم المآمير ، وتخاف الحكومة بأسرها إذا ظلمت أحداً ، لأنها تشعر
أن الرأى العام قوى الشعور بالعدالة ، لا يحتمل أى ظلم . والحكومة لا تعدل إلا إذا خافت والمتنبى يقول :
والظلم من شيم النفوس ، فإن تجد
ذا عفة ، فلعلة لا يظلم
ويقول الآخر :
متى تجمع القلب الذكى وصارما
وأنفا حميا تجتنبك المظالم
ويقول ثالث :
تعدو الذئاب على من لا كلاب له
وتتقى صولة المستأسد الضارى
وأغرب ما استغربه أن يكون شعور الناس المادى قويا ، وشعورهم السياسى قويا ، وشعورهم الأخلاقى ضعيفاً ؛ .

