الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 304الرجوع إلى "الرسالة"

خواطر

Share

لا أعلم ماذا عنى واضع تعبير الشعر المثور ، ويخيل إلى أن هذا الترتيب المستحدث فى اللغة العربية إنما ترجم حرفيا عن " ثبر ليبر " بالفرنسية ؛ غير ان المترجم التوي عليه المعنى لظنه أن كلمة " قير " تترجم بكلمة " شعر " فى حين أمها لا تعني إلا المنظوم من الكلام يوزن وقافية . ولا أرى فى العربية ما ينطبق على هذا التعبير الفرنسي إلا " النظم المتفرط " او حل الشعر وإطلاقه من وزنه وقافته لإرساله نثرا ، وذلك ما يكلفه التلامذة لتسبيل فهم الشعر عليه ولتعويدهم سبك المعنى الواحد على صور متعددة

أما(الفير ليبر)  في الأدب الأوربي فليس إلا بدعة جاء  بها المتأخرون كما جاءوا بأنواع الرسم المكعب والشعر المستغرق  في الرمزية، وما هي على ما اعتقد إلا ظاهرة لتقلص الأعصاب  في المدنية المتعبة

وإنني لأعجب للأدباء في الغرب يضعون كلمة (فير ليبر)    ولا يفطنون لما في مبناها من التناقض، فإن النظم مقيد إلزاماً، فإذا  أطلق من أوزانه خرج عن صفته وأصبح نثراً

إن البيان من الفكر كلام، ومن العواطف نغمات؛ والنظم معلق  بين الكلام والنغمات، يتناول من الأول نتاج الفكر، ومن الثاني  خطرات الهوى؛ غير أنه أقرب إلى القلب منه إلى الدماغ، لأنه  لا يقوم على حجة ودليل، بل يخاطب ما انطوى في السرائر  وما يطمح الناظم إلى وضع مقدمات لاستخراج ما يريد استهواءك  إليه، إذ حسبُه من بيانه أن ينفذ إلى ما استقر فيك من مقدمات  إن خلت سريرتك منها انزلق عليك بيانه فإذا أنت ضاحك من  بكائه، مستهزئ بشجوه وتحنانه

ما النظم المنثور الذي يسمونه شعراً منثوراً إلا بيان حائر،  بل هو جنين تمخض به الخيال وضعف عن مدّه بالتكامل فلفظه  مسخاً لا يصلح للحياة

إن للنثر أوزانه الخفية وبحوره التي لا ساحل لها، وللنثر

الناضج موسيقاه المطلقة كأمواج البحر تتالى ولكل موجة شكلها  وتعاريجها؛ ذلك لأن خطرات الفكر نبضان لا يتكرر على وتيرة  واحدة في الدماغ، في حين أن النظم وهو صورة نبضان القلب  لا يطلق موسيقاه إلا على نظام الوحدة في تكرار ضرباته

ولعلك إذا نظرت إلى هذه الأشرطة التي تطبع عليها كهرباء  القلب صورة خفقانه يدهشك منها ما تمثله لديك من أبحر الشعر  في أنواعها، فمن القلوب ما تبسط على الرسم البحر   (الطويل)   في هدأتها، ومنها ما تصور البحر   (المتدارك)  في ثورتها، ومنها  ما حلا لها كبعض أدباء هذا الزمان أن تمسخ نظمها نثراً فتراها  تأتيك بالطويل والقصير والرجز والمتدارك متداخلة متركبة، ومثل  هذه القلوب قد استنفدت كهرباءها وآذن اختلالها بقرب انصداعها

من غرائب التقليد في هذا الزمان أن يترجم لنا بعض أدبائنا  قصائد أو مقطوعات من منظوم الفرنجة فيأتوا به صورة طبق  الأصل في ترتيب السطور؛ فهم يصلون الجملة حيث يجب قطعها،  ويقطعونها حيث يجب وصلها، جرياً مع الناظم الذي حكم الوزن  والقافية على ترتيبه، وهم لا يفطنون إلى أنهم مطلقون في ترجمتهم  من كل وزن وقافية

ما وقع نظري مرة على هذه المنظومات المترجمة وقد كتبت  بشكل قصيدة وليس فيها من إلزامات القصائد شيء إلا وحسبتني  أرى سابحاً يخرج من البحر ويستمر على دفع الهواء بيديه كأنه  لا يزال يسبح على اليابسة ويخشى الغرق ورجلاه ثابتتان عليها. . .

وأغرب من هذا، بل وأنكى، أن تقرأ لبعض المجددين. . .  شعراً منثوراً. . . تتوالى سطوره وفي كل سطر أربع إلى سبع  كلمات نضدت على سلك لا وجود له إلا مخيلة الكاتب؛ فهو  مضطر ولا أدري لماذا، أن يقطع جملته إذا بلغت الخمس أو السبع  ليستطرد الكتابة في السطر الثاني، وليس بوسعه أيضاً أن يقف  بجملته حتى يتم معناها إذا كان لم يزل لديه متسع من المقياس الذي

انطبع في ذهنه من تلاوته قصيدة ترجمت على هذا الشكل عن  أحد كبار الشعراء

وقى الله الأدب العربي من آفات التقليد والمقلدين! (الإسكندرية)

اشترك في نشرتنا البريدية