الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 616 الرجوع إلى "الثقافة"

خواطر

Share

-٩-

كنت أزور معالى عبدالعزيز باشا فهمي - أتم الله عليه نعمة الشفاء - فقال لى : " وقاك الله شر العجز ؛ فإن أحفادى ينتهزون فرصة عجزى عن الجرى وعن سرعة الحركة فيما كسوننى ، ولست أقدر على ردعهم إلا باللسان . والانسان وحده لا يكفى " .

فلما ابتليت بالمرض الأخير أدركت قيمة هذه الدعوة ؛ فقد أصبحت قادرا بغيرى لا بنفسى . لا استطيع أن أحلق ذقنى إلا بغيرى ، ولا استطيع أن ألبس بدلتى إلا بغيرى ، وهكذا . وأصبحت أتذلل للخادمة التى تخدمنى خشية أن تغضب على ، وأتذلل لزوجتي خشية أن تغضب على ، وأتذلل لأولادى خشية أن يغضبوا على . وأدركت سر قوله " وقاك الله شر العجز " .

وسمعت أن الأستاذ محمد كرد على السوري يقول : " إن أدباء المصريين كلاب " ففهمت نوعا آخر من العجز ، وهو عجز غير الذى دعا لى عبدالعزيز باشا فهمى أن يقيني الله شره ، وهو عجز العقل إذا شاخ ، بل أدركت أنه نوع من العجز أشد من عجز البصر وعجز الجسم ، وأن الإنسان فى مثل هذه الحالة فى أشد الحاجة إلى المقدرة بالغير . فكيف يكون رئيسا لمجمع يتحكم فى مرءوسيه وغير مرءوسيه ؟ .

-١٠-

كنت أعددت خاطرة ، فما أردت كتابتها نسيتها ، فأذكرني ذلك حكاية مشهورة عن أشعب ، إذ قيل له : ما بالك لا تروي الحديث ؟ فقال : بل حدثت . فقيل له : حدثنا . قال : حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خصلتان من كانتا فيه دخل الجنة " ، نسيت واحدة ونسي محدثي الآخرى ؟ فآليت أن أكتب

هذه الخاطرة بدل التى لم تحتفظ بها الذاكرة ، ووقى الله القراء شر العجز والنسيان .

لقد كان لى ذاكرة - ولله الحمد - تحفظ حتى أرقام الصفحات ، وتعى أهم المسائل فى الكتب . وهذا ما يسر لى كتابة فجر الإسلام وضحي الإسلام وظهر الإسلام ، ثم كان الأمر كما قال الشاعر :

قد كنت امشى ولست أعي

فصرت أعي ولست أمشى

اشترك في نشرتنا البريدية