الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 232الرجوع إلى "الثقافة"

داء السكر ، وقصة دوائه

Share

صاحب الأنسولين ( ١ ) ، رجل بدعي " بنتنج " Banting

وهو رجل يشبه " زامل " في أكثر من وجه واحد . فأول ما يأخذك منه أمانة نادرة في بساطة ، ثم قلة ذات بدء وقصور أدواته . فلم يكن له معامل تساوي مئات الألوف من الجنيهات ، ولم تتراكم بين يديه الهبات الكبيرة لشراء الكلاب الكثيرة التى يستعين بها على كشف مكشوفه الخطير . وعدا هذين ، فقد كان هذا الكندي ، كذاك الهنغاري ، لا يعرف معني التسليم للصعاب ، ولا الخوف والتردد وهو يجاهد في تخفيف الآلام عن بني الإنسان - وهذا بالرغم من علمه أن كبار العلماء في وظائف الأعضاء قد عجزوا عن كشف الأنسولين ( ١ ) وهذا بالرغم من الإحساس العام لدي كبار الأطباء بأن الكشف عن مثله كشف عن مستحيل .

مات والدي بداء البول السكري . وفاته أن ينجو من الموت بخطوات يسيرة . فهو مات بهذا الداء قبل كشف الأنسولين بسنوات قليلة . من أجل هذا لا أذكر " بنتنج " وأذكر دواءه الغريب العجيب حتى تمروني رهبة دخيلة . وأسميه دواء غريبا عجيبا ، لأنه كان في مقدوره أن يمد في عمر أبي حتي يعيش بداء السكر أكثر مما كان يرجي له من العيش بدونه . أفليس هذا وحده كافيا أن يضع صاحبنا في الطليمة من رجال اليوم الذين يكافحون الموت دفاعا عن بني الإنسان ؟ مات والدي بداء الكسر عام ١٩١٧ . مات بعد أن

صار من الجوع خيالا يذكر عن بعد بذلك الجسم الجريم المليء الذي كان له في صباه . مات أربع سنوات قبل أن يبدأ " بنتنج " علاج كلابه المريضة بهذا الداء في تلك الغرفة العملية الواطئة تحت سقف ذاك البني الطبي بطور نطو Toronto ، بكندا ، في ذلك الصيف الحار المشهور صيف عام ١٩٢١ .

أصاب السكر أبي عام ١٩٠٧ ، فما أسرع وما أفظع ما تغير به تغيرا كبيرا . إني أتصوره اليوم ، كأنما رأيته بالأمس ، في تلك الصبيحة المشئومة التي أدركت فيها لأول مرة أن شيئا رهيبا قد أخذ بتلابيبه . كان هذا في يوم شات بارد بليل من أيام فبراير ، وكانت المماشي على جانب الطرقات زلجة . ورأيته يمشي في أوسط القرية يجر رجليه جرا وكان في وجهه لون الرماد ، وكان في عاتقيه خور وارتخاء بعد تماسك واستقامة .

وجرب والدي كل ما خيل من صنوف الدواء عبثا فتلك أيام كان فيها علماء الطب يعتقدون استحالة وجود دواء كالأنسولين أبدا ، ولو أنك اطلعت منذاك على الغيب فأتيت رؤساء الطب وعمداءه تبشرهم بأن رجلا فلاحا جاء من وراء المحراث ، وتخرج حديثا من كلية الطب ، كبنتنج ، سيكون على يديه كشف دواء يطيل أعمار المرضى بالسكر العشرات من السنوات ، إذا لضحكوا منك ملء أفواههم .

لم يكن والدي غير تاجر بسيط في بلد صغير ، ولكنه كان يقدر العلم حق قدره . ففي تلك الأيام التي كان يموت هو فيها تدرجا ، ويسلم الحياة فيها أقساطا ، كنت بلغت كلية الطب ودخلت طالبا فيها . فكان لا يفتأ يسألني ماذا كشف البحاث من الأطباء لسد ذلك الخرق الذي انثقب بجسمه . هكذا كان يسميه ، خرقا . وكان الدكتور فستر Foster ، بمستشفى الجامعة ، يصف له أحسن العلاج وأحدثه ، وما كان هذا إلا تنظيما للطعام وتحديدا لنوعه

ومقداره ، فكان يصبح عليه حبنا ، ثم لا يلبث الا ستون ( ١ ) إن يظهر في أنفاسه وتعود رائحته تعبق من فيه . ويطيق بنفسه ، ويأخذ يقول لي : إن كل ما قدر عليه العلماء في أمره مجاعة بطيئة تسلم به إلي الموت ، وهي أنكي من الموت وأقسى .

ولم يكن أبي في ذلك وحده . بل كان من أمثاله الألوف يحفظون حياتهم بالجوع المهلك . وفي عام ١٩١٧ نظرت إلي أبي آخر نظرة وهي يسلم أنفاسه . وكان بلغ الستين . كان ذلك في يونيو ، في يوم صاح وضاح . والآن ما أغرب الشعور الذي يداخلني عندما أذكر ذلك اليوم ، واذكر تلك البضع عشرة من السنوات التي جاءت من بعده . ففي هذه الفترة من الزمان كشف الطب عن أمرين - سأذكرهما في موضعهما من هذا الكتاب لو أنهما كشفا وأبي حي ، إذن لأطالا عمره فوق ما كان . فلو أن " ينتنج " كشف أنسولينه وأبي حي ، إذن لتولى هذا الأنسولين داءه وزم سكره وخطمه . والسكر إذا استفحل استنقد مقدرة الجسم على مقاومة المكروبات . وهكذا فعل السكر بأبي ، فأصابه مكروب كالعقد النظيم يحل الدماء . أصابه في حلقه . وسرى سم هذا المكروب ، وكان سما عندئذ مجهولا ، في جسم أبي ، وبلغ كليتيه ، وعاودهما حتي أتلفهما . وستعرف في أواخر هذه القصة ، قصة كفاح الموت ، كيف جاز لوالدي أن يراوغ الموت في هذا ، لو أن علم ذلك جاء وهو يأكل الطعام .

نحل وجه أبي ، فبانت عظامه ، وانطبقت أصداغه وصارت صورته كتلك الصورة البالية العتيقة التي أخذت له في صباه الاول . وغاب عن وعيه في أكثر الأحيان في

ذلك الربيع الذي مات فيه . وذات مرة نظر إلي بغتة ، وقد صفا ماء عينه ، وسألتي : قل لي يا بول ، أتعرف ما الموت ...؟

لقد ولد كل هذا رغبة شديدة في نفسي إلي علم كل ما جري وراء الستار في تلك الليالي الحارة في صيف عام ١٩٢١ ، بمدينة طورتطو . من " بنتنج " هذا الذي أتي في أمر هذا الداء ما حير الألباب ؟

بالطبع لم يكن من عمل " بنتنج " أن يكتشف الأنسولين ، جمله أن يجربه في المرضى . فداء السكر داء طب باطني ، و " بنتنج " لم يدع لنفسه شيئا غير الجراحة في أيامه الشديدة التي تلت الحرب العالمية الماضية حرب عام ١٩١٤ . وكان قد تجمع في تلك السنين علم صادق كثير ، معقد المعني طنان اللفظ ، أحدثه الفسلجينون Physiologists والكيميائيون الحيويون Biochemists ، يتحدثون فيه عن السكر كيف يقتل ضحاياه . ولم يكن " ينتنج " يعلم من هذا العلم حرفا ، ولم يخطر في وهمه أن يختص بداء السكر أبدا ، ولم يكن به كثير ذكاء ، ولكن كان به كثير عزم وكثير عناد . وكان قد عاد من الميدان الفرنسي وعلي ذراعه أثر عميق من جرح فظيع . وجنت له هذا الجرح تلك الحرب . فأرادوا ستر ذراعه ، وأنذروه بالموت إذا هو لم يفعل فقال للجراح : سأحتفظ بذراعي وليكن بعد ذلك ما يكون . كان ذا عزم وذا عناد

وعمل بالمستشفى بمدينة طورنطو Toronto طبيبا قطينا ثم تراءي له أن يفتح له عيادة خاصة في بلدة صغيرة ، هي بلدة لندن بإنتاريو Ontario وظل ينتظر في هذه العيادة ثمانية وعشرين يوما حتى جاءه أول مريض ، وبلغ صافي دخله من عيادته في الشهر الأول أربعة دولارات . عندئذ قبل وظيفة معيد ، تأخذ نصف وقته ، في مدرسة

الطب بأنتاريو الغربية . ولم يقبلها لأنه كان له في العلم طموح ، ولكنه قبلها ليأكل فيشبع .

ومارس عمله الجديد في جد وبذمة طاهرة . وكان له من وقته الفسيح ما أعانه على جده وطهارة ذمته . فكان يقضي الليلة بعد الليلة ساهرا مكدودا في سأواه ، وقد تبلي أتاته و نحلت مفارشه ، يكتب المحاضرة التي سيلقيها على طلبته في الصباح التالي ، ثم تجيء تلك الليلة الغربية الفاصلة الحاسمة من أكتوبر عام ١٩٢٠ ...

ففي تلك الليلة كان مستغرفا بتفهم كيف يموت الناس من داء السكر إذا هم فقدوا بنكرياسهم ( ١ ). وبتفهم هذا في الحاح غريب كإلحاح الفلاح الذي لم تهديه المدينة . وبالطبع كان قد درس قديما ، في مدرسة الطب ، خطر هذا البنكرياس في هضم الطعام ، وتعلم أنه مصنع عظيم

لحمائر خطيرة شتبته ، يصبها سائلا في قناة ، تصبه في دورها إلي حيث يجري في أمعاء الجسم الدقاق (٢). فإذا دخلها هذا السائل الغريب أتى فيها بكل عجيب . فهو يمضغ فيها السكر مضنا ، وهو يقلق الدهن قلقا ، ثم هو يمزق الزلاليات تمزيفا ، وكل هذا لتمتص أجسامنا تلك القطع المضوغة المفلوقة الممزوقة فتنتفع بها .

نعم جلس " بنتنج " في تلك الليلة ، وجلس وحده ، إلا من صحبة أنفه الطويل المتشمم المتعرف المتشوف ، مكبا على كتبه ، يتفهم ما صنع الطبيب الألماني منكوفسكي Minovski في كلبه ، وكيف صنعه . قطع هذا الباحث بنكرياس هذا الكلب قطعا نظيفا ، ثم انتزعه من جوفه ، ثم خاط الكلب السكين بكل حذر وحساب ، ثم أخذ يرقب ماذا يجري له من بعد ذلك . فما أسرع

ما أصاب الكلب الهزال وما أسرع ما جاءه الجوع والتهم ثم ينتهي به الحال إلي الرفاد عن عجز فلا يكون به من قوة إلا بمقدار ما يرفع رأسه لشرب الماء . وهو لا يشرب الماء إلا ليستحيل بولا بالسكر مثقلا ... ومات بعد عشرة أيام - مات بداء السكر . ظن " بنتنج " أن هذا لا شك سيمتع طلبته ، فاستزاد من هذا العلم ، علم البنكرياس ، وخاض منه في أكمة كثيفة شجراء ، ليطلعهم على ما كشفه البحاثة الألماني

لنجير هنس Langerhans في تلك الغدة البنكرياسية العجيبة من خلايا صغيرة متجمعة متعقدة تختلف في حجمها وفي صورتها عن تلك الخلايا الأخرى التي تفرز السائل ذا الخمائر التي تهضم الطعام في الأمعاء . وتوجد هذه المجموعات من الخلايا غير الهاضمات في الأنسجة الضامة بين الخلايا الهاضمات ، وتظهر وحدها كقطعة الأرض في البحر ، فسميت بالجزائر ولم يكن لهذه الجزائر ، جزائر " لنجير هنس " ، قناة تصلها بما حولها وتصب فيها إفرازها كما لتلك . إذن فلم كانت هذه الجزائر وما عملها ؟

وأخذ القلم وكتب في مذكراته التي سيلقي منها في الصباح درسه على طلبته ، أن هذه الجزر ، أن هذه المجموعات من الخلايا الصغيرة الحقيرة ، هي التي تقينا من داء السكر بقينا . إنك تربط القناة التي تصل البنكرياس بالأمعاء بخيط ، فيمتنع وصول السائل الهاضم من هذا إلى هذه ، فلا تنفذ منه قطرة ، ومع هذا لا يصاب الكلب بداء السكر . ولكن تجرأ فانزع البنكرياس كله من الجسم وانظر ما يكون ... ..!

وانتهي عمل تلك الليلة أو كاد . وكان عملا مجهدا

مضيا . ولكن بني شئ لابد أن يضيفه أخيرا إلى محاضرته . لابد أن يخبر تلاميذه في الغد أن البحانة الأمريكي " أوبي " Opie فحص عدة بنكرياسات لموتي ماتوا بالسكر فوجد أن تلك الجزائر الصغيرة ، جرائر لنسجر هنس ، تراءت لعينه حائلة مريضة .

أنفرز هذه الخلايا الجزائرية هرمونا ( ١ )؟ ربما . أنفرز هذه الخلايا ، وهي صحيحة غير مريضة ، شيئا مجهولا تصبه مباشرة في مجاري الدم التي تمر بها ، فيقوم هذا الشئ المجهول بمعاونة أجسامنا على حرق سكرها لتتولد من حرقه طاقتنا وحركتنا ، فلا يعود بتراكم السكر في دمائنا وبولنا ؟ يجوز . ولكن أحدا من الناس لم يطلع علينا بقليل أو كثير من هذا الشئ المجهول أبدا .

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية