ذكرنى ما هو قائم الآن بين صحف المعارضة وصحف الحكومة من جدل عنيف جاوز كل حدود الاعتدال بمقال قرأته من زمن لكاتب غربى قدم به لكتاب عن الشرق العربى والعالم الاسلامى ، أشار فيه إلى دلائل يقظة الشعور القومى فى تلك الشعوب وإلى قيام نهضة تستمد قوتها من التراث الروحى القديم للشرق ومن الأخذ بأسباب المدنية المادية الغربية الحديثة . وقد خشى كاتب المقال ان يسبق إلى أذهان قرائه الغربيين أن يكون من شأن تلك النهضة القضاء على النفوذ الأجنبى فى تلك البلاد أو إضعاف شأنه ، فسارع إلى إدخال الطمأنينة إلى نفوسهم من تلك الناحية بما ذكره من أن (( داء الشرق المزمن )) كفيل ببقاء ذلك النفوذ وتمكين سلطانه .
وداء الشرق الذى يعنيه الكاتب هو حب الرياسة
وتنافس الكبراء فى الشرق عليها وتنازعهم الشديد على السعادة وحرص كل منهم على أن يتفرد بالأمر ونفوره من أن يقوم إلى جانبه رأس يطاوله . فهم من ذلك فى شقاق مستمر وخصومة لا تنقطع . ولا خوف على النفوذ الأجنبى فى مثل هذا الجو . فهم فى شغل عنه بالمعارك الداخلية التى تنشأ بينهم ، بل لعلهم إذا اشتد الجلاد وعنف وعزت الغلبة لأحد الفريقين أن يستعديه كل منهما غلى أخيه ويحتكما إليه فى النزاع فيقوى بذلك سلطانه ويشتد تغلغله .
والرياسة فى الشرق فى صورتها المعروفة بقية من الرياسة فى العهد الإقطاعى تحاط بكثير من مظاهر الفخامة وتتمتع بكثير من الامتيازات ويطلق يدها فى كثير من التصرفات وترمق من الناس بكثير من الإكبار والتقدير . ومن هنا
كانت فتنتها وتهالك الناس عليها وتقاتلهم الشديد على الظفر بها .
ولم يصل إدخال النظام الديمقراطى الحديث فى الشرق بعد إلى اقتلاع جذور تلك البقية الباقية من روح النظام الإقطاعى من الرؤوس ، ولم ينجح النجاح الكامل فى إفهام المتطلعين لتولى أموره المعنى الحديث للرياسة ، وهى أنها تكليف لا تشريف وقيادة لا سيادة واضطلاع بمسئوليات جسام لا تمتع بمزايا وتحلل من تبعات .
والجمهور فى الشرق لا يزال بعيداً عن أن يحسب له حساب ، بعيداً عن أن يكون عاملا حاسما فى فض المنازعات بين الرؤساء ، يقف كلا عند حده ويكبح جماح المسرف منهم ، بل هو بحكم تفشى الأمية فيه ونقص إدراكه للمسائل العامة فريسة سهلة لكل دعاوة ماهرة يخضع للمؤثرات ويستجيب لعوامل الاستهواء ، فمن السهل أن يجره المتنازعون وراءهم ويسيرونه حسب أهوائهم . فينتقل النزاع الخاص بين الكبراء إلى فتنة عامة فى الشعب تتقطع فيها الأواصر وتنحل الروابط وتتحرك الإحن والأحقاد .
فالعلة الحقيقية هي أننا فى الشرق قد اصطنعنا نظام الديمقراطية الحديث ، ولكننا لم نتشرب روحه ، بل بقينا نسير الأمور بعقلية العهد الاقطاعى فى النظام الديمقراطى الحديث .
فى غير الشرق أحزاب تتداول الحكم ، وليست مهمة من على الحكم أن يتخذ من سلطانه أداة لقهر خصومه الباقين خارج الحكم ، ولا مهمة من لم بالحكم أن يقيم الصعاب ويخلق المتاعب لمن هو فى الحكم ، بل القوم يتعاملون بشريعة الانصاف ويعرف كل منهم لكل ذى فضل فضله ويمد له ما استطاع من معونة . هناك تعارض الأحزاب البعيدة عن الحكم ، المعارضة المنتجة التى يراد بها تقويم المعوج وتعديل الاتجاه الخاطئ ؛ وتمكن الحكومة
المعارضة بسط حجتها وتصغى لارشاداتها ولا تأبى الأخذ برأيها فيما تبدو وجاهته
وهنا يلى الحكم من يلى ولا يشغل باله ويقض مضجعه إلا خصمه الراصد له خارج الحكم وما يدبره له من مكايد وما يدسه له من دسائس ؛ فهو يفكر فى قطع السبيل عليه ويرسم الخطط لإضعاف نشاطه ، ويخرج الرجل من الحكم فيكون أكبر همه تتبع عثرات من ولى مكانه وتشويه ما يقوم به من جهد نافع والمبالغة فيما يقع فيه من هفوات تافهة ، وأكبر ما يثلج صدره فى ذلك أن يقع على صيد سمين يكون فضيحة تذاع وتشهيراً ينشر .
خصومتنا عنيفة مبالغة متجنية يباح فيها كل سلاح ، وهى خصومة لاتدع سبيلا لصلح ، ولا تفتح ثغرة لمهادنة ، فهى موت أو حياة لكلا الخصمين .
وسيظل الحال باقيا على هذا المنوال ما دام الجيل السياسى الذى يغلب على هذه البلاد بهذه العقلية المتأخرة . حكومة تروح وحكومة تجئ ، فالرائحة تعرقل القائمة والقائمة تبطش بالرائحة ، وكل منهما لا هم له إلا الظفر بخصمه . ومصالح البلاد فى ذلك معطلة تصاب بأكبر الأضرار .
كم خسرنا فى مصر بسبب هذه الحالة ؟ كم سنة تأخرت نهضتنا وتخلفنا فى التعليم والصحة والانتاج .كم مشروعاً ضاع علينا بسبب هذا التقلقل والتنازع ؟ وكم من ملايين الجنيهات حرمت منها الأمة من جراء تأخير تلك المشروعات .
وخسارتنا المعنوية أخطر وأجسم . ماذا بقى لنا من نهضتنا الحديثة الرائعة التى بدأها سعد زغلول ؟ ماذا بقى لنا من الوحدة القومية التى كنا نفاخر بها الأمم ، والتى كانت تواجه العالم بجبهة متينة كالبنيان المرصوص لا يجد فيها خصم ثغرة ينفذ منها . ماذا بقى لنا من الروح العام الذى كان يستطيب التضحية ويترفع عن الكسب والمغنم ؟
ياويلتنا ! أعجز أولئك السادة الذين يتزعمون أمور السياسة فى مصر ، وكلهم ذو ماض كريم أن يستلوا الإحن وينتزعوا الأحقاد ويمدوا أيديهم بعضهم لبعض ويعيدوا للبلاد وحدتها واستقرارها .
اعجزت مصر عن أن يجد فى أعمالها مكانا لكل أولئك الرؤساء - وليس منهم إلا كفء قادر - وتوفق بين جهودهم لتنتفع بها جميعا وتأمن شر الخلاف القائم بيهم . لو أن الأمور عولجت بروح الإنصاف والتسامح لما عز
إيجاد الحل الموفق لجمع الكلمة وإزالة الفرقة . ولكن المنطق والجدل الهادئ لا يفيد فى جو قد سممته الدعاية العنيفة التى لجأ إليها المتخاصمان .
فإذا لم يكن فى الإمكان ذلك فهل نطمع فى مهادنة بين الفريقين يلقى فيها الطرفان السلاح ، وبثوب كل منهما لنفسه زمنا ؟ أنا على ثقة من أن تلك الهدنة تخفف حدة الأعصاب الثائرة ، وتمهد السبيل لجو يكون أقرب للتوفيق الذى تتمناه البلاد . ( . . . )

