١
من الجهود التي تذكر بالحمد والثناء في هذه الأيام ما يقوم به شباب البلاد العربية من شر النصوص القديمة نشر علميا . وقد كنا إلى عهد قريب منصرفين عن هذا النشر وكان ما ينشر لا يقوم عليه سوي الوراقين ومن يشبهونهم ، وقلما وقف باحث محقق علي نشر كتاب ، أما الان فقد اخذت المكتبة العربية تزود بطرائف ثمينة من النصوص والكتب القديمة يخرجها طائفة من الشباب حبسوا أنفسهم لهذه الغاية .
وليس من ريب في أنه ينبغي أن نستقبل كل أثر جديد ينشر نشرا علميا بالشكر والتبجيل لصاحبه فلا يعلم إلا الله مدى ما يلقي من عناء في سبيل إخراجه وتحقيق نصوصه . فقد يبيت ليلة بل ليالي ساهرا يحاول أن يصحح كلمة وان يعيدها إلى صورتها الحقيقية التي شوهها الكاتب للنسخة القديمة أو طمستها الأيام . ومهما حاولنا ان نثني على ناشر من هذا الطراز فلن نوفيه حقه من الثناء على الجهد الذي اضطلع به
من أجل هذا كله أقبلت على دار الطراز أقرؤه وانا أرمق الدكتور جودة الركابي بالإعجاب ، إذا استطاع أن يخرج هذا الأثر النفيس من الظلمات إلي النور ، فاستحضر نسختي ليدن والقاهرة وقابل بينهما مقابلة أدته أو ادتنا إلى ظهور دار الطراز الذي كنا لا نزال نرجو ظهوره ، لما له من خطر ، فإن ابن سناء الملك حاول فيه أن يدرس الموشحات درسا علميا دقيقا ، فألفه واختار فيه أربعا وثلاثين موشحة للأندلسيين أو كما يسميهم المغاربة ، وأضاف إليها خمسا وثلاثين من تأليفه تطبيقا عليها ، وقدم لذلك بمقدمة بديعة عن الموشح وحدته وأنواعه من حيث الأفعال أو المراكز والغصون . ومن حيث الآبيات أو الأدوار والسموط وعرض الفوزون منه وغير الموزون في استقصاء وذكاء .
والكتاب لهذا أثر خطير حقا من آثار الأندلسي ومصر جميعا ، فهو مؤلف في القرن السادس للهجرة وفي عصر
مبكر من عصور الموشحات وظهورها بمصر ، وقد احتوى في الوقت نفسه على مجموعة من الموشحات الأندلسية في عصر ابن سناء الملك وقبل عصره . ونسب ابن سناء المك في مقدمته خمسة عشر موشحا من الموشحات الأندلسية إلى أصحابها وهم عبادة الفزاز المشهور بمدح المعتصم بن صمادح في النصف الثاني من القرن الخامس للهجرة ، والأعمى التطيلي المتوفي عام ٥٢٥ ه . وأبو بكر هي بن بقي المتوفي سنة ٥٤٠ ه
ودراسة حياة هؤلاء الثلاثة الذين داروا في مقدمة دار الطراز ضرورية لفهم موشحاتهم التي استشهد بها ابن سناء الملك ومعرفة الأعلام التي ذكرت فيها . ولقتني في التراجم المختصرة التى ألحقها الدكتور جودة بالكتاب تعريفه بعبادة بن ماء السماء ظنا منه أنه عبادة الذي يذكره ابن سناء ، وقد ساق في تعريفه بعبادة بن ماء السماء أن المؤرخين اختلفوا في سنة وفاته أهي سنة ٤١٩ أو هي سنة ١٢١ ه . وموشحات عبادة التي أشار إليها ابن سناء تمدح احداها وهي ذات الرقم ٢١ المعتصم بن صمادح الذي ولد - كما في المغرب لابن سعيد - سنة ٤٢٩ وحكم الحرية منذ سنة ٤٤٣ حتى توفي سنة ٤٨٤ ه ، وقد ورثها عن أبيه ، فيتحتم أن يكون عبادة دار الطراز غير عبادة بن ماء السماء فقد توفي قبل ولادة المعتصم بن صمادح . وهو عبادة القزاز أشهر وشاح في عصر ملوك الطوائف يقول ابن خلدون ، وقد قال عنه إنه شاعر المعتصم بن صمادح ونسب إليه الموشحة رقم ١٨ في دار الطراز ، وهي التي يقول فيها :
بدر تم شمس ضحى غصن نقا مسك شم
وإذا فلا شك أن عبادة الذي دار اسمه في مقدمة دار الطراز هو عبادة القزاز لا عبادة بن ماء السماء . ومما يتصل أيضا بالأعلام للترجمة في الكتاب ما جاء عن بني القاسم الذين يمدحهم أبو بكر يحي بن بقى؛ فقد عرف بهم الدكتور جودة على هذا النحو : " هم الأمراء الفضلاء
أصحاب البونت من نسل عبد الملك بن قطن الذي تولى الأندلس بعد استشهاد عبد الرحمن الغافقي ، وهو من قريش الظواهر كالفهريين . ومن ملوكهم عبد الله بن القاسم الملقب بنظام الدولة حكم حتى سنة ٤٢٢ ، وأحمد بن محمد عضد الدولة حكم حتى سنة ٤٤١ ، وعبد الله بن محمد جماع الدولة حكم حتى سنة ٤٨٥ ه . وقد زالت دولتهم بعد هجوم المرابطين .
ويتحتم ان يكون هؤلاء ، الأمراء ليسوا هم الذين مدحهم ابن بقى في موشحاته . لسبب بسيط ، وهو انه لم يكن من شعراء عصر ملوك الطوائف الذي انتهى سنة ٤٨٥ ه وإنما هو من شعراء عصر الملتمين ؛ فقد توفي سنة ٥٤٠ . وفي رواية ثانية أنه توفي سنة ٥٤٥ ه . ومعني ذلك أنه عاش ستين سنة بعد انتهاء دولة بني القاسم على فرض أنه لحق دولتهم !
والحقيقة أن بني القاسم الذين يمدحهم ابن بقي هم قضاة مثلا ، وهي بلدة بأقصى المغرب على المحيط ، وكانوا ممدحين لشعراء الأندلس ، فكانوا يقصدونهم وينالون منهم الجوائز السلية ، وقد تخصص بهم ابن بقي ويقول ابن سعيد في رابات للبرزين إن له فيهم موشحات مشهورة منها قوله
أما تري أحمد في مجده العالي لا يلحق
أطلعه الغرب فارنا مثله يا تشرق
وهي نفس الموشحة رقم ١٧ في دار الطراز ، وفيها ما يدل دلالة واضحة على أنه يريد بني القاسم قضاة سلا إذ يقول :
أيها الحائم هل لك في عذب ملء الدلا
يمم بني القاسم واقصد من الغرب الي صلا
واستمط رواسم تخال بالركب وسط الفلا
ويقول في بيت أو دور آخر من نفس الموشحة :
ادعوه بالقاضي وأملى يقضي عليه لى
فينو القاسم الذين يمدحهم من سلاوهم قضاة ، وقد أشار إلى ذلك أيضا المفري في نفح الطيب ص ٤٢٣ من الجزء الثاني ،
التفت بجانب هذه الأعلام الواردة في القسم الأندلسي من دار الطراز إلى الأعلام الواردة في القسم المصري وهي الموشحات التى ألفها ابن سناء الملك معارضة الموشحات الأندلسية ، وقد رأيت الدكتور جوده يعرف بالقاضي الفاضل الذي مدحه المؤلف في بعض موشحاته ، ولم يحاول أن يعرف بالأفضل أبي الحسن على الذي ورد ذكره في الموشحتين رقم ٩ و ١٦ من موشحات ابن سناء الملك ، وهو الأفضل نور الدين على بن صلاح الدين يوسف بن ايوب الذي
ملك مصر بعد وفاة أخيه العزيز في المحرم سنة ٥٩٥ هو استمر بها حتى ربيع الآخر سنة ٥٩٦ ه . إذ أخرجه منها عمه العادل وتملكها وظل عليها حتى سنة ٦١٥ بينما أعطي الأفضل مياه رقين .
وإنما استطردنا إلى ذلك لأننا نريد أن نتخذ من ذكر الأفضل نور الدين أبي الحسن على بن صلاح الدين في موشحات ابن سناء الملك مفتاحا لمعرفة التاريخ ولو بالتقريب - الذي ألف فيه دار الطراز ، فقد جاء في الموشحة رقم ١٦ :
وصلت للعليا وزال ما كانا من كل بؤس
وجدت لى محيا وجدت سلطانا يحيى النفوس
أشرقت الدنيا بوجه مولانابعد العبوس
ومالها مالكوما لها سامك غير على
الملك العالموالصائم القائم الأفضل
الله قد أرسلمنه لنا أواهيحى الهدى
يسميه بالأفضل من ربما سماه بحر الندى
عدوه يجهللأن من يشناه من العدى
بسيفه هالكورمحه سالكفي البطل
وبأسه قاصموذكره هازمللجحفل
ملك هو البحر جار على الأموال منه السماح
وإنه البدر يجلو دجى الأحوال مثل الصباح
تشيع الدهر فيه إلى أن قال قولا صراح
فالأفضل في هذه الوشحة لابن سناء الملك التي أودعها دار الطراز كان سلطان مصر وملكها ؟ وإذا فقد أصبح من المحقق أن دار الطراز لم يؤلف قبل سنة ٥٩٥ - وإذا عرفنا أن العادل كان خصما للأفضل وأنه أخرجه من مصر وأبعده إلى ميتافارقين ، تبادر إلى ذهننا توا أن ابن سنا المك لم يؤلف هذا الكتاب أو الديوان في عهد العادل ، وخاصة أنه كان متصلا به وموظفا في دواوينه ، وإنما ألفه في عهد الأفضل أى بين المحرم سنة ٥٩٥ وربع الآخر الذي خرج فيه من مصر سنة ٥٩٦ - . ولو أنه ألف الكتاب في عهد العادل لحذف هذه الموشحة ، وأختها رقم ٩ أو على الأقل كان يضع بجانبها موشحات اخري في العادل وابنه الكامل ، ومعروف أن ابن سناء الملك توفي سنة ٦٠٨ ه .
ونعود بعد أن عرفنا تاريخ تأليف الكتاب إلي الموشحات الأندلسية ، فقد مر بنا أن ابن سناء الملك نسب خمس عشرة منها إلى عبادة والتطيلي وأبي بكر يحي بن بقى ، أما عبادة فنسب إليه الموشحات أرقام ٢١,٩ و ٢٣ ، وأما التطيلي
فنسب إليه الموشحات رقم ١ و ٣٠ و ٣٢ و ٣٤ ، وأما ابن بقي فنسب إليه الموشحات أرقام ١٩ و ٢٠ و ٢٢ و ٢٦ و ٢٧ و ٢٨ و ٢٩ و ٣٣ ، وبذلك ظلت تسع عشرة موشحة مجهولة النسب .
ولا أعرف لماذا حاولت التعرف على أصحابها ، فحب الاستطلاع هو الذي دفعني إلى ذلك ، وخاصة أن الأثر نفيس ، وقد ازداد في هذه الأيام الإحساس بالأدب الأندلسي شعره ونثره بين الباحثين ؛ لذلك رأيتى أتعقب بن سناء الملك محاولا ان انسب ما لم ينسبه من الموشحات إلى أصحابه . فرجعت إلى ما كتبه ابن خلدون في مقدمته عن الموشحات وما كتبه ابن سعيد في كتابه المغرب ) النسخة المخطوطة بدار الكتب المصرية ( فوجدت ابن خلدون ينسب الموشحة رقم ١٨ لعبادة القزاز كما مر آنفا ، وأيضا فإنه نسب الموشحة رقم ٣ إلى حاتم بن سعيد المتوفي سنة ٥٩٣ ه كما يقول صاحب نفح الطيب ، وكذلك نسب الموشحة رقم ١٧ لابن بقي ، ونبسها له أيضا ابن سعيد في كتابه رايات المبرزين وانفرد في المغرب بنسبة الموشحة رقم ٢٥ لأبي بكر محمد بن عبد الملك ابن زهر وهي الموشحة التي يفتتحها بقوله :
أيها الساقي إليك المشتكي قد دعوناك وإن لم تسمع
وقد نسبها إليه أيضا ياقوت في ترجمته له بكتابه معجم الأدباء . وليس هذا كل ما يمدنا به ابن سعيد ، فقد وجدته في ) المغرب ( ينسب الموشحتين رقم ١٣،١١ إلى ابن اللبانة شاعر المعتمد بن عباد ساحب اشبيلية الذي اشتهر بوفائه له بعد خلعه سنة في ٤٨ ه.
وبذلك تصبح ست موشحات اخري من دار الطراز معروفة النسب ، وتبقى ثلاث عشرة مجهولة ، وقد أخذت أقيم مراصد عليها من حياة هؤلاء الذين سميناهم ومن تعرضوا لهم في موشحاتهم ، فوجدت الموشحة رقم ١٥ تنتهي بمديح المعتصم بن صمادح ، فأضفتها إلى موشحات عبادة التي نسبها ابن سناء الملك إليه كما وجدت الموشحة رقم ١٠ تمدح يحي بن علي بن القاسم ممدوح ابن بقي فاضفتها إلى موشحاته ، وأيضا وجدت الموشحة رقم ٨ تمدح المعتمد بن عباد فأضفتها إلى ابن اللبانة شاعره . ولما قرأت الموشحة رقم ٣١ وجدت صاحبها يقول :
بالهوزنيين سادة الأمم أثبت في ساحة العلا قدمي
هم نجوم الجوزاء والحمل جلوا فما يضربون بالمثل
وفي الأصل بالهوريتين ، ولكنه تحريف عن الهوزنيين .
وقد رجعت إلى ديوان الأعمي التطيلي النسخة المحفوظة بدار الكتب المصرية ( فوجدته يمدح أبا القاسم الهوزني كثيرا ، فأصلحت النص على هذا الأساس ورجحت أن تكون هذه الموشحة للتطيلي في أبي القاسم ، وهو في ديوانه كلما عرض له عرض للأسرة كلها . وعلى هذا النحو أمكنني ان أنسب أربعا أخرى من الموشحات لأصحابها ، ورجعت اقرا في الموشحات ، فوجدت في الموشحة رقم ١٤ هذه القطعة ، أو هذا الدور
أنا من صد ابن صدين أبي الوليد
كقنيص حز في الحسين على الوريد
واغتد في عقد تسعين ولا محيد
والكلاب ذات تمكين مما تريد
وقد وقفت عند كلمة ابن صدين هذه كثيرا ورجعت إلي فهرس نفح الطيب وإلى كتاب المغرب لعلى أقع على من سمي بهذا الاسم ، فلم أوفق . وتبادر إلى ذهني أن الكلمة محرفة ، ووجدت الأعمي التطيلي يمدح ابن حمدين كثيرا ، فقلت في نفسي لعل ابن سدين معرفة عن ابن حمدين ، وإذا صح ذلك كانت هذه الموشحة من موشحات الأعمى التطيلي ، وقد وقفت أيضا إزاء الموشحة رقم ١٣ إذ رأيتها تدور حول الغزل بغلام يسمي أحمد ، إذ يقول صاحبها في بعض أدوارها :
الحسن موقوف عليك يا أحمد
والأمر مصروف إليك يا أغيد
عبدك مشغوف فيك ومستعبد
أمنك تعنيف
ورجعت أرصد ابن بقي وزملاءه وما جاء لهم من أشعار في النفح والقلائد والمغرب ، فوجدت ابن اللبانة يعرف بغزله في نساخ يسمي أحمد ، فرجحت أن تكون هذه الموشحة له . وعلي هذا النحو وجدت الموشحة رقم ٦ يتغزل صاحبها بمن يسمي أبا العلاء ، إذ يقول في بعض أدوارها :
مولاي أبا العلاء ولي له شئت مقال
وما اكي بالآباء إلا ليزهي الجمال
هل بعد وشك الثنائي قطيعة أو وصال
والموشحة تدور على الغزل بابي العلاء ، والجزء الثاني من الدور يدل على أن الشاعر كنى صاحبه بأبي العلاء كناية مجتلية ، فيغلب على الظن أن يكون اسمه عليا ، ووجدت
ابن زهر يتغزل في موشحة له رواها ياقوت بغني يسمي عليا . فرجحت أن تكون هذه الموشحة له . كما رجحت أن تكون له أيضا الموشحة رقم ٤ فها ذكر المنصور وكان كثير المديح المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ، وكان محظوظا عنده لا يكاد يفارقه
وقد بقيت بعد هذه المحاولات الموشحات رقم ٧،٢ ٢٤،١٦،١٠ لا استطيع أن أفضل فيها بيقين ولا بترجيح . والحق أن هذه كلها محاولات رأيت أن أعرضها على الدكتور جودة الركابي ، وإني لأثني على عمله .
) يتبع (

