الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 632الرجوع إلى "الثقافة"

دار الطراز لابن سناء الملك، نشر وتحقيق الدكتور جودة الركابي

Share

-٢-

ولفتني في هذه النشرة الطريفة لدار الطراز الطريقة التي اتبعت في وضع الأقفال والأبيات أو المراكز والأدوار فإنها لم تجر على منهج واحد ، وكنت أوتر أن توضع الأقفال دائما في سطر واحد ، وان تليها أجزاء الآيات وكل جزء منها محتل سطرا ، سواء المفرد والمركب . ومن الإنصاف للدكتور جودة أن نقول إن القدماء لم يخضعوا في كتابه الموشحات لمنهج معين ، فتارة يضعون القفل في سطر وتارة يضعونه في سطرين أو أكثر . ولكي أرى الأخذ بالطريقة الأولى حتى تتضح صورة الموشحة في رأي العين حينما تقع عليها . وفي أحوال كثيرة نجد القدماء أو السابقين يخالفون بين مداد الأقفال والأبيات ، فيكتبون القفل مثلا باللون الأحمر والبيت باللون الأسود ، وكان من الممكن أن يستغل الدكتور جودة الطباعة الحديثة وحروفها فيكتب القفل رقعة مثلا والبيت نسخا ، لتتضح صورة الموشحة اتضاحا تاما .

وقد عجبت حين وجدت هذا العنوان " الموشح المختلف الأقفال "ونظرت في الموشح فإذا هو يجرى كما في الصحيفة رقم ٩ على هذا النحو :

بأبي علق            بالنفس عليق

هويت هلالا في الحسن فريدا   أعار الغزالا الحاظا وجيدا

وتاء جمالا لم يبغ مزيدا        بدر يتلالا في حسن اعتدال

                  زانه رشق   والقد رشيق

وتتوالي الأقفال مكونة من جزءين على هذه الشاكلة ، كما تتوالى الأبيات مكونة من أربعة أجزاء مركبة . ولم يشر ابن سناء الملك في مقدمته إلى أن الأبيات تتكون من أربعة أجزاء ، بل أشار إلى أنها أكثر ما تكون ثلاثة أجزاء ونصف ، وأشار أيضا حين تحدث عن هذا الموشح المختلف الأقفال إلى أن قفله الأول مكون من جزءين وبقية الأقفال

مكونة من ثلاثة أجزاء . ومعنى ذلك أن هذه الموشحة ينبغي أن تكتب هكذا :

يــأبى علق           بالنفس عليق

هويت هلالا          في الحسن فريدا

أعار الغزالا           الحاظا وجيدا

وتاء جمالا            لم يبغ مزيدا

           بدر يتلالا

في حسن اعتدال زانه رشق والقد رشيق

وهكذا حتى تتضح فكرة اختلاف الأقفال من جهة ، وحتي تأخذ الآبيات شكلا يوضح تكوينها من جهة ثانية . وكما وقفت عند هذا الموضح وقفت عند آخر موشحات الكتاب وهو موشح مكفر لابن سناء الملك تتكون أقفالة من أربعة أجزاء ، ولكني وجدت فقله الأخير يتكون من جزءين فقط على هذا النحو :

جاع المسيكن وصاح يا ستي   معا

ومن يرجع إلى ص ٨٨ من الكتاب أو في الديوان يجد بقية هذا القفل الذي استعاره ابن سناء الملك ليجعله خاتم هذا الموشح المكفر وهو قوله هناك :

صغيري لا ينام من تحتي        هما

جاع المسيكن وصاح يا ستي    معا

وكنت أوثر أن يكمل القفل ما دام ابن سناء قد جاء به كاملا في موشحة أخرى من موشحات الكتاب ، وأكبر الظن أن هذا الجزء سقط من نسختي دار الطراز اللتين اعتمد عليهما الدكتور جودة ، ونحن لا نشك في أنه عاني كثيرا في إخراج الكتاب أو الديوان على هذه الصورة . والحق أنه من أصعب الأمور وأعقدها التوفر على نشر كتاب قديم لم يترك المؤلف فيه نسخة ، أو بعبارة أدق لم تصلنا نسخته .

فإذا تعددت النسخ تعددا ، وكان منها نسخ قديمة العهد كان العمل محتملا .

ويظهر أن النسختين اللتين اعتمد عليما الدكتور جودة ليستا قديمتين ، وليستا أيضا كاملتين من حيث الضبط للموشحات ، وقد حل الناشر كثيرا من صعوباتهما . وإنه لينبغي أن يسود بين الباحثين والناشرين أن نشر كتاب إنما ، يعطينا فيه الناشر رأيه في قراءة الكلمات بعد التحري والبحث والاجتهاد المضنى ، وأن من حق من يطلعون بعده على عمله أن يضيفوا آراء جديدة ، فهذا كله يخدم فكرة الناشر ، ويجعل عمله أدنى إلى الكمال .

ولا يضير أي ناشر أن يخرج عليه ناقد بقراءة بعض العبارات في الكتاب الذي نشره قراءة جديدة ، لأن هذا نفسه إنما هو نوع من الاجتهاد ، ومحاولة - مهما تكن - فهي محدودة بالقياس إلى المحاولة الكبيرة التي قام بها الناشر في إخراج الكتاب .

من أجل ذلك رأيتني أحاول نفس المحاولة ، لعلى أضيف شيئا إلى ما صنعه الدكتور جودة . فقد أخذت أمعن في قراءة الموشحات ، وأقف طويلا عند بعض أجرائها من الأدوار والأقفال محاولا أن أقرأها قراءة جديدة . وكان الموشح رقم ٦ من الموشحات الأندلسية أول موشح استرعي نظري ، فقد رأيت فيه هذا الدور :

مولاي أبا العلاء     ولي لو شيت مقال

وما أكنى بالإباء      إلا ليزهي الجمال

هل بعد وشك الثناء   قطيعة أو وصال

وفي رأي أن " شئت " ينبغي أن تكون مفتوحة التاء وأن قول صاحب الموشحة " وما أكني بالإباء" تحريف أو لعله خطأ مطبعي ، لأنه يعتذر عن كتابته بأبي العلاء فلا يد أن تكون العبارة " وما أكني بالآباء" وكذلك كلمة الثناء في الجزء الثالث من الدور محرفة عن كلمة " التنائي . وقد وقفت عند الدور التالي في نفس الموشحة إذ يجري علي هذا النمط :

تعرضا للوصول    طفت بتلك الربوع

طوافا غير حلال   خماري فيها دموعي

فغن عن الدلال    وراسل عن الخضوع

وصاحب الموشحة في كل أدوارها يوحد بين آخر الفقر والأجزاء في الدور ، فلا بد أن تكون كلمة " للوصول " محرفة عن كلمة " للوصال" وقد أثبت الدكتور جوده كلة " حماري " في الجزء الثاني وأشار في الهامش إلى أن الكلمة في نسخة القاهرة " جماري" وأعتقد أن هذا هو الصحيح فهو المناسب للطواف ، أما كلمة خماري فتحريف وقد جاء في القفل الأول من الموشح رقم ٨ من الموشحات الأندلسية :

على عيون العين    رعى الدراري

من شغف            بالحب

وشكلت كلمة رعي هكذا بفتح فسكون ، وأكبر الظن أنها " ترعى الدراري " بفتح الراء والعين ، فهي فعل لا اسم ، ولعل هذا خطأ مطبعى ، وما أكثر ما تخطئ المطبعة العربية . ونستمر في هذا الموشح الثامن حتى نقرأ هذا الدور أو البيت .

وطبر حسن نزل    بمنزلي عند الغروب

حول شباك الحبل   يلقط حبات القلوب

ما حل حتى رحل   فكان من شد والكثيب

وكلمة شباك هناك ليست النافذة ، وإنما هي جمع شبكة يريد بها حبالة الصائد وما ينثر حولها من حب ، حتى ينزل الطير يريده فتعلق رجله بخيوطها ، فهي إذا ( شباك ) وفي الموشح رقم ١٤ من الموشحات الأندلسية نجد هذا الدور :

ماحوي محاسن الدهر    إلا غزال

معرق الجدين من فهر   عم وخال

نسبة للنائل الغمر       وللنزال

فأنا أهواء للفخر        وللجرال

وأظن كلمة ( معرق) محرفة ، فهي ( معرق ) بضم فسكون فكسر ، وتقرأ في الموشح رقم ١٨ من الموشحات الأندلسية هذا القفل :

في هلال  لو يحتلي  جل عن الناعت

وزلال    لو بذلا     يرتقى القانت

وآخر القفل محرف عن ( بز نقي القانت) فيما يبدو لي . وفي نفس الموشحة :

قاتلي اهن دما                   من قد غدا ملحدا

وضبطت كلمة ( ملحدا ) بكسر الحاء ، وقد تكون هذه غلطة مطبعية ، فهي ملحدا بفتح الحاء من اللحد لا من الإلحاد ، حتى تتلامم مع ما قبلها ، ونجد هذا الدور في الموشح رقم ٢٣ من الموشحات الأندلسية :

هل تحسن المدائح               من كل مادح

إلا على الجحاجح               بنى صمادح

فإنهم   مصابح                 على سوانح

والتحريف ظاهر في كلمة سوانح ، فهي سوايح لا سوانح ، يريد أن يمدحهم بالشجاعة . ونقرأ هذا القفل في الموشحة رقم ٢٨ من الموشحات الأندلسية :

أنسبتي معشري وأوطاني      وجدت تحلى بكل هنان

                   منسكب أرواني

وأكبر الظن أن كلمة ( وجدت ) خطأ مطبعي ، فهي ( وجدت ) من الجود لا وجدت من الوجود . وفي الموشح رقم ٣٠ :

مالي وللحسن                 عهد من الحب لا يخلق

إن قلت بي جنة                فأين ما أتلو   وأفرق

وشكل ( جنة ) على هذا النحو فعلا مطبعبي فهي جنة بكسر الجيم أي جنون ، أما جنة فهي كل ما ستر ووفي ومعناها لا يراد هنا . وفي الموشح الأخير من الموشحات الأندلسية هذا الدور :

كيف السبيل           إلى اختلاس التلاقي

جاش العليل            فالنفس بين التراقي

أين العدول             من لوعتي واشتياقي

وأظنها ( جااش الغليل ) ولعل نقطة الغين سقطت أثناء الطبع . وفي الموشح الخامس من موشحات ابن سناء الملك نقرأ هذا القفل :

نعم نعم أنت تسوي      خراج مصر مع العراق

لاتجري الخلق والبرايا      من غير سوق ولاتفاق

وكملة (لاتجرى) غير واضحة وقد ،وقد أثبت الدكتور جودة في الهامش أن النسخين اتفقتا علي كتابة الكلمة هكذا )( لا تجر ) وفي رأينا أنها صحيحة غير أنها محتاجة إلى همزة توضع فوق الألف فتصبح ( لأتجر ) .

ونقرأ هذا القفل الأخير في الموشح رقم ١٦ وهو في

مدح الأفضل نور الدين على بن صلاح الدين أثناء تملكه مصر إذ يقول الدهر :

ما أنا بالفارك      ولست بالتشارك  ولا علي

وليس بالسالم       وليس بالغانم الأزلي

وكملة الأزلي لا معنى لها ، وهي تحريف لكلمة ( الأولى ) . وفي الموشح رقم ٢٥ من موشحات ابن سناء الملك نقرأ هذا القفل :

يانانا المليحة غالبه      يانانا لقلبي ساليه

شكتني لعمها وقالت ذا الغلام  لقيني في الظلام

فقطع شفق وخرق حلتي  وخزق حزتي

وما أصبح في ما تقدر نقوم   فتستعدى على هذا المشوم

وفي رأي أن أول القفل ينبغي أن يكون هكذا ( يانانا المليحة غاليه . . يانا يانا لقلبي سالبه ) وكلمة ( يانا ) لا يزال تستعمل في العامية المصرية ، وهي تقال في حالات الفزع والتألم والتحسر . وفي الموشح رقم ٢٦ ثقرأ هذا القفل :

وياسهر فلا تذر         وباكتابي مهما

أمرت فافعل لا تخف    على عقابي إثما

وكلة " وبا كتتابي " معطوفة على " وباسهر " وهي ذلك ( ويا اكتتابي ) بالياء لا بالباء .

وأنا لا أشك في أن أكثر هذه الأغلاط أغلاط مطبعية وإنما أشرت إليها حتى يتداركها الدكتور جودة في الطبيعة الثانية . وقد كنت أوثر أن يضبط الكلمات اكثر مما صنع ، وأن يشكل أجزاء الأقفال والأبيات شكلا تاما . وأيضا فإنى كنت أحب أن يبحث في وزن الموشحات بحثا عاما ، وان يظهرنا في هذه الوشحات التى أوردها ابن سناء أو نظمها ، على ما يجري على أوزان شعر العرب ومالا وزن له فيها ، ثم يوضح لنا الأوزان الأندلسية الجديدة وما جاء به ابن سناء أو أضافه إليها .

ومهما يكن فنحن نهنئ الدكتور جودة الركابي بما اضطلع به من نشر هذا الأثر النفيس الذي كان له الفضل الأول في تذليل صعوباته وحل مشكلاته . وبعثه والعود به إلى مسارح الحياة الأدبية .

اشترك في نشرتنا البريدية