تختلف هذه الدار عن ركب الحضارة المصرية الحديثة مراحل طويلة ، فقد قفزت مصر الناهضة فى الثلاثين سنة الأخيرة بعد ثورة سنة ١٩١٩ قفزات واسعات فى سبيل التقدم والرقى . وأكبر مظاهر هذا التقدم هو المعاهد العلمية المصرية الدنيوية والدينية ، وقد باعدت هذه الوثبات بين مصر الحديثة وبين ماضيها الغريب مباعدة شاسعة .
أما دار الكتب المصرية فلا تزال حيث كانت منذ أكثر من خمس وأربعين سنة ، من يوم أن نقلت إلى دارها في ميدان أحمد ماهر باشا ( باب الخلق ) سنة ١٩٠٥ ، لم تتقدم فى طريق النهضة الحديثة خطوة واحدة ، فالدار هى الدار والمحتويات هى المحتويات ، والنظام هو النظام والقيود هى القيود ، والجمود هو الجمود .
على حين أن دار الكتب أعلى معاهد العلم مناراً ، وأبلغها فى حياة الأمة آثاراً ، لأنها تضم بين جنباتها جميع الثقافات وثمار القرائح البشرية فى جميع العصور ، فهى أثمن الكنوز ، ويختلف إليها طلاب المعرفة من الأطفال والشبان والشواب ، والرجال والنساء ، والشيوخ فى اختلاف أسنانهم ، والتى لا يستغنى عنها طلاب الحقيقة من المهد إلى اللحد ، وعشاق الدرس الذين حالت قيود المعاهد العلمية وشروطها ونظمها وأوقاتها دون تزودهم بشئ من المعرفة ، والذين أتموا الدراسات العالية ونالوا أعلى الدرجات العلمية ولم تخمد لهم شهوة فى طلب العلم ؛ فهى فوق جميع المعاهد ، وهى أجدرها جميعاً بأن تحمل لواء المعارف ، وإن من محمل لواء ركب لهو جدير بأن يسير في مقدمة الركب ، لا أن يتأخر حتى ينقطع عنه .
وكل نقص فى هذه الدار ، وكل قيد فيها ولو كان خيطاً رقيقا من الحرير يعوقها عن أدائها رسالتها على الوجه الأكمل . كالزغبة من زغب الطائر في الريح العاصف لها مقاومة ولها تأثير وإن يكن ضعيفاً .
وفى هذه الدار نقص كثير ، ولا أدعى أنى أحصيه هنا ، وإنما أذكر ما يحضرنى لعلى افتح بذلك الباب لعشاق إصلاحها .
فأما الموقع فضيق جداً ومزدحم كثير الحركة عنيف الضجة ، وخير موقع لها القضاء الواسع عند ميدان الخديوى إسماعيل ، وقد كانت - فيما أظن - خصت بقطعة من الأرض فيه ، ولا أدرى ماذا ثم فى ذلك ، وهو ليس بكثير عليها ، وليست هى أقل تأثيراً فى حياة الأمة ونهضتها من دار الآثار المصرية القديمة القريبة من الميدان المذكور ؛ فإذا كان ذلك مستحيلاً - وما هو بمستحيل - فإن بالقرب منها بجوار مكانها القديم محل وزارة المعارف القديم ستة أفدنة ، وهى أرض فاضل باشا ، وفيها مسجده وقصره والمدرسة الخديوية القديمة التى أخذت تتداعى ؛ فإذا بنيت لها دار فى وسط هذه الأرض الواسعة كان القضاء حولها كفيلاً بإبعاد الضجة عنها ؛ غير أنها أحق المؤسسات بذلك الموقع الممتاز عند ميدان الخديوي إسماعيل
وأما البناء فلم تراع فيه إلا الضخامة الفارغة ، فهو كالطبل الأجوف إذا شفقته لم تجده شيئاً ، ولمبانى دور الكتب الحديثة نظام يلائم نظمها الحديثة ؛ فخبراء دور الكتب ومنهم موظفون فى الدار يقولون إن الكتب تستعار الآن فى بعض المكتبات فى العالم استعارة داخلية بالتيار الكهربى ، وإن هذا النظام يحتاج إلى مبان على نظام يلائمه وإن بناء هذه الدار لا يصلح له .
ومن عيوب المكان الواضحة أن لمطالعة فى هذه الدار قاعة واحدة ، ومن أغرب الأمور أن هذه القاعدة فى أقصى الدار من الشرق ، وباب الدار وسلمها فى أقصاها من الغرب ، فلا بد لرواد هذه القاعة من أن يجتازوا الدار كلها ليصلوا إليها ، وهذه القاعة متسعة ، وقد اقتضى اتساعها أن يرتفع سقفها ارتفاعاً شاهقاً ، وأن يحول دون إنشاء طبقة أخرى
فوقها فى مستوى الطبقة الثالثة التى فوق سائر الحجر ، وأن يحشر فيها كل الرواد على اختلاف أجناسهم وأسنانهم ومقاصدهم .
وخير من ذلك بلا شك ان يكون لمطالعة عدة قاعات ، قاعة للأطفال . وقاعة للشراب والسيدات ، وقاعة للشبان والرجال ، وقاعة الباحثين ، وقاعة للنسخ ، وقاعة لقراء الصحف والمجلات وغير ذلك . وان نزود كل قاعة ما يلائمها من أثاث ومراجع وغير ذلك .
وهذه القاعدة الكبرى ، ومخازن الكتب ، لا يحجبها عن الشمس إلا سقوفها ، ولعلك يشتد فيها الحر ويتعسر العمل صيفاً ؛ هذا إلى المشقة التى يكابدها كبار السن والضعفاء من الرواد فى الصعود إلى هذه القاعة ، وإلى ما نقله السقوف من الكتب وهى ثقيلة وتماطرها أثقل لأنها من الحديد ، وكان الواجب أن يكون كل ذلك فى الطبقة الأولى على الأرض مباشرة لتيسير زيارة القاعة وللاطمئنان من ناحية أثقال الكتب وقماطرها .
ومن عيوب البناء الظاهرة أن ليس فيه حجرة استراحة ، فقد يخطئ الرائد الحريص على إدراك الوقت من أوله ، فى تقدير مسافة الانتقال إلى الدار ، فيجئ قبل وقت فتحها صباحا أو مساء ، وليس أمامه مكان ينتظر فيه الإذن بالدخول إلا الشارع ، وما أكثر ما قاسينا ونقاسى إلى الآن . من هذا الانتظار فى حر الصيف وبرد الشتاء .
ومن عيوبه الظاهرة أن ليس فيه مكان لمقصف متصل بالدار منفصل عنها ، يؤمن مع انفصاله إذا شبت فيه النار أن تمتد إلى الدار ، ويجد فيه الرائر ما قد يحتاج إليه . من طعام وأشربة حارة وباردة ، ومن الاستراحة ، ومن مكان التدخين . حتى مرافقها أصبحت غير كافية وكذلك مصلاها .
وأما كتبها فهى وإن كانت فى زيادة مطردة بمضى الزمن ، فإنها لا تزال قليلة فلة شاشة لهذه الدار التى تعد أكبر دار للكتب العربية فى العالم كله أو يجب أن تكون كذلك ، ولا يمكن أن تعد هذه الدار غنية بالكتب أو كاملة ما دام فى العالم كله كتاب عربى واحد مخطوط أو مطبوع وليس فيها منه أكثر من نسخة ؛ وقد أصبح اقتناء الكتب المخطوطة يسيراً ينشر اقتناء الكتب المطبوعة ، وذلك بفضل التصوير الشمسى .
غير أن الحقيقة المرة المؤلة أن فى مكتبات العالم الشرقى
والغربى كتبا مخطوطة وأخرى مطبوعة ومنها نسخ كثيرة فى مكتبات آحاد الناس ، ومع ذلك ليس فى هذه الدار ورقة واحدة منها . وهذا كلام فى غنى عن الاستدلال بكتب بأعيانها ، فإن الكتب التى يعوز الدار اقتناؤها لا تحصى ، هذا إلى أن فى الدار كتبا مطبوعة طبعات قديمة وقد طبعت طبعات حديثة جيدة وليس فى الدار منها إلا القديم .
وأما النظام فمن أعظم أركانه الكبرى فتح أبواب الدار لروادها وقتاً واحداً متصلاً لا يقل عن اثنتى عشرة ساعة ، لأن الوقت المقدر الآن لاستقبال الرواد وهو سبع ساعات ونصف ساعة قصير وهو مع قصره عجزاً إلى وقتين بينهما عطلة طويلة ثلاث ساعات فى الشتاء وأربع ساعات فى الصيف ، وهذه التجزئة تفوت على القراء والباحثين الانتفاع بالوقتين جميعا ، لأن القليل منهم من يجد من الهمة والنشاط والقوة وسعة الوقت ما يمكنه من أن يجئ الدار مرتين فى اليوم الواحد قبل الظهر وبعده ، وهو إذا استطاع أن يجئ فيهما معاً فقد فى الانتقال كثيراً من وقته ، وجهده وكثيراً ما يضيع منه بعض هذين الوقتين لأنه ربما لا يستطيع إدراك الدار من أول الوقت ، هذا إلى ما يضيع منه فى استعارة الكتب وردها فى الوقتين .
ولا شك أن الوقت إذا اتسع بهذا الاتصال كان أكفل للفرص ، فإن الباحث يستطيع أن يجد فى خلال الأثنى عشرة ساعة الوقت الذى يلائمه أكثر مما يجده فى سبع ساعات ونصف ساعة فى وقتين .
وإن الساعة التى تلائم الباحث وينشط فيها أجدى عليه وأنفع من كثير من الوقت بقضيه فى البحث فى شئ من النقل والزهد ، وإذا هو لم يجد هذه الساعة الملائمة ماتت الرغبة فيه وخمد النشاط وضاعت الفرصة .
هذا وإن مكتبة البرلمان الأمريكى تفتح وقتاً واحداً متصلا من الساعة التاسعة صباحاً إلى الساعة العاشرة مساء ، أى ثلاث عشرة ساعة ، وإن المكتبة الأهلية بباريس تفتح أيضاً أبوابها للرواد وقتاً واحداً متصلا ، على حين أن دار الكتب المصرية فى هذا الشهر إبريل تغلق أبوابها مساء الساعة السابعة أى بعد غروب الشمس بقليل ، وأحداث الحى الذى هى فيه لا يزالون يلعبون فى الشوارع المحيطة بها ويثيرون ضجة عنيفة ، أى أنهم لا يزالون فى عنفوان نشاطهم وهى تتهيأ للنوم .
ومن اكبر مقومات النظام الفهارس الدقيقة الجامعة الشاملة المحكمة الترتيب ؛ وفهارس هذه الدار مع ما بذل فيها فة عهودها الماضية من جهود لا يسعنا إلا إجلالها وشكرها ، لا تزال فى أشد الحاجة إلى إكماله , وأظهر مظاهر النقص فيها أن ليس فيها فهرس بأسماء المؤلفين وأمام اسم كل مؤلف أسماء مؤلفاته ، وهذا نقص واضح وعيب فاضح .
ومن عيوبها الخفية مثلا أنك إذا كنت تعلم أن لابن الجزرى كتاباً فى طبقات القراء وأنت لا تعرف اسم كتابه هذا وأخذت تبحث فى الفهرس فى المظان وهو باب طبقات القراء وباب تراجم الفراء ، لا يمكن أن تهتدى إليه ، لأن اسمه غاية النهاية فى طبقات القراء وليس فى باب الطبقات ولا فى باب التراجم إشارة إليه .
وإذا علمت أن ديوان الأعشى طبع طبعة جيدة حديثة ومعه الأعشون الآخرون ، وانت لا تعرف اسم الكتاب ، فإن من العبث وإضاعة الجهد والوقت أن تبحث عن ديوان الأعشى أو شعر الأعشى أو شرح ديوان الأعشى أو شرح شعر الأعشى ، فإنك لن تجد فى هذا المظان كلها إلا كتيباً ردىء الطبع من ورقات قليلة . أما الكتاب الذى تبحث عنه فاسمه الصحيح " المنير فى شعر أبى بصير " وليس فى هذه المظان إشارة إليه .
والأمثلة كثيرة لا تحصى
على أن هذه الفهارس المكتوبة الصامتة لا يمكن أن تغنى شيئاً عن الفهارس الحية الناطفة ، وهم المرشدون ، فيجب أن يكون فى هذه الدار طائفة من الموظفين يقصر عملهم على تدوين أسماء الكتب ودراستها لإرشاد الرواد عنها ؛ وفى الدار طائفة من هؤلاء ، ظهر فيهم ذكاء فى هذه الناحية ، فيجب أن يخصصوا لذلك ، وهذا التخصص سيشغل كل أوقاتهم بالبحث والدرس والإرشاد ، ويمكن أن ينتفع بهؤلاء المرشدين بطريق أخرى ساذكرها فى نظام الاستعارة .
فمن عبوب النظام فى هذه الدار نظام الاستعارة الداخلية القائم الآن فهو بعينه نظام الاستعارة من خمسين سنة من أيام أن كانت فى مكان وزارة المعارف القديم فى درب الجماميز .
ولماذا لا تقسم مخازن الدار إلى أقسام ، فيكون فى كل قسم طائفة من العلوم ويتولى كل قسم واحد أو أكثر من المرشدين ، ويكون لكل قسم نافذة يتصل منها الرواد
بالموظف مباشرة على نحو ما يحدث فى المصارف ، ويسترشدونه أو يطلبون منه كتباً بأعيانها ويعرضها عليهم كما يعرض الوراق الكتب على المشترى ، فإذا وقع اختيار الرائد على كتاب بعينه كتب به استعارة وقدمها هى وبطاقته الشخصية أو بطاقة تصرف له من الدار أو هما معاً ، وتبقى البطاقة مع الاستعارة عند الموظف المرشد فى قسمه ، ويكون مع ذلك على الرواد مراقبون إلى الرقابة القائمة الآن على رأس السلم .
اقترح هذا النظام وللدار أن تبحث عن غيره لتيسير الاستعارة .
وفى الدار آفة من شر الآفات هى الكتب المفكوكة ، فقد يبقى الكتاب مفكوكاً زمناً طويلاً لا ينتفع به ، فيجب أن يولى قسم التجليد أكبر عناية ممكنة ، فإنه عصب الدار ، فيوسع ويزاد عدد عماله ويزود بكل ما يحتاج إليه بسخاء ليتمكن من تجليد جميع الكتب ومن أن ينجز تجليد كل كتاب مفكوك فى مدة لا تتجاوز أسبوعاً على الأكثر .
أما طبع الكتب فهو عمل ضخم جدير أن يشغل الدار عما هو خير منه ألف مرة ، وهو البحث بكل الوسائل الممكنة عن جميع الكتب العربية المطبوعة والمخطوطة فى أنحاء العالم واقتناء عدة نسخ من كل كتاب منهما والعناية بما فى الدار من كتب . وهذا هو الذى خلقت من أجله دور الكتب
وكفى ما أفنت الدار من عمر طويل وجهد كبير ومال كثير فى طبع بعض الكتب الضخمة التى لما يتم طبعها ؛ وما كان أحوج المصلحة العامة أن يضيع هذا وذاك فى البحث عن الكتب العربية واقتنائها ، فإذا فرغت من اقتناء نسخ من كل كتاب عربى مطبوع أو مخطوط فى العالم توجهت إلى اقتناء كتب اللغات الأخرى .
واسطلاع الدار بطبع الكتب - وهو ليس من عملها البتة - اضطرها اضطراراً إلى القسم الأدبى ، وقد كان الأدباء فى مطبعة بولاق الأميرية جديرين بهذا القسم وجديرين بالمرتبات الضخمة ، فنفقات القسم الأدبى ونفقات المطبعة والطباعة ، تضخم ميزان الدار المالى ، وما هو بدونها بضخم ، ويسد هذا التضخم باب الاستخدام فى وجوه ذوى المؤهلات والكفايات المكتبية ، وباب الترقى فى وجوه الفنيين الجديرين به وبعناية الدار لأنهم عصبها .
( البقية على الصفحة التالية )
فمن الخير للدار والمصلحة العامة أن يعهد بطبع الكتب إلى إدارة أخرى تختص بها ، كإدارة التراث القديم فى وزارة المعارف ، وان ينقل إليها كل ما يتعلق به من القسم الأدبى والمطبعة وميزانهما المالى ، أو أن يرد كل ذلك إلى المطبعة الأميرية ببولاق ، وأن تتفرغ الدار لما خلقت له ، وهو اقتناء الكتب وادخارها وتيسير الانتفاع بها بالأخذ بأحد النظم .
وللقسم الأدبى مع ذلك متاعبه . فإن قيامه فى أية ناحية يغرى الأدباء والمتأديين بالالتحاق به وهؤلاء لهم أقدارهم ومنازلهم التى تأبى عليهم الخضوع لقيود الوظائف ، وفى هذا الإباء خسارة للدار وقدوة لا ترضاها لموظفيها .
ومن وسائل نشر الثقافة بين عامة الشعب إنشاء
المكتبات الفرعية فى عواصم القطر ، ثم فيما يليها من البلاد ، فإذا تيسر ذلك ارتفع مستوي الشعب واستطاع أن يساهم فى الأخذ بأسباب الحضارة وفى الانتفاع بها ، وحينئذ تصبح دار الكتب المصرية وزارة معارف أخرى فى وزارة المعارف .
هذا ومن الأدلة الظاهرة على تأخر الدار فى التجديد أن أنابيب الإضاءة الوهاجة الحديثة المعروفة بالأنيون ملأت الطرقات والمكاتب الفردية والمحال التجارية الكبرى والصغرى وكثيراً جداً من البيوت ، ولا تزال قاعة المطالعة فى شبه ظلام بجانب هذه الإضاءة بمصابيح يحجب ضوءها هالات كثيفة عتيقة وضعت للزينة والأبهة الملائمة لضخامة الدار

