في أحد شوارع مدينة " رافنا " مدينة المبعدين والمنفيين ، وفي إحدي الكنائس الصغري يقوم نصب تذكاري منقوش عليه الكلمات الآتية :
" هنا أرقد " أنا دانتي ، المبعد عن شواطئ موطني " وقد رقد هناك نيفا وستمائة عام . ولما طلب أهل فلورنسا - حيث شواطئ موطنه - أن تعاد لهم رفاته ، لم يلب شعب " رافنا " الطلب ، ولم يجيبوا الدعاء ؛ ذلك لأن أهل فلورنسا كانوا فيه من الزاهدين يوم كان حيا ، وكانوا عن عظمته من الغافلين .
وقد قال بعضهم في صدد غفلة أهل الجيل عن عظمة عظمائهم : " إذا تقدم العظيم زمنه بضع خطوات تبعه قومه ، أما إذا تقدم زمنه ألف خطوة عميت عنه عيونهم ، فغابت عنهم عظمته " . وكان هذا حال دانتى مع قومه ،
فهو بينهم نكرة من النكرات يدعي : دانتي اليجيري من أهل فلورنسا " ؛ وكان خاملا مجهول الذكر في تلك المدينة ذات الشوارع المظلمة المتعرجة ، الملأي بقصور النبلاء ، والتي تكثر فيها الكنائس والبيع بأجراسها التى لا ينقطع رنينها ، كما تكثر بين أهلها العداوة والشحناء
وكانت عائلة دانتي من عائلات الأوساط ، وكان له - أيام صباه - نصيبه في القصف واللهو ، كما كان له نصيبه في الحرب ثم في السياسة .
وقد شهر بالأدب ، وبأن له بضع قصائد بليغة ، وهذا كل ما ظفر به من تقدير أهل زمانه !
وكانت الفئة القليلة ممن يعرفون قدره ، يرون فيه
الرجل المحمود المآثر المأثور المحامد ، يوم كان فتي غض الإهاب ، رضي الأخلاق ، ويوم كان جنديا ، ويوم كان يشارك في دنيا المباهج ويساهم ، ثم يوم تزوج ، ثم يوم مسته نار الأحداث السياسية .
أما من عرفوه يوم عضه الفقر بنابه ، ويوم غاضت بشاشته وطوي بساط انسه ، ويوم اصبح يهيم على وجهه يشكو الزمان ويضرب الأمثال ، فقد رأوا فيه الرجل المهين الذليل
وعلي الرغم من هذا ، فقد كان كل ما يملأ جوانب مخيلة هذا الحالم العابس ، هو ان يصور عقيدته الروحية صورة خالدة تبقى على الزمن
وقد عمل على بلوغ غرضه بذكاء يكاد يرقي إلي درجة الإلهام ، مستعينا بعلوم عصره ، غير عابيء بعوائق التقاليد وقيود اللاهوت ، " وقد ملأ قصيده بالتأملات الفلسفية " .
ولم تكن الصورة التي يطمح إلي تصويرها صورة يوم مضي او يوم يحيء ، وإنما هي صورة الامال غير المستقره ، بل هي صورة الخوف في مختلف الوانه ، وآمال الروح الإنسانية في شتي اشكالها ؛ وفيها تتجسد كل الانفعالات والآحاسيس ، وفيها يتجسم العقاب والكره ، وفيها تتمثل التوبة والندم .
ويري كاتب المقال في لغته الأصلية أن الصورة التي صورها دانتي " للمطهر " وللجحيم وللجنة هي صورة واضحة ، وانها تذ كره بإحدي رباعيات عمر الخيام الشاعر الفارسي التي يقول فيها :
إنني أرسلت روحي آنفا في دياجي الغيب كيما أكشفا
غامضا من عالم الخلد اختفي فانثني روحي وثبا إنما
أنا فردوس صفا ، نار انتقام
وهذه الرباعية منقوله من كتاب " رباعيات عمر
الخيام للمرحوم الكاتب الأديب محمد السباعي (
ولكي تحسن فهم الجانب غير الديني من قصيدة دانتى ، يجب علينا ان نستقريء احوال الدنيا يوم كان دانتي من أبناء الدنيا وقطانها .
فقد كان العالم يومئذ عالما ضيق الرقعة محدود المساحة ، مثله كمثل إناء مقلوب ، يحده من الأفق مدى ضيق . والشمس والقمر والنجوم تدور حوله كعوالم تؤدي عملا إضافيا . والنظرية العلمية القائلة إن الأرض تدور حول الشمس ، وإن الأرض جزء صغير من عالم لا نهاية له ، لم تكن قد عرفت بعد
وكانت جمهوريات سبنيا وبيزا وجنوه والبندقية - في نظر شعب فلورنسا - هي كل ممالك الأرض .
أما الخصام والجدل فكان مدارها النزاع بين أنصار البابا ومخالفيه . وكان أنصار البابا - ودانتي منهم - يمثلون جماعة الأحرار من الطبقة الوسطى للشعب ، حيث كان هدفهم ان تكون إيطاليا دولة مستقلة تحت حكم البابا ؛ أما مخالفوهم في الرأي فكانوا يمثلون حزب الأمراء الأقوباء ومن لف لفهم من النبلاء ، الذين كانوا إبقاء على مالهم من امتيازات - ضالعين مع الإمبراطور .
ثم انقسم أنصار البابا إلي قسمين : البيض والسود وقد كانت العداوة والبغضاء بينهم لا تقل شدة وضراوة عن عداوتهم لخصومهم من الحزب المخالف .
إلي هذا الدرك الأدنى من الخصومة واللجاج انحدر الحزبان ، حتى إن السود استصرخوا البابا ان يجعل من شارل أوف فالوا ) ١٢٧٠-١٣٢٥ ( نائبا له وممثلا
اما البيض - ومنهم دانتي - فقد ادت بهم الخصومة والمرام إلى ان يعارضوا في كلتا الزعامتين : زعامة البابا وزعامة شارل .
وكان الفوز حليف السود . واستتبع هذا الفوز إقصاء
دانتي عن كل عمل حكومي ، ثم الحكم عليه وعلي أصحابه بالنفي ؛ فقضي حياته بين البؤس والتشريد ، وصودرت أملاكه ، وحاول ان يستعيد مكانته فلم يفلح ، بل ازدادت الحال سوءا . وهناك في أضابير قسم المحفوظات بفلورنسا حكم يقضي بحرق دانتي حيا أينما وجد ! فكان رجلا لا مأوي له ، وكان طعم النفي عنده كأنه نقيع الحنظل .
واتخذ له حماة يعيش في كنفهم عيش السؤال ، وكان يشكو مر الشكوي مما رماه به القدر .
أما نحن فما يحق لنا ان نجزع مما ناله من بؤس وتشريد . فلو سارت الامور وفق ما يهوي لما زاد دانتي عن أن يكون عمدة لمدينته ، وصاحب زوجة ورب عائلة ولنسى حبه الا كبر أيام شبابه في شخص بيانريس التي تزوجت رجلا آخر
أما وقد سارت الأمور وفق ما قدر لها ، فإن العيش المر والاغتراب المضنى ، والبغض الذي طوى عليه احناء صدره لهذا العالم الجاحد للجميل ، كل أولئك قد استحال عنده وقودا للرؤيا :
وفي هذه الرؤيا كان عالم الخلود الذي صوره بشعره الصوفي العميق هو الحقيقة ولا حقيقة سواه .
وكانت قمم هذا العالم وسفوحه ، وعذابه وثوابه ، كانت كلها حقائق ملموسة كأنها أوصاف لما يشاهده في الحياة الدنيا .
وفي هذه الرؤيا استحالت حياته المادية إلي حياة روحانية . واستحالت معبودة فؤاده بياتريس - تلك المرأة الطفلة التي احبها ثم اضاعها - روحا للعتاب الرقيق وللندم الصحيح . والشعر الذي جعله وقفا عليها هو بلا مراء انقي وأصفي ما جاء به خيال شاعر محب ملهم .
وقد رسم - في قصيده - بريشة الفنان البارع وخيال الشاعر المبدع شعب بلاده ، وقص قصصهم . فهذا
القصة الخالدة ، قصة بأولو وفرنسيسكا ، وهي قصة كأنها حكيت من اشعة قوس قزح على رقعة من سواد ؛ وهنا مأساة " اجولينو " وقد أصابه - وأطفاله معه - سعار من الجوع وهو في السجن يرسف في قيوده ؛ وهناك الطغاة وأصحاب الصولة في زمنه ، ومنهم البابا يونيفاش ، ذلك الرجل العجوز الجافي الخلقة الذي ظل على كرسيه ثلاثة أيام لا يبدي حراكا ، بينما اعداؤه واقفون ببابه ينتفضون من الغضب ؛
وهنا اصحاب الخطيئة ، وهنا البررة الاطهار ؛ وهنا التقاضي وهنا العقاب . واني توجهت فانك ملاق صورة مزدوجة للأمل العريض والحزن الممض ، وان انفاسا رفيقة من التوبة تذهب صعدا إلي عرش الرحمن الرحيم .
ومهما أوتي المرء من بلاغة فليس بقادر على أن يجيء بوصف شامل او وصف مقارب لهذا الشعر البالغ غاية السمو .
وكان من عادة نساء رافنا - كلما مر بهم دانتي - ان يشرن إليه ويتهامسن قائلات : " هذا هو الرجل الذي نزل إلى اعماق الجحيم " ! وإذا علمنا ان دانتي لم تزعزعه الحوادث ولم تلن قناته للنائبات ، بل سما بنفسه واتخذ من الشدائد دروعا ، فصفت روحه وخلف للأجيال بعده هذا التراث الخالد ؛ إذا علمنا هذا كان حتما علينا ان نسلكه في عداد الأبطال الخالدين فقد اتخذ من دم قلبه مدادا لكلمات كتابه الذي أودعه تاريخ حياته .
وقد كانت حياته الفانية قصيرة ، إذ مات في السادسة والخمسين . وقد أخذه حزن تنقض منه الجوانح
ولكن الذي لا شك فيه ولا ريب انه كان الموسيقى الخالد الذي سجل بأنغامه ما مر بالقرون الوسطى من آراء وأفكار .
عن الإنجليزية

