لم يكن يخطر ببال أحد في السنين الأخيرة أن مدينة دانزج التي كانت موضع نزاع الدول في غابر الأزمان، ستحتل المكان الأول في سياسة أوربا المسلحة اليوم وتعد دانزج من أقدم مدن العالم، فقد ظهرت في عالم الوجود منذ ألف سنة وكانت في العصور الوسطى تدعى (ملكة البلطيق) نظراً لمركزها الممتاز على شاطئ هذا البحر
وقد حاربت في سبيلها الأمم البروسية والدانمركية والبولونية، والبرانبرجرز، والتوتون منذ بدء القرن الثاني عشر إلى اليوم فاحتلها الفرسان التوتون في بداية القرن الرابع عشر، ولكن سرعان ما انتهى أمد احتلالهم لها وصارت إلى أيدي البولونيين في سنة ١٤٥٤، فتركوا لها الحرية في الاحتفاظ بقوانينها القديمة، وجعلوا لها الحق في سك العملة باسمها باعتبارها (مدينة حرة) تحت حماية بولندا. ولم تقع في أيدي بروسيا إلا سنة ١٧٩٣،
وبعد أربع سنوات من هذا التاريخ فتحها جيش فرنسي تحت قيادة (مارشال لففر). وظلت دانزج مدينة حرة في أيدي الفرنسيين إلى سنة ١٨١٣
ولكن الجيوش البروسية احتلت دانزج للمرة الثانية بعد موقعة (واترلو). لا لتكون تابعة لها إلى الأبد، فقد انتزعتها معاهدة فرساي من الريخ وعادت دانزج (مدينة حرة) للمرة الثالثة - تحت إشراف عصبة الأمم - وأعطيت بولندا الحق في استغلال مينائها، ومنحت كذلك الحق في تمثيلها من الناحية السياسية.
فدانزج لم تكن ملكاً للألمان إلا منذ سنة ١٨١٥ إلى سنة ١٩١٨ أي قرناً من الزمان. وقد ظل العلم البولوني يرفرف عليها منذ سنة ١٤٥٤ إلى سنة ١٧٩٣ أي ثلاثمائة سنة على التقريب. وقد أعطيت دانزج إلى بولونيا بحكوماتها الحرة ومساحتها التي تقدر بثمانمائة وخمسين ميلاً مربعاً، وسكانها الذين يقدر عددهم بمائة ألف نسمة، ليكون لها منفذ إلى البحر. فكانت هذه
المدينة المنفذ الوحيد لتلك المملكة العظيمة حتى سنة ١٩٢٨، وقد ازدادت الحركة بمينائها على أيدي البولونيين فوصلت إلى ثمانية مليونات طن سنة ١٩٣٠ بعد أن كانت لا تزيد على مليونين قبل الحرب. فقد أنفقت بولندا مائة مليون من الجنيهات لاحياء هذه الميناء. وأنشأت قاعدة هامة للملاحة والتجارة في (جيدنيا) على مقربة منها. ومن المعلوم أن ثلثي تجارة بولندا التي يقدر عدد
سكانها بـ ٣٥٠٠٠٠٠٠ نفس تمر من تين الميناءين، وأسطول بولندا ليس له قاعدة غيرهما وتقع دانزج على مصب نهر الفستيولا ولهذا النهر صفة ممتازة في بولندا، فإذا ضمت دانزج إلى الرايخ أصبحت المواصلات الحيوية لبولندا تحت رحمة ألمانيا
فالفوهرر كما يظهر لا يريد أن يضم بلداً ألمانياً إلى الريخ، ولكنه يريد أن يعزل بولندا عن البلطيق، ويطوقها من البحر والبر حتى تضطر سياسياً واقتصادياً إلى الانضمام إلى الريخ، وهذه كارثة تدفعها الآن بولندا بكل ما لديها من قوة. وتريق دماء الملايين من أبنائها لكي تتحامى وقوعها
