الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 652 الرجوع إلى "الثقافة"

دراسات أدبية :, حافظ إبراهيم

Share

حافظ هو الصورة الحية للبيئة التى عاش فيها ، وما قلبت فى ديوانه إلا شعرت بأنى أعيش مع صاحبه على الأرض التى عاش فيها ؛ فاحس إحساسه ، وأرى الناس الذين أعرفهم وأخالطهم وأعاشرهم وأعاملهم فى حياتى كل يوم قد ملأوا على فراغ المكان ، وراحوا يشكون آلامهم ويسردون أخبارهم ويحكون حياتهم .

لقد كنت أطلق على حافظ أحيانا " الشاعر الواقعى " وللواقع جمال تدركه العين الباحثة والفكر المدقق والنفس الحساسة التى تسير الغور فتدرك ما لا يدرك الإنسان العادى بالنظرة العابرة وما كان اقدر حافظا على اقتطاع صوره من واقع الحياة ومن مادة الأرض ومن الحوادث التى يلقاها وما أصدق أحمد زكى أبو شادى حين يصفه بقوله :

من طين مصر نما ومن أنفاسها

والأرض لا تنمى الشعور ذميما

كالأنبياء يقبض عن إيمانه

باللفظ شهدا والبيان شميما

صافى الفؤاد فليس ينبض مرة

إلا صفيا للنفوس حميما

حقا أن حافظا بضعة من مصر ، وقطعة من طينها ، عاش مخلصا لها يصور خلجانها وما ينتابها من أحداث ، وكان أصدق مصور للمجتمع الذى عاش فيه .

" كالأنبياء يفيض عن إيمانه وكذلك كل فنان منهم ، يحس احساسا قويا بما تقع عليه حواسه وتتفاعل في قلبه خبراته وتجاربه فيحاول الإفصاح عنها وتقديمها للناس بأسلوبه الخاص واداته الفنية المفضلة .

أما صفاء الفؤاد والإخلاص الذى لا تشوبه شائبة حقد أو ضغينة فليس أدل عليهما من اعترافه لشوقى بالفضل والسبق مع ما فى الاعتراف للغير بالفضل من غضاضة وثقل

على النفس الإنسانية . . بل لقد كانت قصيدته فى حفل تتويج شوقى أميرا للشعر من أبدع ما قيل فى المهرجان وهى التى مطلعها :

أمير القوافى قد أتيت مبايعا

وهذى وفود الشرق قد بايعت معى

ولعل فى هذه القصة التى يرويها خليل بك مطران عن رحلته إلى إحدى قرى لبنان مع حافظ حيث اعترض طريقهما زحام شديد ، واتفق أن تعرف أحد الشبان على مطران فأخبره عن وجود حافظ معه وسأله أن يفسح لهما طريقا ، واستعان الشاب بشيخ أبيض اللحية طويلها ما كاد يعرف وجود حافظ حتى تفرس فى وجهه ثم قال لصاحبه " الحمد لله أننى رأيته قبل مماتى " فوقعت هذه الكلمات فى قلب حافظ موقعا عظيما ، حتى إن وجهه قد اخضل على حمرته بالدموع المتساقطة من عينيه ، ثم قال لمطران : ) اليوم قد كوفئت أجل مكافاة عن خدمة أديتها لقوم كرام ( . . لعل فى هذه القصة أبلغ مثل على نفسية حافظ الشكور .

ولد محمد حافظ إبراهيم عام ١٨٧١ فى ديروط بمديرية أسيوط ، ونشأ فى القاهرة ، وبعد أن جاز التعليم الابتدائى ، وطرفا من التعليم الثانوى التحق بالمدرسة الحربية وتخرج فيها ضابطا بالجيش المصرى حيث أرسل إلى السودان ليمكث بضع سنوات ، ويشترك سنة ١٨٩٩ فى ثورة فيغضب عليه المستعمر ويطرد من السودان . ثم يلتحق بعد ذلك بالبوليس فى أرياف مصر ، لكن يلحقه غضب المستعمر فى البوليس أيضا فيخرج إلى الاستبداع ويحال إلى التقاعد . فى رتبة اليوزباشى ، ويعود بعد ذلك ببضع سنين فيلتحق بدار الكتب المصرية فى وظيفة رئيس القسم الأدبى بها ثم وكيلا للدار حيث يظل فى هذا المنصب إلى أن يخرج

منه فى سن الستين قبل وفاته ببضعة أشهر فى فجر ٢١ يوليه سنة ١٩٣٢

بيئة الشاعر :

كان حافظ ابنا لأحد ضباط البوليس ولست أدرى مدى تأثير هذا الوالد فى حياة ابنه ! هل كان يأخذه بالشدة أم باللين ؟ هل كان يعنى بأمره أم يتركه للأقدار تهيئ له مستقبله ! غير أن من المحقق أن هذا الوالد لم يكن بذى ثراء وقد مات وترك حافظا غلاما يافعا فكفله خاله ، ولم يكن أيضا بالرجل الموسر ، فضاق بحافظ لبطالته وعدم سلوكه حياة منظمة ، وأحست نفس الشاعر بملل الخال وسامته وشعر باستثقاله تكاليف عيشه ، فقال معبرا عن آلامه وحسه المرهف الذى أوذى :

ثقلت عليك مئونتى

إنى أراها واهيه

فافرح فإنى ذاهب

متوجه فى داهيه

ويغلب على ظنى أن هذه الظروف مجتمعة هى التى أملت على حافظ ترك التعليم الثانوى والالتحاق بالمدرسة الحربية ، حتى لا يكلف خاله من النفقات فوق ما يطيق . وليختصر طريقه إلى الحياة وكسب العيش ، وعند تخرجه سار في حملة استرجاع السودان فعاش فيه سنوات قلائل انتهت بإبعاده عنه .

ولقد شعر بوطأة الاحتلال وبطشه وكأنه نجا من خاله صدر حياته ليلقى عنت المغتصبين واستبعاد المحتلين إلى جانب قلة ماله - ومن كان فى كرم حافظ لا يكفيه راتبه - فلم يشعر بتغير فى حياته ولا تقدم فى معاشه ، فخيل إليه أنه حليف بؤس وشقاء وانه ضحية للظروف التى حرمته الأب وحرمته المال الذى يستطيع معه أن يفرغ لأدبه وشعره وما خلق له ؛ وقد عبر عن ذلك فى قوله :

جنيت عليك يا نفسى و قبلى

عليك جنى أبى فدعى عتابى

فلولا أنهم وأدوا بيانى

بلغت بك المنى وشفيت مابى

سعيت وكم سعى قبلى أديب

فآب بخيبة بعد اغتراب

وما أعذرت حتى كان نعلى

دما ووسادتى وجه التراب

وحتى صيرتنى الشمس عبدا

صبيغا بعد ما دبغت إهابى

وحتى قلم الإملاق ظفرى

وحتى حطم المقدار نابى

ثم اصطلحت عليه بعد عودته من السودان الأحداث والمضايقات حتى اضطر حيالها أن يلتمس إحالته على المعاش وبقى فى مصر بلا عمل .

هذه الأعوام التى عانى فيها حافظ آلام الحرمان وتقلب الحال وصروف الدهر هى أخصب من حياته إنتاجا ، لكن عندما بلغ الأربعين والتحق بالعمل فى دار الكتب المصرية اخلد إلى الراحة وأثر العافية والبعد عن السياسة وكبت ثورة نفسه ، فقل إنتاجه وأصبح شعره لا يسمع إلا فى المناسبات كرثاء ، من مات واستقبال من قدم ، وهو شعر يعتريه الفتور وتضعف فيه الحيوية ويغلب عليه الحرص على الوظيفة ومورد الرزق .

تشاؤمه

" لست أطمع أن تطول حياتى ، وددت لو لقيت الموت الآن . وإنى لأعجب من دلفه إلى ببطء ، كأنما قد أدركته الشيخوخة على توالى الأجيال فما يستطيع أن يسرع الخطى ليشفى نفسا سئمت العيش وبرمت بالحياة وماذا أبغى من حياة ضاعت الحقيقة فيها واستوى فيها المحسن والمسئ . وهضم الغنى حق الفقير وشابت فيها الفضيلة وترعرعت الرذيلة ؟ وماذا أنا وحياة تخادلت فيها الهمم وفسدت فيها الذمم ؛

هكذا قال حافظ مبينا رأيه فى الحياة وفى الدنيا وفى الناس . وهو رأى قد أبعد فى التشاؤم إلى أقصى مداه ، ولعلنا نلتمس لحافظ عذرا إن مال هذا الميل - بعد إذ رأينا ما واجهته به الحياة من احداث متلاحقة أصابته فحولت مجرى حياته عن وجهته التى كان يرجوها ونقصت عيشه - وما عانى من حرمان على مدى سنين طوال هى زهرة العمر وربيع الحياة ، حتى أكثر من الشكوى من صروف الدهر واستعجل الموت وأظهر الزهد فى الحياة ، ولعل أبلغ ما عبر به عن هذا الشعور هذه الأبيات من قصيدته فى تابين حفنى ناصف :

اذنت شمس حياتى بمغيب

ودنا المنهل يا نفس فطيبى

وارقبيه كل يوم إنما

نحن فى قبضة علام الغيوب

اذكرى الموت لدى النوم ولا

تغفلى عن ذكره عند الهبوب

واذكرى الوحشة فى الغير فلا

مؤنس فيها سوى تقوى القلوب

قدمى الخير احتسابا فكفى

بعض ما قدمت من تلك الذنوب.

حن جنباى إلى برد الثرى

حيث أنسى من عدو وحبيب

مضجع لا يشكى صاحبه

شدة الدهر ولا شد الخطوب

لا ولا يسئمه ذاك الذى

يسئم الأحياء من عيش رتيب

وإذا كان للأحداث الخاصة فى حياة حافظ أثرها فى أن ينحو هذا النحو من التشاؤم فلا شك عندى فى ان الحوادث العامة كان لها أيضا أثر بعيد فى تشاؤمه .

فلا تنس أن حافظا قد عاصر الاحتلال منذ أن وطئت قدما المحتل أرض وادى النيل ، وما كان لنفس أبية ان ترضى الاستعباد والهوان ، فكان صراع لابد منه بينه وبين الاستعباد أدى إلى ) إبعاده نهاية المطاف عن عمله ، وهو قد شاهد الانقلاب العثمانى ، والحرب العظمى . والثورة المصرية والكمالية والعربية ، ورأى عن قرب العروش تهوى والنظم الاجتماعية تزلزل وكل قيم الحياة يعتورها الشك والتغيير . وشاهد كل ما يبعث الريبة إلى النفوس وسوء الظن إلى القلوب .

وهو لم يرض يوما عن حال بلاده ، وما آلت إليه على أيدى المستعمرين من سوء حال وضعف أخلاق ؛ وله فى ذلك شعر كثير نجتزئ منه بقوله :

وهل فى مصر مفخرة

سوى الألقاب والرتب

وذى إرث يكاثرنا

بمال غير مكتسب ؛

وما ذا فى مدارسكم

من التعليم والكتب !

وما ذا فى صحائفكم

سوى التمويه والكذب

فلا عجب بعد ذلك أن ينطوى حافظ على نفسه ويشيع  التشاؤم الذى ملأ قلبه فى شعره . ونفس روحه الحزينة فى

إجادته مرائيه ، بل وفى كل ما قال من الشعر . . فهو دائم التوجع لنفسه وللناس ، وإذا رأى مصيبة كان نصيبه من الوجيعة كنصيب صاحبها أو أكثر ، ولذلك كان حافظ أقرب إلى نفوس الشعب لأنه كان دائم المشاركة له فى مآسيه .

وهو قد دعى يوما إلى حفل افتتاح " دار لرعاية الأطفال فألقى قصيدة فى هذه المناسبة السارة ، لكن روحه الحزينة غلبته على أمره فراح فى ثنايا قصيدته يصف حال امرأة عصف الزمان بأهلها - كما عصف به - فى آبيات تفيض أسى ولوعة ، ويصور لنا مبلغ أساه وحزنه لحالها :

شبحا أرى أم ذاك طيف خيال ؟

لا بل فتاة بالعراء حيالى

أمست بمدرجة الخطوب فما لها

راع هناك وما لها من والى

دانيتها ولصوتها فى مسمعى

وقع النبال عطفن إثر نبال

وسألتها : من أنت ؟ وهى كأنها

رسم على طلل من الأطلال

فتعاملت جزعا وقالت : حامل

لم تدر طعم الغمض منذ ليالى

قد مات والدها وماتت أمها

ومضى الحمام بعمها والخال

وإلى هنا حبس الحياء لسانها

وجرى البكاء بدمعها الهطال

شاعريته

مما يلفت النظر فى ديوان حافظ أنه قليل البحث فى التاريخ والكتابة فيه ، ولا أظن هذا يرجع إلى قصور فى شاعريته ، إنما إلى نقص فى علمه ، العلم الكافى بحوادث التاريخ وبواعثها ، لأنه حينما كتب عمريته المشهورة كان يحلق فى سماء صافية من صفحات التاريخ ويجتلى مما فيها من درر غوال ما ينظمه شعرا رصينا سامى المعانى .

والطابع الغالب فى شعره هو تصوير ما يدور حوله . وأخذ أشكاله من مادة عصره الكثيفة ، وقد منع حافظ بيئته وحوادث عصره عن التحليق فى سماوات الخيال ، وقد ساعدته

عاطفته الجياشة وشعوره الرقيق على إجادة تصوير آلام أمة وأمالها ، بل والام العروبة وأمالها حتى غدا شاعر  العروبة وشعره سجل الأحداث المعاصرة له .

وإلى جانب هذه الحساسية المتناهية كان حافظ ضليعا فى علوم اللغة مما ساعده على تقديم صوره الشعرية فى  أطر من اللغة بالغة القوة والإبداع . حتى قال عنه خليل مطران ) يتعب فى قرض قريضه تعب النحات الماهر فى استخراج تمثال جميل من حجره . يؤثر الجزالة على الرقة وله فيها آيات ( .

ولا يسمو شعر حافظ بلغته وأسلوبه فحسب ، بل إن حافظا كان يعنى بموسيقى الشعر عناية فائقة ، فيؤلف بين كلماته فى تناسق موسيقى رائع ، ويستعين بهذه الموسيقى اللفظية فى تحميل بيت الشعر اكبر المعانى وفى نقل صورة حية نابضة بالروح والحركة ، فتأمل معى قوله فى وصف ثورة البحر :

عاصف يرتمى وبحر يغير

انا بالله منهما مستجير

فصفير الصاد والفاء ينقل لنا صوت العاصفة بينما ينقل لنا المقطع الأخير من ) يرتمى ( صدى ثقل من الأثقال يرتطم بجدران السفينة ، ثم نتمثل إذ نسمع الغين والياء الممدودة بعدها هدير الأمواج ، وهكذا يستعين حافظ بموسيقاه اللفظية فى إضفاء الحياة على صوره الشعرية .

وليس كل ما فى هذا البيت هو موسيقى اللفظ فحسب ، بل إنه ليدلنا على قدرة حافظ على اجتلاء محاسن الطبيعة وتأثره بما يرى من جمالها وحسن ترجمته عن هذا الشعور بالجمال .

وأكثر شعر حافظ فى الطبيعة استعارات لوصف لون أو صوت أو خلق أو شخص مثل قوله :

لكن عبدك يا عباس انطقنى

كالبدر أطلق صوت البلبل الطرب

أو قوله فى وصف شعر هوجو :

ما ثغور الزهر فى أكمامها ضاحكات من بكاء السحب

نظم الوسمى فيها لؤلؤا

كثنايا الغيد أو كالحبب

عندما يقضى بأبهى منظرا

من معانيه التى تلعب بى

وقوله فيه :

إذا نظرت فيها العيون حسبتها

لحسن انسجام القول كالجدول الجارى

وقوله فى وصف الإمام الشيخ محمد عبده :

فأنت بهم كالشمس بالبحر إنها

ترد الأجاج الملح عذبا فيرشف

ولحافظ نصيب مما يسمى فى عصرنا ) بحسن الطبيعة ( وهو اهتزاز نفس الشاعر من مشاهد الطبيعة وما يحدثه هذا الاهتزاز من تجاوب مع قلب الشاعر وروحه ، فيتردد صداه فى شعره روحا يضفيها على هذه المشاهد فتتحرك بالحياة وتنبض بالروح وتتحرر من جمودها .

تأمل هذه الآبيات :

ولو شئت أذهلت النجوم عن السرى

وعطلت أفلاكا بهن تدور

وأشعلت جلد الليل منى بزفرة

غرامية منها الشرار يطير

تحس بأن الليل والنجوم أصبحت فى نظر الشاعر كائنات حية يناجيها ويتحدث إليها ؛ وله من هذا القبيل فى الدجى والنجوم كثير نذكر منه مثلا آخر تغلبت فيه ايضا روح حافظ الحزينة :

لله ما أقسى فؤاد الدجى

على فؤاد العاشق المولع

هذا غليظ لم يرضه الهوى

ما بين جنبى أسود أسفع

وذاك فى جنبى فنى مدنف

على سوى الرقة لم يطبع

وتراه يتحدث إلى الطير فى قوله :

هجعت ياطير ولم أهجع

ما أنت إلا عاشق مدعى

لو كنت ممن يعرفون الجوى

قضيت هذا الليل سهدأ معى

ولعل من الأدلة القاطعة على شغف حافظ بالطبيعة وحبه لها وعكوفه على استيحائها الشعر تلك الآبيات التى قالها فى نادى الرياضة بالجزيرة .

فقل للحزين وقل للعليل

وقل للمعلول : هناك الدوا

وقل للأديب ابتدر ساحها

إذا ما البيان عليك التوى

وقل للمكب على درسه

إذا نهك الدرس منه القوى

تقسم صباحا تجدد قواك

فأرض الجزيرة لا تجتوى

على أن شاعرية حافظ لم يقصرها على الطبيعة واجتلاء مفاتنها ، بل كان له فى فنون الشعر جولات موفقة ، وكان فى كل ناحية من القول يعبر عن شعور صادق وإحساس عميق ، فتراه حين يمدح صادقا فى مدحه معبرا عن شعوره

العميق بفضل الممدوح واستحقاقه للثناء تأمل معى قليلا هذين البيتين :

بكرا صاحب يوم الإباب

وقفا بى بعين شمس قفا بى

إننى والذى يرى ما بنفسى

لمشوق لظل تلك الرحاب

ألا تحس مع الشاعر بتلك الفرحة الغامرة التى فاضت بها نفسه ؟ وكأن به يود لو استطاع أن يطير إلى منزل الإمام فيلقاه ساعة عودته ويحظى برؤيته لحظة أوبته ، فلا تضيع من هذه الفرصة دقيقة ؟ وهو يعطف بعد ذلك على الإمام فيبرز مزاياه وفضله الذى استحق من أجله المديح :

يا أمينا على الحقيقة والإفتاء

والشرع والهدى والكتاب

أنت نعم الإمام فى موطن الرا

ى ونعم الإمام فى المحراب

أنت علمتنا الرجوع إلى الحق

ورد الأمور للأسباب

ثم أشرقت فى المنار علينا

بين نور الهدى ونور الصواب

بل إن شعور حافظ بعظم ممدوحه ) الأستاذ الإمام محمد عبده ( كان شعورا عميقا جعله يعتقد أن الناس حاسدوه على مكانته لديه .

أيهذا الإمام أكثرت حسا

دى فباتت نفوسهم فى التهاب

أبصروا موقعى فعز عليهم

منك قربى ومن علاك انتسابى

وصدق حافظ فى شعوره ، وإخلاصه واسترساله فى شعره وتركه النفس على سجيتها جعله اثيرا لدى الخاصة والعامة محبوبا من جمهور الناس أكثر من سواه ، ولننظر مثالا آخر من إخلاص حافظ فى مدح الإمام أيضا :

كأن فؤادى إبرة قد تمغطست

بحبك اننى حرفت عنك تعطف

كأن يراعى فى مديحك ساجد

مدامعه من خشية الله تذرف

وما كان لهذا القلب الكبير الذى يفيض إخلاصا لأصدقائه وخلطائه أن يضيق بحب بلاده كلها ويتغنى بهذا

الحب فى أشعاره حتى أصبح شاعر النيل والوطنية غير منازع .

بل إن قلب حافظ قد وسع أمته بل والعروبة جمعاء ، فصار لهذا ترجمان صدق ولسان دفاع ، بلادها جميعا وطن له :

لمصر أم لربوع الشام تنتسب

هنا العلى وهناك المجد والحسب

وكنان للشرق لا زالت ربوعهما

قلب الهلال عليها خافق يحب

خدران للضاد لم تهتك ستورهما

ولا تحول عن معناهما الأدب

إذا ألمت بوادى النيل نازلة

باتت لها رأسيات الشام تضطرب

وإن دعا فى ثرى الأهرام ذو ألم

أجابه فى ذرى لبنان منتحب

لو أخلص النيل والأردن ودهما

تصافحت فيهما الأمواه والعشب

هذى يدى عن بنى مصر تصافحكم

فصافحوها تصافح نفسها العرب

فما الكنانة إلا الشام عاج على

ربوعها من بينهما سادة تجب

إن يكتبوا لى ذنبا فى مودتهم

فإنما الفخر فى الذنب الذى كتبوا

واستمع إلى حافظ يحدثنا عن طرابلس ويحذر الشرق من خداع الغرب وغدره :

طمع ألقى عن الغرب المناما

فاستفق يا شرق واحذر أن تناما

واحملى أيتها الشمس إلى

كل من يسكن فى الشرق السلاما

واشهدى يوم التنادي أننا

فى سبيل الحق قد متنا كراما

مادت الأرض بنا حين انتشت

من دم القتلى حلالا وحراما

ثم يصور بعد ذلك فظائع الإيطاليين وما ارتكبوه من جرائم وآثام :

عجز الطلبان عن ابطالنا

فأعلوا من ذرارينا الحساما

كبلوهم قتلوهم مثلوا

بذوات الحدر طاحوا باليتامى

دعوا الأشياخ والزمنى ولم

يرجئوا طفلا ولم يبقوا غلاما

أحرقوا الدور استحلوا كل ما

حرمت لأهلى فى العهد احتراما

ويبدو أن الجيش الإيطالى عريق فى الانسحاب والهرب والإدبار ساعة الزحف والقتال لأن حافظا يخبرنا انه فعل ذلك فى حرب طرابلس ؛ وكلنا يعلم أنه أعاد الماساة فى الحرب العظمى ١٩١٤-١٩١٨ . وكررها بصورة تدعو إلى الأسف فى الحرب العالمية الأخيرة ١٩٣٩-١٩٤٥ ، كما أن قادته وزعماءه عريقون فى الدعاية الباطلة والأقاويل الكاذبة :

قد ملأنا البر من أشلائهم

فدعوهم يملأوا الدنيا كلاما

أعلنوا الحرب وأضمرنا لهم

أينما حلوا هلاكا واختزاما

خبروا فكتور عنا أنه

ادهش العالم حربا ونظاما

ادهش العالم لما أن رأوا

جيشه يسبق فى الحرب النعاما

مالهم ) والنصر من عاداتهم (

لزموا الساحل خوفا واعتصاما

لكن ما كان لقلب مثل قلب حافظ أن يحمل حقدا أو ضغينة ، لأن هذا القلب العظيم أكبر من أن يحفظ غلا لمخلوق ضعيف ، ولأن أمثال حافظ ما خلقوا لأوطانهم ولا لأممهم . إنما خلقوا للإنسانية جمعاء يعبرون عن آلامها ويواسونها فى أحزانها ويترجمون عن آمالها . . فترى حافظا يهز قلبه ما حل بإيطاليا من زلازل فيرسل الشعر فيه توجع وتفجع لهذه النازلة ، ويجار إلى الله يشكو له ما حل ببنى الانسان :

غليان فى الأرض نفس عنه

ثوران فى البحر والبركان

رب ابن الفر والبحر والبر

على الكبد للورى عاملان ؟

وأب ذاهل إلى النار يمشى

مستميتا تمتد منه البدان

باحثا عن بناته وبنيه

مسرع الخطو مستطير الجنان

تأكل النار منه لاهو ناج

من لظاها ولا اللظى عنه وأنى

ومن يطالع ديوان حافظ يلمس قوة هذه النزعة العالمية فى شعره وكثرتها ! فهو تارة يحدثنا عن حرب اليابان ضد روسيا ، وطورا يحدثنا عن ماسى تركيا وخلافتها .

اشترك في نشرتنا البريدية