ما اكثر ما كتبه الكاتبون عن حافظ وشوقى ؛ ولكن هل يكتفى المستقبل بما كتبه الماضي عن الشعراء كلا "فالنظريات النقدية الجديدة - كما يقول الكاتب - "تقوم بعمليه نقص متصل للغبار الذي يتكوم مع الزمن حول أسماء الشعراء القدماء .."
(الثقافة)
ينظر الناقد إلى الشخصية الأدبية على أنها مادة لفته وموضوع من موضوعات بحثه . . ولذلك فلما نجد في تاريخ الأدب شخصية قد اغفلها النقد ولم يعتمد عليها ، طالما كانت النماذج ضرورة من ضرورات العمل النقدي وأساسا من الأسس المذهبية في التقدير ، وقد يظل الشاعر أو الأديب مئات من السنين دون أن ياتى على ذكره أحد . وقد يبقى أجيالا في غربة عن المجالات العامة ، ثم يظهر طفرة واحدة . . وإذا به في يوم وليلة قد شغل الجو الأدبى وصار أحدوثة الناس . وذلك لأن النقاد يحتاجون دائما إلى الأدلة الصناعية على ما يذهبون إليه في دراستهم للنقد ، ولأنهم يلتمسون النماذج المؤيدة حينما يجد على أيديهم تفسير جديد للعمل الأدبي والتقدير النقدى . فالنظريات النقدية الجديدة تقوم بعملية نقض متصل لهذا الغبار الذي يتكوم مع الزمن حول أسماء الشعراء القدماء ، وتبث في لمحاتهم الفنية عناصر الحياة، وتجعل الروح تدب فيهم من جديد كأنهم أبناء اليوم .
فالتاريخ الادبي إذا في انتظار هذه الأنوار التي يسلطها النقاد بأقلامهم فتضئ المعالم المطمورة وتكشف عن النواحي الممتازة في الآثار المتروكة. وكلما جدتت المذاهب والأنظار النقدية ، اتضحت هذه الحقيقة وأصبح الشعراء الأقدمون أدوات في أيدى المحدثين من الغاء بحيث تتقاسمهم المذاهب وتختصم حولهم ، حسب الأصول التي يستند كل منها إليها عند فهم الأعمال الأدبية . وفلما يحاول ناقد أن يأتي بنظريات في النقد بغير أن يدعمها بالقرائن ويريد أن يعززها بالشواهد وبغير أن يجعل لها تاريخا قريبا من أذهان القراء ونفسياتهم.
وهذا هو الحال بالنسبة إلى الشعراء والفنانين من الأنجليز والفرنسيين ... فتجد الآن كل شاعر من القدماء وقد أحاطت به المدارس النقدية إحاطة يستحيل معها أن يستقل عنها أو ان يبدأ من عناصرها الفنية . وأحيانا يكون الشاعر الواحد موضوعا لجملة من الدراسات والتطبيقات المختلفة . بحيث تتوزعه في النهاية عدة مذاهب كما هي الحال عند بودلير وآرثور رامبو. ويصعب على الناقد العربي أن يكتب شيئا نظريا جديدا في النقد ويستدل عليه بنماذج من الغرب . وهو يفعل هذا مضطرا في بعض الأحيان .. ولكن أفضل من هذا بطبيعة الحال أن نعثر على نماذج ادبية عربية تؤيد أفكارنا النقدية وتدعمها بالطريقة التى تؤلف بين النظريات الأدبية والنهاذج الفنية تأليفا بقربها من احساسات القراء والمتبعين لحركات النقد .
ولقد كتب الكثيرون عن شوقي وحافظ . وفاضت كتب النقد الحديث بالمقالات التحليلية الخاصة بشعر كل منهما على حدة أو مجتمعين في مقام الموازنة والتقارنة . ولست الآن بصدد إعادة لمشكلة التفضيل بينهما ، ولكني فظنت إلي فوارق أصيلة بين طبيعة الشاعرين يحسن أن يتدبرها ناقد باحث مختص بالموضوع . ولا تعدو بعض تلك الفوارق أن تكون صفة خلفية أكثر مما هي شئ اخر ، ومع ذلك اكاد أوقن في قرارة نفسى بأن هذا الفارق وحده يكفي لأن يجعلك تصدر حكما قريبا من الصحة عند الموازنة بين الشاعرين . ولا أقول هذا لمجرد الظن بأنني استطيع أن أقرن بين صفتين خلفيتين في الرجلين ثم أتلوهما بحكم نقدى
خاص بطبائع الشعر ومزاج الوضع الفني ... ليس هذا هو ما أريد . لأنني معتقد بأن العمل العني قد لا يتأثر بالأخلاق الشخصية ، وأنه قد يتأثر بنقيض العادات الفردية أحيانا كثيرة ، خصوصا عندما لا يعرف الإنسان حدود شخصيته تمام المعرفة . بل أذهب ها هنا إلى حد التصريح بأن ربط الصفات الشخصية بميزات الأعمال الفنية لدى كبار الكتاب والشعراء ضرب من العبث الواضح طالما كان من الممكن وجود تصدع في الرابطة الموصلة بين شخصية الأديب بوصفه اديبا وشخصيته كإنسان حي . وكثير من الأدباء يختلف في كتبه اختلافا كبيرا عما هو عليه في واقع حياته ، ويمتاز في أعماله الادبية بخصائص لا وجود لها بالمرة في أسلوبه الدنيوي .
يبدو أنني أحاول الآن ايجاد رابطة موصلة بين شخصيتي حافظ وشوقى وبين أخلاق كل منهما على الرغم من هذا الاحتمال - أو هذا الترجيح إذا شئت - الذي قدمناه في بيان الصلة بين أعمال الأديب الفنية وأعماله في الحياة . ولولا ما أشعر به من قوة الترابط بين هذه الصفة في الحياة العادية وبين مقابلها في العمل الفني لتراجعت . وأعتقد فضلا عن هذا بأن هذه الطبيعة - كصفة شخصية - ذات تأثير عجيب في المزاج الفني والروح الشعرية ، ومن شأنها بالتالي أن توجه التركيب العضوي في التعبير وأن تحدد موقف الأديب من بقية المشاهد . وتلك هي خاصية الاندماج كما يمكن أن نسمعها . ويصح أن تحدد هذه الكلمة سمة أدبية في أعمال الشاعر ، كما يصح أن تثير إلى صفة شخصية في ذات الأديب بوصفه ابنا للمجتمع ، وهي تتبع في قرارها من طبيعة المشاركة الوجدانية بوصفها دافعا إلى التبادل مع الغير ضرويا من الإحساس الباطني الذي يعبر عن مدى قابلية الفرد للاشتباك الروحي مع بيئته ومواطنيه .. فالمشاركة الوجدانية طبيعة حيوية تمتد إلى نفسية الأديب فتستحيل هنالك إلى عناصر شخصية تبرز معامله الفنية وتمثل المشاهدات التى يدرجها في عمله يكسوم مرئية . وحينئذ تكون هذه الصفة خاصية أدبية وتتجسم مع جملة السمات التي يمتاز بها المؤلف والمؤلف على السواء .
ولعلك تذكر بهذه المناسية أن الشاعر أو الأديب يلعب دورا هاما بشخصه على مسرح العمل الفني الذي يبدعه، وسيكون هذا الموضوع مادة لدراسة مستقلة عن "الاندماج" ولكنا نثير هاهنا اشارة عابرة فنقول : إنه إما أن يبدو
كروح هائم في جنبات العمل أو يتجلي كشبح شغوف من وراء السطور ، أو يبرز بين المشاهد كواحد من الحاجبات الوارد ذكرها .. وقد يظهر كبطل في القصة التي يحكيها أو واحد من المجنى عليهم إذا أراد أن يشعر الآخرين بالتجاوب معهم . وهذا الأخير هو موقف حافظ في أشعاره دائما . . أما شوقي فقد امتاز ببرود عجيب بإزاء المشاهد العامة والأشياء الخارجية . وقد كان من المقيد له، والحال هذه نجاه العالم الخارجى ان تكثر بأشعاره رنة الخطاب النفسي .. ولكن هذا أيضا قد استحال عليه ، وكأنما عالمه الخارجي والداخلي سواء ، وهذا هو السبب - فيما اعتقد - لاتهام العقاد إياه بأنه عديم الشخصية في آثاره .
أما حافظ - على خلاف هذا - فحساسيته بالغة ، وكانت الشخصية الفنية عمودا لكافة أعماله . وكان دور الشاعر مؤدي أداء كاملا في آثاره . وكان يحس - في المشاكل الوطنية خاصة - بأنه مصاب مع المصابين وأنه ضمن من ينزل بهم البلاء . وتلك ميزة جاءته من جانب القومية ، فأكسبته حب توكيد الشخصية الفنية في الجانب الشعري ، وجعلت قارئه يحس بارتفاع الكلفة بينه وبين المؤلف . اقرأ هذين البيتين :
يا مِصرُ هَل بَعدَ هَذا اليَأسِ مُتَّسَعٌ يَجري الرَجاءُ بِهِ في كُلِّ مُضطَرَبِ
لا نَحنُ مَوتى وَلا الأَحياءُ تُشبِهُنا كَأَنَّنا فيكِ لَم نَشهَد وَلَم نَغِبِ
فتلك زفرة شاعر أحس المصاب في نفسه قبل أن يحس به في مواطنيه ، وانتقل بوجدانه إلى داخلية العمل الشعري ، حتى ليجد القارئ نوعا من الملابسة بينه هو كشاعر وبين عناصر القصيدة . هنا لا ينظم الشاعر وحسب ، بل ينظم وينفعل ويؤدي به الانفعال إلى ذلك الجمال الخالد في الناشئ على حال أمته والشكوى المحزونة لما صار إليه أمرها . هنا لا لقرأ شعرا فقط ، بل تقرأ الشعر وناظمه وتنافس عناصر شخصيته الفنية إلى جانب عمله ووازن - من ثم - بين ما قرأت وبين أقوال شوقي في نفس المعنى :
إِلامَ الخُلفُ بَينَكُمُو إِلاما وَهَذي الضَجَّةُ الكُبرى عَلاما
وَفيمَ يَكيدُ بَعضُكُو لِبَعضٍ وَتُبدونَ العَداوَةَ وَالخِصاما
فعندئذ ستدرك جوهر الفكرة التي أرمي إليها من وراء هذه الملاحظة النقدية ؛ فشوقى في ابياته هذه يمثل شخصية فنية غريبة بالنسبة إلى من يوجه إليهم الكلام . وهذا لا يليق في مقام الشعر السياسي خصوصا . وتستطيع أن تقول لذلك إن شوقي لم يعان المشكلة التي أمسك بالقلم لينظم فيها ، وإنه بعيد كل البعد عن التأثر بالمجال الحيوي الذي يريد أن يسرد شعرا في بابه . وكثير من النماذج التي تقرأها في ديوان حافظ وديوان شوقي تؤكد لك في النهاية خلو ثانيهما من روح المعاناة والتجربة ، ووضوحها تماما عند أولهما . وقد ضربنا مثلا بالشعر القومي السياسي لأنه أفسح مجال للروح الفنية في شخصية الشاعر، ولأنه سبيل إظهار المشاعر الفردية والجمعية على اختلاف درجاتها .
ثم تاتي بعد هذا على فوارق فنية متصلة بالعمل نفسه ، فتلاحظ أن طبيعة النغم عند كل من الشاعرين تتقارب أحيانا يحكم غفلتهما عن المثل المحتذي ، ويحكم الفهم الردئ الذي تبيناه بخصوص العمل الأدبي ، ولم يكن النقاد نظريين تحليليين في تلك الفترة بغدر ما كانوا مهاجمين ، فاستحال بذلك التفاهم بين الفريقين ، واستقرت أعمال شوقي وحافظ من غير أن يبدو عليها أي تأثر صناعي بالحركات النقدية ؛ ولذلك كان الاثنان يتقار بان في مواقف كثيرة بحكم الميول الأدبية السائدة ، لايحكم طبائع كل منهما في الإنتاج . وهذا من شأنه أن يزيد من صعوبة الفهم لكليهما ، ويجعل القارئ وجها نوجه أمام صناعة غير أصيلة . فليس فيها شئ من حافظ وشوقي .. أعني لم يبد فيها المزاج الاختياري أو الاستقلال الصناعي في الفن الأدبي لدى كل منهما . وكثيرا ما يبدو الرجلان لهذا شبحين في خيال الناقد ، ويظهران كستار انعكست عليه أضواء لم تنبع من داخلية نفوسهما ولم تنبثق من قرار فن أصيل .
من ذلك مثلا روح الخطابة المتجلية في صناعة شوقى، وعباراته الطويلة التي لا تقبل الاستثناء وعدم استعانته بطريقة التقطيع في تكوين الجملة ، بحيث نخلو من الشد الذي يمسكها من أول البيت إلى آخره ... وهذا عيب من عيوب عدم التمكن في أسلوب الكتابة والنظم . وكان حافظ المسكين يتأثر بهذه الأجواء ، ويجري في أثر الصنعة الرنانة خشية أن يكون تقصيرة عن هذا الشأ وفي أعماله سببا في انتقاص مقدرته الفنية واتهامه بالأسلوب "غير الرصين" ثم وضعه في مرتبة أقل من
شوقي . وقد كان غنيا عن هذا كله بأنغامه الهادئة الشائقة.
والمفروض دائما في النغم الشعري ألا يكون من الارتفاع أو الحدة بحيث يختل انسجامه مع المعنى المصبوب .. فيشغل عن المعنى ويلهي عن التقدير المبوقى ويصرف عن الاستمتاع بكافة العناصر المتمثلة في العمل دفعة واحدة . ويكون هذا كله ممكنا في حالة ما تجعل النغم في درجة صوتية مناسبة للمعنى المؤدي فيقوي هذا الأخير ويبرز ويشترك في التأثير . هذا هو النغم ، وهكذا ينبغي دائما أن يكون، فهو أداة من أدوات التوضيح المعنوي وعامل من عوامل إبراز المضمون علاوة على كونه عنصرا فنيا . وكان من الممكن بالنسبة إلى حافظ إبراهيم أن يصل إلى أرفع درجات الإتقان في إصدار النغم لو لم يعتقد خطأ بأن رقة النغم ضعف ، وأن المثل الأعلى هو ذلك الذي يسير عليه شوقي عندما يجعل عباراته مشدودة ممطوطة . فقد أفسد عليه هذا الشعور طبيعة عمله وجعله هو الآخر يحاول أن يقترب من شوقي وأن يبتعد عن طريقته حتى انتهى إلى هذا الوضع الذي تلمس فيه نفحة الشاعرية وروح الفن مطموسة بين أمشاج من الصناعة الزائفة
وتستطيع أن تدرك مدى رقة النغم حين تمزج بدقة الشعور وجمال الإحساس في أبيات قالها حافظ تحت عنوان "وراء الشباب" ... فلا تجد هاهنا سوى صناعة أصيلة ولغة تعبر عن سمو روحه وشفوفية احساسه ووقدة شاعريته . فقد انطلق هنا مع شعوره الوافر إزاء بيت كان يقطنه أيام الشباب وسط بقاع مزروعة في إحدي ضواحي القاهرة .
كَم مَرَّ بي فيكِ عَيشٌ لَستُ أَذكُرُهُ وَمَرَّ بي فيكِ عَيشٌ لَستُ أَنساهُ
وَدَّعتُ فيكِ بَقايا ما عَلِقتُ بِهِ مِنَ الشَبابِ وَما وَدَّعتُ ذِكراهُ
أَهفو إِلَيهِ عَلى ما أَقرَحَت كَبِدي مِنَ التَباريحِ أولاهُ وَأُخراهُ
لَبِستُهُ وَدُموعُ العَينِ طَيِّعَةٌ وَالنَفسُ جَيّاشَةٌ وَالقَلبُ أَوّاهُ
فَكانَ عَوني عَلى وَجدٍ أُكابِدُهُ وَمُرِّ عَيشٍ عَلى العِلّاتِ أَلقاهُ
إِن خانَ وُدّي صَديقٌ كُنتُ أَصحَبُهُ أَو خانَ عَهدي حَبيبٌ كُنتُ أَهواهُ
قَد أَرخَصَ الدَمعَ يَنبوعُ الغَناءِ بِهِ وا لَهفَتي وَنُضوبُ الشَيبِ أَغلاهُ
كَم رَوَّحَ الدَمعُ عَن قَلبي وَكَم غَسَلَت مِنهُ السَوابِقُ حُزناً في حَناياهُ
لَم أَدرِ ما يَدُهُ حَتّى تَرَشَّفَهُ فَمُ المَشيبِ عَلى رَغمي فَأَفناهُ
قالوا تَحَرَّرتَ مِن قَيدِ المِلاحِ فَعِش حُرّاً فَفي الأَسرِ ذُلٌّ كُنتَ تَأباهُ
فَقُلتُ يا لَيتَهُ دامَت صَرامَتُهُ ما كانَ أَرفَقُهُ عِندي وَأَحناهُ
بُدِّلتُ مِنهُ بِقَيدٍ لَستُ أُفلَتُهُ وَكَيفَ أُفلَتُ قَيداً صاغَهُ اللَهُ
أَسرى الصَبابَةِ أَحياءٌ وَإِن جَهِدوا أَمّا المَشيبُ فَفي الأَمواتِ أَسراهُ
وهذا الشعر يعبر عن إنسانية دفينة وعن تجربة حية ، ويؤدي كل ما نرجوه من الشاعر في غير ما جلية ولا ضوضاء .
فالمطوب من الشاعر إذا أن يكون متمتعا يقدر من الحساسية الذي يؤهله لان يتأثر وأن يحاول التأثير ، وأن يناحي فيحسن المناجاة ، ولا علينا - بعد هذا - إن أقام الدنيا وأقعدها أو لم يقم الدنيا ولم يقعدها . فشتان بين الشعر وطبل المسحراتي !
شوقي وحافظ هما مثال للشاعر النائه بغير فن خاص ولا فكرة نقدية ، وهما الدليل على أن صنعة الشعر لا تقف عند الحد الظاهر اللامع البراق ، وإنما تدق وتدق حتى لتبدو في النهاية عمقا وأصالة وخفة روح . وهما يعد هذا أو قبل هذا ؛ تجربة في تاريخ شعر هذه الأمة .. لنا أن نستهديها ، ولنا كذلك أن نبذها ؟ ولكننا لن نكون ذوى أقدار في عوالم الشعر ومجالات الفن إن لم تنظر إليهما بعين العبرة والرغبة في الاستفادة ، ولم تسكرنا الهوايات الشخصية والمتع الفردية عن حقيقة الفن الأصيل النابض بالحياة.

