الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 678الرجوع إلى "الثقافة"

دراسات أدبية :, على محمود طه

Share

يا مرسل النغم العالي صدي ورؤي

ينصب في أذن الدنيا وينساب

غنت به ضفتا الوادي ورجعه

من ألسن الشرق أشهاد وغياب ) ١ (

أي علي يا شاعر الجندول الحزين ما زالت أغانيك تملأ فراغ الكون وتتردد على كل لسان ، وما زالت ذكراك ماثلة أمام قلبي في كل وقت تزكيها هذه الأغنيات الحالمة التي ترددها إذاعات العالم في كل ساعة من نهار وليل ، ومازلت تحتل مكانك من مدرسة الشعر العربي الحديث التى كنت أحد دعائمها وتلاميذها المخلصين . بل كنت أبرزهم طرا وأعمقهم اثرا وأبعدهم ذكرا !

وكم نفس عليك هذه المكانة من عالم الشعر ، الكثير من الشعراء والأدباء وغيرهم ، وكم من قائل : " كيف يسلك هذا الدخيل مسالك الشعراء ؟ " وكأن العاطفة الفياضة وقف على قوم دون آخرين أم كأنه ليس للمهندس أو الطبيب أو غيرهما من أصحاب المهن في الحياة أن يعبروا عن مشاعرهم ادبا أو شعرا .

وكم من الناس حالت دونهم ظروف الحياة ، وبين ما يبتغون من عمل في الحياة أو طريق . . وهل علي طه إلا أحد هؤلاء الذين حولتهم ظروف العيش إلى غير وجهتهم الأولى ؟

لقد ولد بيلدة المنصورة في شهر يوليه سنة ١٩٠١ في بيت من بيوتها العريقة ، إلا أن أباه كان تاجرا غير ذي ثراء ، وقد توفي عنه وهو في التاسعة من عمره ، فكانت وفاته صدمة أليمة للطفل ولأسرته ، إذ أثرت على مورد دخلها تأثيرا كبيرا ، ولعلها أذاقته ضروبا من الحرمان الباكر

الذي أثر في حياته وشعره . . وأول هذه الآثار وأعمقها التحاقه بعد أن نال شهادة الدراسة الابتدائية بمدرسة الفنون والصناعات الخديوية ببولاق ليختصر طريقه إلى الحياة العملية وقد عمل بعد تخرجه فيها كمهندس للمباني بمصلحة المباني الأميرية ثم مديرا لقسم المباني والمعارض بوزارة التجارة والصناعة ، فوكيلا لمتحف فؤاد الأول الزراعي ، فمديرا لمكتب رئيس مجلس النواب .

كانت شخصية الشاعر المرحة الجذابة تضفي علي كل وظيفة تقلدها مركزا ممتاز مهما صغرت ، وتحيطه هو بالإ كبار والتقدير لما امتاز به من خلق جميل وتواضع عف وحديث عذب .

وكان عمله كوكيل لدار الكتب المصرية آخر منصب تقلده في حياته الدنيا ، ولم تنقض على التحاقه به أشهر معدودات حتى اختطفته يد المنون في السابع عشر من نوفمبر سنة ١٩٤٩

بيئة الشاعر

ولد على طه ومات في النصف الأول من القرن العشرين وما إن شب عن الطوق وبدأ يتلمس طريقه في الحياة حتى وجد أن كل ما حوله في الوطن ثأثر على وضعه . . هذا خليل مطران يتزعم ثورة في الشعر ، وهؤلاء طه حسين والعقاد والمازني يحاولون هدم ما تواضع عليه القوم وما قدسوه من وظائف الأدب العربي وأوضاعه ، بينما قاسم أمين يتزعم ثورة اجتماعية داعيا نصف الأمة للخروج إلى العمل والسفور بعد طول حجاب . . وها هي ذي أصداء دعوة محمد عبده للتجديد في المجال الديني ، بل ها هي ذي الأمة كلها تثور ضد الغاصب المفتات على حقوقها ، وجميع قيم الحياة في القطر تتغير وتضطرب أمام ناظرية . يري الشاعر كل ذلك ويلمسه ويدرك بعقله وعاطفنه

حيرة بيئته وتذبذيها بين الأخذ بمدنية الغرب وتقاليد الغرب وعادات الغرب وبين الاحتفاظ بمقوماتها الشرقية وتقاليدها الموروثة ، وبين الاندفاع في تيار اللاديية الغريبة أو الإبقاء على روحانية الشرق الكريمة ، ويري النساء المصريات يحاولن نزع الحجاب عن وجوههن لكن يشفقن من ذلك حياء " ويخشين النقد والتجريح فيقع هو نفسه في حيرة أو بالأحري تنعكس على وجدانه الحساس صور هذه البيئة .

وحين يتحدث الدكتور طه حسين باشا من ديوان (الملاح التائه ) يصور لك حيرة الشاعر قائلا : وكما أن معرفتي لشاعرنا المهندس قد أرضتني فلأن شخصيته الفنية محببة إلي حقا ، فيها عناصر تعجبني كل الإعجاب ، وتكاد تفتنني وتستهويني  فيها خفة الروح وعذوبة النفس وفيها الحيرة العميقة الطويلة العريضة التي لاحد لها ، كأنها محيط لم يوجد على الأرض . ولقد صحبت الملاح الثائه في قصيدة ( الله والشاعر ) فأحسست كل هذا الذي صورته لك آثما ، ورأيت رجلا لا هو بالشاك المطمئن إلي الشك ولا هو بالمستيقن المطمئن إلى اليقين . ولا هو بالمنكر المستريح إلي الانكار ! وإنما هو رجل مضطرب حقا ، مضطرب أشد الاضطراب ، يؤمن بالقضاء والقدر ، ثم يثور بالقضاء والقدر ، يرضي أحكام الله ثم يجادل فيها . يشكو ثم يستسلم ، ويستسلم ثم يشكو رجل حائر دائر هائم لا يستطيع أن يستقر ، وأكبر الظن أنه لو استقر لكان أشقى الناس ، فهو سعيد بحريته مغتبط بهيامه مبتهج بهذا التيه الذي دفعته إليه نفس طموح جدا ، لأنها نفس شاعر ، عاجزة جدا لأنها نفس إنسان ( ١ ) .

يبدأ على طه قصيدته ( الله والشاعر) التي مثل حيرته أروع تمثيل يطلب المغفرة من الله نازل به اللسان في صورة الغضب وآلام الحيرة .

لا تفرقي يا أرض لا تفرقي         من شبح تحت الدجى عابر

ما هو الا أدمي شقي             سموه بين الناس بالشاعر

طغي الأسي الداوي على صوته   يا للصدى من قلبه الناطق

مضي يبث الدهر في خفقه        شكاية الخلق إلى الخالق

لا تعدني يا رب في محنتي                ما انا الا ادمي شقي

طردتني بالأمس من جنتي               فاغفر لهذا الغاضب المحنق

حنانك اللهم لا تغضب                أنت الجميل الصفح جم الحنان

ما كنت في شكواي بالمذنب            ومنك يا رب أخذت الأمان

ثم يمضي بنفس الأعذار لأخطائه ونزواته فيقول : -

تمردت روحي على هيكلي                  وهيكل الجسم كما تعلم

ذلك الضعيف الرأي لم يفعل              إلا بما يوحى اليه الدم

ومثلما قدرت صورتها                      فروحك الصوت وروحي الصدي

طبيعة في الخلق ركبتها                     وما أرى لي في بناها يدا

لكنها روحك من جوهر                   صاف وروحي ما صفت جوهرا

أولا ، فما للخير لم يثمر                   فيها ؟ وما للشر قد أثمرا

تقول روحي إنها ملهمه                    فهي لما قدرته متبعة

مقودة في سيرها مرغمه                   وإن تراءت حرة طيعة

ومع كل فلست بأول مخطيء ، بل إن الخطيئة إرث في دمائي قديم : -

ولم اكن أول مغري بما               أغريت حواء أو آدم

إرث تمشي في دمي منهما            ميراثه ينتظم العالما

لكن هذه الثورة في القصيدة تنتهي بالشاعر إلي أن يعود إلي ربه فهو الملجأ من كل أمر عسير : -

ما عرفوا في صعقات الردي               إلاك من غوث ومن منجد

ولا سري في الأرض منهم صدي           إلا ودوى باسمك الأمجد

يقف طه حسين باشا عند هذه المقطوعة من الشعر ليستنتج لنا أن حيرة على طه مبعثها تردده بين الشك واليقين . بين الإيمان وبين الثورة على هذا الإيمان ؛ بينما يذهب الأستاذ أحمد حسن الزيات بك في تعليل هذه الحيرة إلى ما كان يعانيه الشاعر في صدر حياته من آلام الكبت والحرمان ، الحرمان من الحب والمرأة في سن لا ينشد فيها الشاب غير الحب ولا يبصر سوى الجمال ولا يسعى إلا إلى اللذة ولا يحس الوجود إلا قصيدة من الغزل الهادي الرقيق يهتز لها الكون طربا .

ومرجع هذا الكبت والحرمان إلي ظروف البيئة في الربع الأول من هذا القرن ؛ فهذه البيئة سواء في محيط الأسرة أو المدرسة أو المجتمع تبعث على الانطواء وتدعو إلي التكبل بكل قيد من القيود ؛ فالتقاليد الموروثة تعرض على الشباب فرضا بما فيها من نظم عنيفة وأساليب صارمة ؛ وكل عبث بهذه التقاليد عبث بقواعد الشريعة والعرف والآداب والأذواق ؛ حتى إذا خطر للشباب شئ من التجديد في وسائل العيش ومظاهر الزي وطرائق التفكير كان ذلك في رأي القانمين على أمرهم خروجا علي النظام وثورة علي الاحتشام واندفاعا إلى هاوية الغي والفساد ، وانحرافا عن معاني الفضيلة ومناهج الأخلاق .

وكانت بيئة انعدم فيها الاتصال الكامل بين الرجل والمرأة حين وقفت التقاليد المورونة وبقايا الحجاب سدا هائلا وجدارا منيعا بين الشباب من الجنسين ( ١ ) .

ولم يجد علي طه ما يفرج عن آلام نفسه سوي إرسال قصائده الحزينة التي يفرضها إلى مجلة " السفور " التي كان يشرف عليها الأستاذ الزيات في ذلك الوقت ؛ ولقد تلقى أولى قصائده وعنوانها ( الأمسية الحزينة ٢ ) قفلا من الامضاء ( ٢ ) فصحح ما فيها من أخطاء وقدم لها بضعة أسطر تنبأ فيها بنبوغ الشاعر ونصح له أن يرفد قريحته السخبة بمادة اللغة وآلة الفن . وأخذ عليه هذا الروح الحزين الذي يحمل عليه قيثارة المرح والشباب ؟ لكن أنى للشاعر أن يظفر بهذا المرح والزيات نفسه الذي ينصحه لم يستطع الظفر به في ظروف البيئة المشابهة . هذه البيئة الانطوائية ذات المزاج الحزين ، فالزيات يصف هذه البيئة وأثرها في نفسه في المجلد الأول من " وحي الرسالة " فيقول :

" تسألني : لماذا ترجمت قرنر والجواب عن هذا السؤال حديث والحديث غدا سيكون قصة وليس يعنيك

اليوم منها إلا ما نجم عنها ، قال حبته يوما لصديقه اكرمان " كل امرئ يأتي عليه حين من دهر " يظن فيه أن ( قرنر ) إنما كتبت له خاصة "

وأنا سنة ١٩١٩ كنت أجتاز هذا الحين ، شباب طرير حصره الحياء والانقباض والدرس ونمط التربية وطبيعة المجتمع في حس مشبوب يتوقد شعورا بالجمال وقلب رغيب يتحرق ظمأ إلي الحب ، ونوازع طماحة ما تنفك تجيش ، وعواطف سيالة ما تكاد تتماسك . فالطبيعة في خيالي شعر ، وحركات الدهر نغم ، وقواعد الحياة فلسفة ، وكان فهمي لكل شئ وحكمي علي كل شخص يصدران عن منطق افسد أقيسته الخيال ، وزور نتائجه المثل الأعلي . ثم غمر هذه الحال التي وصفت هوي دخيل هادئ ولكنه ملح ، فسبحت منه في فيض سماوي من النشوة واللذة ، وأحسست أن وجودي الحالي قد امتلأ وقلبي الصادي قد ارتوي وحسي الغائر قد سكن وتخيلت أن حيائي الحائرة قد أخذت تسير في طريق لاحب تنتشر على مدارجه نواضر الورود ، وترف على جوانبه نواقح الريحان وتزهو على حواشيه ألوان عبقر ، وترقص على حفافيه عرائس الحور ، وذهبت أسلك هذا الطريق السحري محمولا على جناح الهوي كأنبي ( فوست ) على جناحي ( مفيستو فاليس ) حتي ذكرني الزمان الغافل فأقام فيه عقبة اصطدم عندها الخيال بالواقع والحبيب بالخاطب والعاطفة بالمنفعة ، على أنني بقيت على رغم الصدمة حيا ولابد للحي أن يسير !

تطلعت وراء العقبة أنظر الطريق فإذا الأرض قفر والورد هوسج والريحان حمض والعرائس وحوش ، فشعرت حينئذ بالحاجة إلي الرفيق المؤنس ، ولكن أين أنشد ما أبغي وحولي من الفراغ نطاق مخيف ، وأمامي علي أسنة الصخور أشلاء وجثث ؟ هذه أشباح صرعي الهوي تتراءى لعيني وهذه أرواح قتلاء تتهافت علي . وهذه سجلات مصارعهم بين يدي ، فلم لا احدو بأناشيدهم رواحلي وأقطع بمناجاتهم مراحلي ، وألتمس في مواجعهم لهواي عزاء وسلوة !

قرأت : هيلويز الجديدة ورينية وأنالا وأدولف ودمينيك وماربون دلورم ومانون ليسكو وذات الكاميليا

وجرازيلا ورفائيل وجان دكريف . . وتوثقت بأشخاصها صلاتي ، وتصعدت في زفراتهم زفراتي وتمثلت في نهايتهم المحزنة نهايتي ، ولكنهم كانوا جميعا غيري نتفق في الوضوع ونفترق في الوضع كالنساء النوادب في مناحة تندب كل واحدة منهن فقيدها وموضوع الأسى للجميع واحد . . هو الوت .

فلما قرأت " آلام قرتر " سمعت نواحا غير ذلك النواح ورأيت روحا غير هاتيك الأرواح وأحست حالا غير تلك الحال .

فنبت في " جيته " وقادني إلهامه وروحه ، وأهبت بلغة القرآن والوحي أن تتسع لهذه النغمات القدسية فأسمعتني  بيانها الذي يتجدد على الدهر ويزهو على طول القرون .

ثم أصبح قرنر بعد ذلك لنفسي صلاة حب ونشيد عزاء ورقية هم ١١ كأنما كان ( جيته ) يناديها من وراء الغيب حين يقول في مقدمته لقرنر : وانت أيتها النفس . . إذا أشجاك ما أشجاه من غصة الهم وحرقة الجوي . فاستمدي الصبر والعزاء من آلامه ، ونفسي البر والشفاء في أسقامه ، وأتخذى هذا الكتاب صاحبا وصديقا إذا أبى عليك دهرك أو حظك أن تجدي من الأصدقاء من هو أقرب إليك وأحن عليك " .

وكان على طه أحد أفراد تلك البيئة ، فراح في صدر شبابه ينفث شكاته الملحة في أشعاره ، فهو يقول :

أيها الشاعر الكئيب مضي اللي

                             ل ومازلت غارقا في شجونك ( ١ )

مسلما رأسك الحزين إلى الفك

                            ر والسهد ذابلات جفونك

ويد تمسك البراع وأخرى

                           في ارتعاش تمر فوق جبينك

وفم ناضب به حر أنفا

                        سك يطغى على ضعيف أنينك

أنت أذبلت قلبك الغض

                         وحطمت من رقيق كيانك

ولعل أبلغ ما قاله معبرا عن شعوره بالوحدة في

مجتمعه قوله

والأرض ضاق فضاؤها الرحب

                             وخلت فلا أهل ولا سكن ( ١ )

حال الهوى وتفرق الصحب

                       وبقيت وحدك أنت والزمن

-ولقد كان على طه يعاني في صدر شبابه حرمانا آخر أشد إيلاما في نفس الشاعر الموهوب الذي يحس بمقدرته ونبوغه ؛ ذلك هو الخرمان من التقدير الذي يزكي مواهبه ويدفعه إلى الإجادة والإنتاج ، ومرجع هذا الحرمان إلى قلة القراء لاسيما هؤلاء الذين يحفلون بالشعر ، حتى خيل إليه أن الأمر مرجعه إلي جحود العبقربات في الشرق : -

أيجحد في الشرق النبوغ ويزدوي

                       ويشقي بمصر التابهون الغطارف ؟ ( ٢ )

يجوبون آفاق الحياة كأنهم

                       رواحل بيد شردتها العواصف

كما أن بيئة الشاعر كان لها أثر كبير في توجيه مطالعاته ، فلقد وجد كبار أدباء هذه البيئة ممن نهلوا من الثقافة اللاتينية ومعظمهم حينما سافر في طلب العلم قصد إلى فرنسا وحج إلى مدينة النور كما يزعمونها ، وكانت ترجمة أعمال الأدباء الفرنسيين تغمر سوق الأدب العربي لاسيما الابتداعيين منهم أصحاب المذهب الرومانتيك ، وهو المذهب الذي مهدت البيئة نفس الشاعر لقبوله بل زادته به تعلقا ، لأنه مذهب يتغلب فيه الشعور والخيال على العقل والتفكير مع روح من اليأس والتشاؤم والامتزاج بالطبيعة الخالدة - كعوض عن شعور الوحدة - إلي حد التفاني .

أما اليأس فقد تغلغل في قلب الشاعر الشاب إلى أغوار عميقة لاسيما بعد أن وقف ليواجه الحياة بمفرده فهالته حقيقتها البشعة وقسةتها العاتية التي لم تأخذها الرحمة فيما صنع له خياله المحلق من عالم مثالي جميل قوضت دعائمه حقائقها المرة .

( للبحث فية )

اشترك في نشرتنا البريدية