الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الثقافة"

دراسات إسلامية

Share

على الباحثون من المستشرقين بالدراسات الإسلامية عناية شديدة ، منذ اواخر القرن الثامن عشر ، او قبل ذلك بقليل . واستمرت هذه العناية تنمو وتزداد ، وفي هذا النمو وتلك الزيادة يتخذ نشاطهم مظاهر شتي ، ويعبر عن نفسه بمختلف الطرق متنوع الأنحاء .

ولعل أصدق مرآة للتعبير عن هذه الحركة القوية ، تلك المجلات الكثيرة المتنوعة التي يقوم باصدارها هؤلاء الباحثون . فهذه المجلات دورية تصدر بانتظام ، وتذيع على الناس آخر ما قام به هؤلاء من بحث ، واحدث ما انتهوا إليه من نتائج ، وهي تلتقط ما ينتجونه أولا فأولا ، وتغذي به القراء في غير ما تباطؤ ولا انقطاع . ومن أجل هذا كله فليس بد من أن يلم الإنسان بما فيها . ويتابع ما ينشر على صفحاتها ، وإلا كان متخلفا عن زمنه ، قديما في أفكاره وآرائه ، بعيدا عن أن يساير الحركة والتطور . ومن أجل هذا أيضا عقدنا العزم على كتابة هذه الفصول القصيرة التي نلخص فيها أهم البحوث التي تنشرها المجلات الغربية ، أو المجلات الهندية المستغربة التي تعني بالدراسات الإسلامية وحدها ، أو إلي جانب عنايتها بالدراسات الشرقية الآخرى علي وجه العموم ، سواء من هذه المجلات ما يكتب بالإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية ، أو الايطالية ، وهي اللغات التي يكتب بها اشهر مجلات المستشرقين وأخلقها بالعناية والدرس .

ولكن قبل القيام بهذا التلخيص يثويه النقد ، ويتخلله التعليق ، نود ان نتحدث في إنجاز عن هذه المجلات وعن الطابع الذي بطبع اشهرها وأكبرها قيمة .

وهذا الطابع يختلف اختلافا كبيرا ، يرجع إما إلي من يكتبون فيها ، والدوافع التي تدعوهم إلي هذه الكتابة ، وإما إلي الغرض الحقيقي من المجلة نفسها . فهناك مجلات لم يقصد بها وجه العلم في شيء ، وإنما قصد بها الدعاية لدين من الأديان أو مذهب معين من مذاهب الفكر أو مذاهب الدين . وهناك محلات أخري ندأب علي النيل من دين آخر والحظ من قدره وقدر الأمة التي تدين به ، أو التحقير من شأن حضارة من الحضارات وجنس من الأجناس . وعلى العكس من ذلك توجد مجلات أخري ، هي في الواقع أكثر مجلات المستشرقين ، وهي وحدها التي ستعني بتلخيصها والتحدث عنها هنا ، لا يقصد بها إلي شئ آخر غير نشر البحوث العلمية الصرفة ، والنتائج المنطقية الصحيحة التي يهتدي إليها العلماء من المستشرقين ، فطابعها إذا طابع علمي صرف ، والنزاهة من الغرض أول صفة من صفاتها . ومن أجل هذا تري أن الرابطة بين كتابها ليست رابطة إعان مشترك ، وعقيدة يعملون بها ولأجلها ، وإنما هي تلك الرابطة التي تربط بين طائفة من الناس ، همهم الكشف عن الحقيقة ، والوصول إلي إدراك الأمور إدراكا صحيحا ، وفهمها فهما بطابق الواقع قدر الإمكان ؛ وبين هذين النوعين المتعارضين من المجلات يوجد نوع ثالث لا يخلو من الدقة العلمية ، ولكنه بقصد به ، في خفة وفي لطف ، وبالإشارة والإيماء دون التصريح والأفصاح ، أن يخدم السياسة ، وأن يسهل مهمة القائمين بأمرها .

ومن النوع الأول مجلة كمجلة " العالم الاسلامي " التي يصدرها زومير ، فهي محلة دعاية مسيحية ، قبل ان تكون

مجلة علمية ، ومن أجل هذا لا بد أن تؤخذ كتابانها بحذر شديدة ، وان تفهم بحوثها على هذا النحو ، وستهمل هذا النوع إهمالا تاما .

ومن النوع الثالث والأخير مجلة كجلة " الدراسات الاسلامية " التى يديرها الأستاذ لويس ماسينبون وتصدر كل ثلاثة أشهر لدي ناشر الكتب الشرقية المشهور بول جبتر , ولا يهمنا هذا النوع إلا قليلا ، وستحفل منه بما يكتب خاصا بنقد الكتب التي تظهر حديثا .

أما النوع الذي سنوجه إليه كل عنايتنا ، والذي من أجله أردنا أن نكتب ما سنكتب فهو النوع الثاني ، وهو النوع العلمي الخالص . لأن هذا النوع وحده هو الذي يستطيع الإنسان أن يطمئن إليه ، وأن يثق بما يكتب علي غراره . ولأنه وحده الذي نستطيع أن ننتفع به علميا ، فنعرف على أي منهج يسير المستشرقون في بحوثهم ، وتكون على علم بما اهتدوا إليه من نتائج ، وما كشفوا عنه من نواحي غامضة ، استطاعوا أن يلقوا عليها ضوءا قويا ساطعا يده ما يحيط بها من ظلام وإيهام ، فهناك البحوث الفيلولوجية الدقيقة والتي تبين إلي أي مدي نستطيع أن ننتفع بالمنهج الفيلولوجي في الدرس والبحث ، وهناك الدراسات المركزة لناحية من نواحي تاريخ الحضارة الإسلامية ، أو تاريخ الإسلام نفسه ، أو تاريخ العرب في مختلف عصورهم . وهناك الدراسات العامة للمسائل الدينية كحياة النبي (ص) وشخصيته والمذاهب الكلامية الإسلامية ، والتصوف ، والزندقة ، والشريعة ، وامتزاج الحضارات المختلفة ، والثقافات المتباينة بالحضارة الاسلامية والثقافة العربية . وأخيرا هناك فصول قيمة تكتب عن حياة شخصية من الشخصيات الاسلامية الكبرى في الفلسفة أو في الدين أو في التشريع . ثم كتب مخطوطة تنشر ويتناولها الناشرون بالبحث والتعليق

هذه كلها نماذج مختلفة للدراسات التي تنشر بهذا

النوع من المجلات العلمية القيمة والتي نود الآن أن نتكلم عنها في اختصار .

كان أشهر المجلات الاستشراقية في القرن التاسع عشر مجلتان : الأولى " المجلة الأسيوية " ( ١)  ثم " مجلة الجمعية الشرقية الألمانية " ( ٢ ) . أما المجلة الأولى فتصدرها الجمعية الأسبوعية في فرنسا ، ورئيسها اليوم مسبو بليو ، وقد بلغت حتى هذا العام المجلد الحادي والثلاثين بعد المائة . وكانت عنايتها طوال ذلك القرن بالدراسات الإسلامية كبيرة ، أما اليوم فقد أصبحت هذه الدراسات لا تشغل إلا جزءا صغيرا من نشاطها وبحوثها . وكانت بحوث كبار المستشرقين الفرنسيين ، أمثال دي ساسي ، وكاترمير وهيوار ، وكارا دي قو ، تنشر فيها . ويقابل هذه المجلة في انجلترا وإيرلدة مجلة اسمها بشابه هذا الاسم وهي " مجلة الجمعية الأسبوبة الملكية (٣)  وتصدرها أيضا الجمعية الأسيوبة الملكية بإنجلترا وإيرلدة ، وأول مجلد منها ظهر في سنة ١٨٢٧ ، أما الجمعية نفسها فقد تأسست سنة ١٨٢٣ وكلتاهما ( الفرنسية والإنجليزية ) تصدران كل ثلاثة أشهر . ومقالات الأولى تكتب كلها بالفرنسية ، ومقالات الثانية تكتب كلها بالإجليزية ، وبرمز للأولي بالحروف JA وللثانية بالحروف JRAS .

أما المجلة الأخرى وأعني بها " مجلة الجمعية الشرقية الألمانية فتصدرها " الجمعية الشرقية الالمانية " ويشرف على إصدارها اليوم باسمها بول كالي ، الأستاذ بجامعة بون . وقد بلغت حتى هذا العام المجلد الثالث والتسعين . ولو ان الجمعية التي تصدرها ألمانية ، إلا أن المقالات التي تنشر فيها تكتب بلغات اخري غير الألمانية على حسب المؤلفين لهذه المقالات ، فكل منهم يكتب بلغته الأوربية طبعا ،

ولكن علي وجه العموم لا يكتب فيها إلا باللغات الأوربية الشائعة ، وهي الالمانية والانجليزية والفرنسية والإيطالية ويرمز إليها بالحروف ZDMG.

وكان لهذه المجلات اكبر الأثر في حركة الاستشراق في القرن التاسع عشر ، وكانت البحوث الى تنشر فيها بحوثا قيمة جدا ، أما منذ اواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين ، فقد بدأت مجلات اخرى تحتل المكانة التى احتلتها هذه المجلات الثلاث من قبل ، حتي لم يعد لها أثر كبير من الناحية العلمية ، ولم يعد بوجه إلي البحوث التى تنشر فيها عناية خاصة من كبار المستشرفين ، فلا يكتب فيها اليوم إلا المتوسطون ، ونادرا ما يكتب فيها مستنشرق كبير . ولا يستثني من الثلاث جميعا إلا " مجلة الجمعية الشرقية الالمانية " فإنها ، وإن لم تعد مكانها القديمة باقية لها ، إلا أنها لا زالت تنشر القيم من البحوث ، ولا زال العلماء يقدرونها حق قدرها .

وأول هذه المجلات الجديدة التي دخلت ميدان الدراسات الشرقية والاسلامية " محلة فينا لمعرفة الشرق "(١) وهذه المجلة يصدرها " المجمع الشرقي " بمدينة فينا ويشرف علي إخراجها اربعة من العلماء هم فكتور كرستيان وفليلهم شر ماك وهرمان يونكر وبول ركز تشمر وقد بلغت المجلد الخامس والأربعين في هذا العام . وتصدر في الأصل بالألمانية ولكن تنشر فيها أيضا مقالات باللغة الانجليزية والفرنسية والأيطالية . واتجاهها إلي البحوث اللغوية الصرفة والدراسات الفيلولوجية اظهر من اتجاهاتها الأخرى وهو الطابع الغالب عليها . وحجمها اكبر من حجوم المجلات السابقة . وفي كل سنتين يصدر مجلد واحد يحوي أربع كراسات ، ورمزها wzkm

ثم " مجلة الدراسات الشرقية " (٢) وبصدرها أساتذة

" المدرسة الشرقية في جامعة روما " فهي إذن في الأصل مجلة إيطالية تعبر عن نشاط المستشرقين الايطاليين أولا وبالذات ، ومع ذلك فهي تنشر بحوثا باللغات الأخرى التي ذكرناها آنفا لمستشرقين عديدين مختلفي الآمر والإجناس . ومحلها الاخير هو المجلد الثامن عشر ويصدر في سنة ١٩٣٨-١٩٣٩ . وعناية هذه المجلة بالدراسات الإسلامية أكبر من عناية المجلات السابقة بكثير بفضل من يكتبون فيها ، ومعظمهم من كبار المستشرقين وخصوصا الإيطاليين منهم امثال الماسوف عليه ، زعيم المستشرقين في السنين الأخيرة ، كارلو الفونسو نلينو ومثل ميكلنجلو جويدي وفرنشكو جبريلي . ويرمز إليها بالحروف RSO

ولكن هذه المجلات كلها التي تحدثنا عنها حتى الآن ليست خاصة بالدراسات الاسلامية وحدها ، إنما هي تعني بالدراسات الشرقية كلها على وجه العموم . كما أن بعضا منها مثل " مجلة الدراسات الشرقية " تكتب فيه بحوث افريقية مثل ما يكتب عن الحبشة وهو كثير ، خصوصا بعد سنة ١٩٣٥ أي منذ استيلاء إبطاليا على الحبشة وحروبها معها . أما المجلة الخاصة بالدراسات الاسلامية وحدها دون غيرها من الدراسات الشرقية فهي مجلة " الاسلام " ( ١ )

أنشأ هذه المجلة كارل هيترش بكر سنة ١٩١٤ . وبكر هذا مستشرق مشهور وسياسي معروف ، تقلب في المناصب السياسية حتى كان وزيرا مرتين ، وقد اسس هذه المجلة حينما وكل إليه امر " معهد همبرج الاستعماري " الذي أنشئ في سنة ١٩١٣ . وظل يديرها حتي توفي في ١٠ فبراير سنة ١٩٣٣ وحينئذ اسندت إدارتها إلي الاستاذ . شتروتمان الذي لا يزال يديرها حتى اليوم . وقد بلغت هذه المجلة هذا العام المجلد السادس والعشرين وتطبع كل عام في أربع كراسات غالبا بنسبة كراسة كل ثلاثة أشهر ويرمز إليها بالحروف ISI .

وكما قلنا من قبل ، تعنى هذه المجلة بالدراسات الإسلامية خاصة ، فأبحاثها ومقالاتها تتعلق بتاريخ الشرق الاسلامي وحضارته ، تتناول هذا كله بدراسة بعض نواحيه والمسائل الغامضة فيه سواء في الأدب او في التاريخ او في الكلام والفلسفة او في العلم او في التشريع . ومعظم أبحاثها تكتب بالإلمانية ، ولكن للغات الأخرى ايضا مكانها فيها .

ومثل هذه المجلة في اقتصارها على الدراسات الاسلامية فحسب مجلة ذات طابع اخر مغاير لطابع المجلات السابقة كلها ، وأعني بها مجلة " الثقافة الاسلامية ( ١ ) فبينما المجلات السابقة تصدر في أوربا ، تصدر هذه في حيدر أباد الدكن  في الهند ، وبينما يتوفر علي إخراج المجلات الاولى مستشرقون أوريبون ، يقوم بإخراج هذه المجلة جماعة من الشباب الهندي المثقف في أوربا ، ويشرف علي نشرها وطبعها أسعد فيس . يصدرونها باللغة الانجليزية ، وتكتب مقالاتها كلها باللغة الانجليزية ، ويقوم بالكتابة فيها إلي جانبهم طائفة من كبار المستشرفين الأوربيين ، وهذه المجلة تصدر كل ثلاثة أشهر ، وقد بلغت في هذه السنة المجلد الثالث عشر ، وحجمها أكبر حجوم مجلات المستشرقين .

وتعتينا هذه المجلة هنا من ناحيتين ، ولو انها مختلف عن كل المجلات الاخري التي عنينا بالتحدث عنها في هذا المقال . أما الناحية الأولى فهي أنها تقدم لنا معشر المصريين نموذجيا حبا للنشاط الذي يبذله شباب شرقي مثلنا في ميدان الدراسات الاسلامية والبحوث العلمية الخاصة بتاريخ الاسلام وحضارته ومذاعبه وفلسفته . وعلي الرغ من ان ابحاث هؤلاء الشباب الهنود ليست بذات قيمة علمية كبيرة ، إلا ان فيها مع ذلك بعض البحوث الجيدة مثل بحوث الرحوم محمد إقبال وحسين الحمداني وحميد الله أما الناحية الثانية التي من أجلها سنعنى مهذه المجلة فهي انه

إلي جوار مقالات هؤلاء الشبان الهنود يكتب في هذه المجلة بعض المستشرقين فضولا قيمة ، والبعض منها جيد جسدا مثل ما يكتبه الدكتور جوليوس روسكما الأستاذ جامعة برلين ، والدكتور ماكس ما يرهوف ، صاحب الابحاث المشهورة في تاريخ الطب العربي ، والاستاذ الدكتور سالومون يينس .

ولا نستطيع أن نختتم هذا الفصل دون أن نتحدث عن مجلة اخري لها مكانتها بين مجلات المستشرقين ، وأعني بها مجلة "الشرقيات"(١)  التي يصدرها اساتذة " العهد البابوي للكتاب المقدس " في روما . ومجلدها هذا العام هو المجلد الثامن . والغرض الذي من أجله أنشئت هذه المجلة هو البحث العلمي لكل ما يتعلق بالشرق القديم جميعه من الناحية الفيلولوجية والتاريخية والدينية والفنية والأثرية والجنسية الخ . ويطبع منها في كل سنة مجلد يحتوي علي قرابة ٣٥٠ صفحة ، يصدر في اربع كراسات . ولو ان الذي يشرف على إصدارها معهد ديني مسيحي إلا أن أبحاثها علمية خالصة يراد بها وجه العلم الصحيح والحقيقة وحدها . وهذه الأبحاث قيمة للغاية وتمتاز بعمقها ودقتها . ويكفي ان نذكر من بين كتابها الآساتذة سيمون وروزنتال ومتفوخ.

هذه هي أشهر مجلات المستشرفين تحدثنا عنها في إيجاز شديد كي تعطي للقارئ صورة عامة عنها قبل ان يتخذ منها مادة للتلخيص وموضوعا للنقد في الفصول التالية .

اشترك في نشرتنا البريدية