الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 258الرجوع إلى "الثقافة"

دراسات اقتصادية من كتب الشريعة الاسلامية، التسعير الإلزامى، عند ابن قيم الجوزية

Share

تمهيد : كان ظهور أنصار حرية الناس المطلقة في أعمالهم واتجاهاتهم ، بعد أن ساد في أوروبة مذهب التجاريين القائل بالحد من نشاط الأفراد الاقتصادي في سبيل حفظ الثروة العامة وزيادتها ، فاتحة المعركة الدولية لمختلف المذاهب الاقتصادية التي ما زالت محتدمة حتى يومنا هذا ؟ والحرب الحاضرة مهما كانت بواعثها وغاياتها ، إنما هي معركة نظم اقتصادية قبل كل شئ ، وهي في أهم صورها نزاع دولي لتأمين أو حفظ المجال الحيوي الاقتصادي للدول المشتركة فيه . وبالرغم من أبحاث قدماء ، الإغريق الاقتصادية ، وعدم إهمال المشرعين الرومان لبعض النواحي الهامة في علم الاقتصاد فإن العلماء المحدثين يؤكدون بأن الأفكار الاقتصادية المنسجمة لم يعرفها العالم قبل أبحاث التجاريين في القرن

السادس عشر الميلادي (1)

فإذا كان التجاريون نادوا بآرائهم في القرن السادس عشر ، وعارضهم الأحرار بمباديء نشروها في منتصف القرن الثامن عشر ، وقامت المذاهب الاشتراكية العلمية في القرن التاسع عشر ، وظهرت المبادئ الفاشستية في القرن العشرين ، فما هو موقف الفقه الإسلامي من المسائل الاقتصادية المختلفة ؟ وهل عالج العلماء المسلمون شيئا منها معالجة شديدة ؟ وهل كان عندهم من الآراء الاقتصادية ما ينفي عدم ظهور الفكر الاقتصادى المنسجم قبل القرن السادس عشر ؟

لست أدري إن كان أحد ممن كتب في المواضيع الاقتصادية سبق وأجاب عن هذه الأسئلة إجابة مفصلة شافية أم لا ؟ ولعل الأستاذ محمد صالح بك في بحثه عن " الفكر الاقتصادي العربي " المشار إليه في هامش كتاب الدكتور الرفاعي والمنشور في مجلة القانون والاقتصاد .

قد أوفى هذا الموضوع حقه ! أو لعل الدكتور محمصاني الذي قرأنا عنوان أطروحته الفرنسية ( آراء ابن خلدون الاقتصادية ) في دراسات الأستاذ الحصري (١) ، قد عالج هذه المسائل أو بعضها !

إني أترك الإجابة عن هذه الأسئلة الى فرصة ثانية ، قاصرا بحثي هذا على عرض موجز لآراء بعض العلماء المسلمين في النواحي الاقتصادية التي عالجها كل منهم فيما بين أيدينا من كتبه ورسائله . وأعرض الآن رأي أحد كبار الفقهاء السالفين في موضوع يحتل اليوم مكانا أوليا بين الأمور التي تعالجها حكومات العالم بدقة ابتغاء تأمين الرخاء المستطاع لشعوبها ، وأعني " التسعير الإلزامي " لمختلف الحاجات والمنافع ؛ لأن حالة الحرب التي عليها العالم بأسره فرضت على كل حكومة من حكوماته الإشراف  التام على نشاط جميع أفرادها في كثير من النواحي ، حتى بلغ الأمر في دول محاربة أن قضت المصلحة العامة فيها " بمصادرة ؟ خدمات جميع سكانها لأغراض الجيش العسكرية ، وهذا ما يعبرون عنه " بتعبئة الأمة الكاملة لكسب الحرب

كتاب الطرق الحكمية

بين يدي الساعة كتاب " الطرق الحكمية " لابن قيم الجوزية المتوفي سنة ٧٥١ ه ، وهو من خيرة كتب السياسة الشرعية التي وضعها الفقهاء المسلمون لإرشاد ولاة الأمر إلى اقوم السبل لتأمين المصالح العامة ، والقضاء بين الناس بالعدل وفقا لمقاصد الشريعة الإسلامية وتعاليمها الرشيدة

وابن القيم في كتابه هذا - كعادة فقهاء زمانه - يعالج كثيرا من المسائل المتباينة معالجة متداخلة ، نلمح من خلالها أثقب الآراء وأدق الأفكار ، وهو يقر أو يضع كثيرا من الأصول والقواعد ، كالتفريق بين الشهود عند الاستجواب مثلا ، وغيرها من القواعد التي تعتبر في العصر الحديث من الأسس القانونية الهامة

وقد تعرض مؤلف الطرق الحكمية لنواح اقتصادية عديدة كتأثير العرض والطلب على الأسعار ، وواجبات السلطان في الترفيه عن الناس ؛ وكان من المسائل التي عالجها كواجب من واجبات اولى الامر قضية التسعير والمصادرة " التالي عرضها ملخصا مرتبا

اشراف الدولة على الاسعار

ان تنظيم الحياة الاقتصادية يعتبر من أهم واجبات الحكومة ، خاصة في الأزمات الطارئة كوجود الأمة في حالة حرب مع أعدائها ، وذلك لتأمين الرخاء العام لأبعد مدي ممكن بما يتناسب والمنتوجات الداخلية ، والأسواق العالمية وظروف المبادلات الخارجية ، وواجب الحكومة هذا يتضمن قبل كل شئ مراقبتها للتجارة والأسواق ، ومنع الاحتكار والإشراف على الأسعار ، وتحديدها عند اللزوم حدا لأطماع التجار ، ورأفة بعامة الناس . وقد عقد ابن قيم الجوزية فصلا خاصا عالج فيه موجبات التسعير الإلزامى ومشروعيته قال فيه : ) وأما التسعير فمنه ما هو ظلم محرم ومنه ما هو عدل جائز ، فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه أو منعهم مما أباح الله لهم فهو حرام ، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل اكراههم على ما يجب عليهم من المعارضة بثمن المثل ، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل ، فهو جائز بل واجب ( . ثم يضرب ابن القيم الأمثلة على التسعير الظالم ، ويأتي بالحديث الشريف المانع من التسعير ، مبينا أن واقعة ذلك الحديث هي واقعة معينة رفض الرسول صلى الله عليه وسلم أن يسعر للناس حاجاتهم فيها ترجيحا منه عليه الصلاة والسلام للعدل الذي رآه وقتئذ ، وبعد ذلك يقول عن التسعير الواجب على أولى الأمر أن مثله ) أن يمنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة ، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل ، ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل ، والتسعير هنا إلزام بالعدل الذي ألزمهم الله به ( .

وجوب العد ل عند التسعير

ولا يفوت ابن القيم ان ينص على أن السعر الإلزامي يجب ان يكون عادلا غير مجحف بحقوق التجار ، وهو ينقل عن ابى الوليد النص على واجب الحاكم في مراعاة اصناف المسعر ، وبأن يكون السعر واحدا لكل صنفين متساويين من الحاجات ) أما إذ اختلفا لم يؤمر صاحب الجيد أن يبيعه بسعر الدون ( ، بل على ولي الامر ان يضع لكل صنف سعرا عادلا يتناسب مع أسعار بقية الأشياء .

واشترط بعض العلماء تحقيقا للعدل عند التسعير الإلزامي مراعاة الثمن الذي اشتري به التجار ، فقال ابن حبيب : ) ينبغي للأمام ان يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشئ ، ويحضر غيرهم استظهارا على صدقهم فيسألهم : كيف يشترون ، وكيف يبيعون ، فينازلهم إلي ما فيه لهم وللعامة سداد ( قال أبو الوليد : ) ووجه هذا ان يتوصل به إلى معرفة مصالح  البائعين والمشترين ، ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم ، ولا يكون فيه إجحاف بالناس (

التسعير لمصلحة العامة

واذا كان العدل فى التسعير واجبا ويؤخذ فيه بعين الاعتبار إنصاف التجار وعدم حرمانهم من أرباح كافية لهم ، فإن هذا العدل يجب ان ينبني دائما على مصلحة العدد الأكبر من الناس ) لأن المراعى  حال الجمهور وبه تقوم المبيعات . (

التسعير لمصلحة التجار

و من الأدلة على دقة تفكير العلماء السالفين ان ابن قيم الجورية يري بأن من موجبات التسعير الإلزامي صون التجار عن الخسارة ، لأنهم قد يشترون عند فقدان السعر الإجباري بأثمان باهظة ، معللا ذلك ) بأنهم قد يتساهلون في الشراء إذا علموا ان الربح لا يفوتهم ( فإذا نزلت أسعار السوق فاتهم ما أملوا من الربح وقد يخسرون رؤوس أموالهم كلها ، كما اثبتت لنا الأزمة الأخيرة التي حلت بتجار الشام عند ورود اخبار الإنهيار الإيطالي ، بعد أن كانت الأسعار مشتعلة من صدي بعض المعارك السابقة عليه .

التسعير لمصلحة السوق الاقتصادية  :

ومن اهم واجبات اولي الامر الاقتصادية حماية الاسواق التجارية من تدخل المغرضين ، الذين يعملون لإفساد الأسواق بإغراقها بالبضائع ، أو بالمضاربات غير المشروعة ، أو بالحط من الأثمان لطرد منافسيهم من السوق . وهذه كانت من المسائل التي عالجها كثير من العلماء ؛ وقد خصها ابن القيم في فصل خاص قال فيه : ) . . وقد تنازع العلماء في التسعير في مسألتين :  احداهما إذاكان للناس سعر غالب فأراد بعضهم ان يبيع بأغلي من ذلك ، فإنه يمنع من ذلك عند مالك ، وهل يمنع من النقصان ؟ على قولين لهم . . واحتج مالك رحمه الله بما رواه في موطئه عن يونس بن سيف عن سعيد بن المسيب ان عمر بن الخطاب مر بحاطب بن ابى بلتعة وهو يبيع زبيبا بالسوق ، فقال له عمر : إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا ، قال مالك لو ان رجلا اراد ) افساد السوق فحط عن سعر الناس لرأيت ان يقال له : إما لحقت بسعر الناس وإما رفعت . (

ولعل بعد هذا التفكير من تفكير سليم ؛ ونحن نري أن في مقدمة ما يطلب من الحكومات اليوم حماية الأسواق المحلية من شر المضاربات المفسدة له ، ومن شرور الشركات الأجنبية التي تحاول إغراق الأسواق  ببصائعها والاستيلاء عليها بفضل الأثمان المنخفضة التي تعرضها على الناس ! وكنا قبل الحرب نري كيف تسيطر البضائع اليابانية الرخيصة على أسواق  أغلب دول العالم ، مما حمل كثيرا منها على تحميل هذه البضائع أشد أنواع الضرائب والرسوم ، وفي بعضها منعت من دخول الأسواق بتاتا

حصر البيع

ينكر ابن القيم أن يعمد السلطان إلي حصر بيع صنف من الأصناف في طائفة معينة من الناس ، لأن في الحصر إضرارا بالمستهلكين وإضرارا بالمنتجين فان اقتضت المصلحة العامة ، حصر بعض الأصناف كالملح أو التبغ مثلا ، أو حدثت ظروف طارئة قضت بالحصر كما حدث في هذه الحرب بالنسبة لتجارة الورق

والمطاط وأصناف اخري ، فيقول ابن القيم عن المحصور بهم البيع أن ) هؤلاء يجب التسعير عليهم وألا يبيعوا إلا بقيمة المثل ولا يشتروا إلا بقيمة المثل . . (

السلاح والذخيرة أثناء الحرب

لما كان الجهاد للذود عن البلاد والوطن ، وللدفاع عن الدين والحرية ، من الأمور الهامة المتعلق بها كيان الأمة ، وحيث إن حالة الحرب ظرف خطر في حياة الشعوب ، وجب ان تكون تجارة السلاح تحت إشراف الدولة ، وخاصة مصانع الذخيرة وآلات الحرب ، لأن في احتكارها والتلاعب بأثمانها مايعرض الأمة كلها للخطر الفاني ، لذلك وجب تفاديا للأخطار سيطرة الدولة على كل ماله صلة بالحرب ويلزم لكسبها سيطرة تامة ؛ وابن القيم يردد هذا المعنى كثيرا في كتابه وهو يقول : ) إذا احتاج الناس إلي سلاح للجهاد وآلات فعلى أربابه أن يبيعوه بعوض المثل ولا يمكنوا من حبسه إلا بما يريدونه من الثمن . . (

الخدمات وفقد الأيدي العاملة

يقدر ابن القيم أن تحدث ظروف تقل فيها الأيدي العاملة ، وتفحش فيها الأجور ، مما بسبب اضطرابا في الحياة الاقتصادية ويشل حركة الناس ويؤخر أعمالهم ، كما حدث أثناء هذه الحرب ؟ وهو يقول في فصل خاص : ) ومن ذلك أن يحتاج الناس إلي صناعة طائفة كالفلاحة والنساجة والبناء وغير ذلك ، فلولي الأمر أن يلزمهم بذلك بأجرة المثل ، فانه لا تتم مصلحة الناس إلا بذلك . . وكذلك تجهيز الموتى ودفنهم ، وكذلك أنواع الولايات العامة والخاصة التي لا تقوم مصلحة الأمة إلا بها ( ، وفي فصل آخر يقول : ) . إن الناس إذا احتاجوا إلي أرباب الصناعات كالفلاحين وغيرهم أجبروا على ذلك بأجرة المثل ، وهذا من التسعير الواجب ( )

الاجور والمنافع

ومما يقدر ابن القيم حصوله في

ظروف خاصة أن يفتش الناس عن امكنة للسكنى فلا يجدون إلا بأسعار فاحشة لا تتناسب مع المنافع التي يحصلون عليها ، أو أن يتخذ أصحاب الدور تهديد المستأجرين بطردهم منها وسيلة لزيادة الأجور عليهم زيادة غير عادلة ، كما هو الحال الآن تماما لولا قوانين الحرب الاستثنائية وفي هذا يقول ابن القيم في فصل عقده عن الأجور : ) فاذا قدر أن قوما اضطروا إلي السكن في بيت إنسان لا يجدون سواه . . أو غير ذلك وجب على صاحبه بذله بلا نزاع ( وبعد أن يعرض ابن القيم أقوال الفقهاء المسلمين في حق صاحب الدار بأخذ أجرة على إسكان غيره فيه يقول ) ومن جوز له أخذ الآجرة حرم عليه أن يطلب زيادة على أجرة المثل

العقوبات الضامنة للتسعير الالزامي

بعد أن يوجب ابن قيم الجوزية على السلطان التسعير الإلزامي إذا اقتضته المصلحة العامة ، لا يغفل عن ذكر ما يضمن التقيد بهذا التسعير وعدم الاحتيال للانفلات من قيوده ، فيري لذلك ضرورة معاقبة المخالفين ) . . وأما إذا امتنع الناس من بيع ما يجب عليهم بيعه ، فهنا يؤمرون بالواجب ويعاقبون على تركه ، وكذلك كل من وجب عليه أن يبيع بثمن المثل فامتنع ( ، كما أنه يري للقضاء على الاحتكار وتأديب المحتكرين أن ) لولي الأمر أن يكره المحتكرين على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه ( ؛ وهذا الإكراه الذي يقوم به السلطان يتضمن جميع الوسائل التي - يراها كافلة لتنفيذ أوامره المبنية على مقتضيات المصالح العامة حسب الظروف والحالات المختلفة . ولقد اختلف العلماء في مدى هذا الإكراه وتلك المعاقبة ، وإلى أي حد يصلان ؛ وكان أصحاب أبي حنيفة أشد الفقهاء احتراما لحرية الفرد ، ولكنهم قالوا : ) لا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس  إلا إذا تعلق به حق ضرر العامة ، فإذا رفع إلي القاضي أمر المحتكر . . نهاه عن الاحتكار ، فإن أبي حبسه وعزره على مقتضي رأيه زجرا له ودفعا للضرر عن الناس ( .

ولكن هل يحكم القاضي بمصادرة الأموال المحتكرة وبيعها ؟ لاشك في هذا لأنه من درجات الإكراه المتروك تقديرها لرأي الحاكم ؛ وهذه المصادرة والبيع بغير رضا المالك الأصلي بالرغم من مماثلتها لبيع مال المدين ، وهو في جوازه على الخلاف المعروف عند الفقهاء فقد ) قيل ببيع - القاضي - ههنا بالاتفاق لأنه - حتى أبي حنيفة - يري الحجر لدفع الضرر العام . . (

والمصادرة في الشريعة الإسلامية ادلتها القوية ، وقد اتخذ العلماء قضاء الرسول صلى الله عليه وسلم في قضية عتق  العبد المشترك ) اصلا في جواز إخراج الشئ من ملك صاحبه قهرا بثمنه للمصلحة الراجحة ( ؛ وإذا اجاز الشرع نزع الملكية لمصلحة شريك أو شخص ثالث ، فإنه بلاشك يجيز ، عند اقتضاء المصلحة العامة ، مصادرة أي شئ يمتلكه  فرد أو جماعة من الطعام واللباس وآلات الحرب وغير ذلك من الأشياء والمنافع المختلفة

وإذا كان القياس في قضاء الرسول عليه الصلاة والسلام يقضي بأن تكون المصادرة بثمن المثل ، فإنها عندما تكون بشكل عقوبة لا يبقى فيها عنصر الألم مع دفع الثمن فتفقد مزيتها ؛ لهذا كان للقاضي الحكم بالمصادرة المطلقة لأموال المحتكرين ومخالف التسعير الإلزامي إذا ارتاها ، لأن الذي يملك العقوبة البدنية يملك ما دونها ، والمال دون النفس مرتبة ) ١ ( وإذا كان ) عمر بن الخطاب يطرح اللبن المغشوش في الأرض أدبا لصاحبه . ( فالمصادرة لمصلحة بيت المال أولى من الاتلاف في غير المغشوش والمضر بالصحة العامة ) ٢ ( .

ومن العقوبات الرادعة التي ذكرها ابن القيم المنع من تعاطي البيع ، فإن ) صاحب السوق يسعر على الجزارين لحم

الضأن بكذا ولحم الإبل بكذا وإلا خرجوا من السوق ( ، ولقد أعطي ابن القيم المنع في هذا المثل شكل التخيير بينه وبين اتباع اوامر السلطان والسعر المعين من قبله ، ولكنه قد يبلغ حد الإقصاء والطرد من تعاطي مهنة التجارة كعقوبة ينزلها الحاكم ممن يخالف أوامره ) . . وعلي صاحب السوق الموكل بمصلحته أن يتفقد السوق  أبدأ فينها هم - التجار - عن الزيادة على الربح الذي جعل لهم ، فمن خالف أمره عاقبه وأخرجه من السوق ( .

وأخيرا بعد أن يسرد ابن قيم الجوزية ، خلال أبحاثه ، أدلة التسعير والمصادرة ، ويأتي بأقوال الفقهاء على اختلاف مذاهبهم ويناقشها ، وبعد أن يخرج من كل ذلك بجواز المصادرة والتسعير الإلزامي للأموال والمنافع والخدمات ، عند اقتضاء المصلحة العامة لكل هذا أو بعضه ، يختم بحثه قائلا : ) وجماع الأمر أن مصلحة الناس إذا لم تتم إلا بالتسعير سعر عليهم تسعير عدل لا وكس ولا شطط ( ١ ه .

لعل فيما نقلته من كتاب الطرق الحكمية ما يثبت لنا قيمة هذا الكتاب ودقة تفكير مؤلفه - من الناحية التي عالجتها على الأقل ، وهي بالحقيقة ليست شيئا كبيرا بجانب المسائل الهامة التي عالجها المؤلف - وكل هذا على ما في الكتاب من تكرار وإسهاب مملين ، وقلة تنسيق ، وبعد عن التبويب المرغوب فيه في العصر الحديث ، ولكن كما يقول الأستاذ الكبير الحصري في دراساته عن مقدمة ابن خلدون ، أن علي ) كل باحث يقوم بمطالعة كتاب قديم أن يتأمل في كل موضوع من مواضيعه ، وبكل مسألة من مسائله على حدة ( ، لأن الكتب القديمة ) لا يجوز ان توزن بالموازين الفكرية العصرية ، بل يجب ان تقدر بموازين تاريخية خاصة ( ، وان على من يقرأون تلك المؤلفات القديمة ) ان يلتفتوا الي عدد القرون التي تفصل بيننا وبين تاريخ كتابة ( تلك المؤلفات ، كل هذا ليخرجوا منها بكل نافع مفيد ، وليكون حكمهم عليها حكما دقيقا عادلا

دمشق

اشترك في نشرتنا البريدية