تحدثت فى مقالين سابقين نشرتهما مجلة ˒˒الثقافة˓˓ الغراء عن بعض اصول فى علم الصوت ، وقرنتها بقول ˒˒إخوان الصفاء˓˓ فيها . واليوم أعود إلى هذا الموضوع إذ لا تزال له بقية تتضمن أهم أصول هذا العلم وأعمقها . وموضوع مقال اليوم هو ˒˒شدة الصوت والعوامل التى تؤثر فيها˓˓ ، والمرجع الذى أعتمد عليه فيما أضيفه لهؤلاء الإخوان من أقوال وآراء عن هذه الظاهرة الصوتية هو ˒˒رسائل إخوان الصفاء˓˓ المطبوعة بالمطبعة العربية بمصر سنة ١٩٢٨ م .
وسيأتى ذكر ((الصونومتر))˓ فى موضع من مواضع هذا المقال ، وفى المقالات القادمة إذا شاء الله ، فيحسن أن نصفه وصفا موجزا ليكون ما يدور حوله من الكلام مفهوما واضح الدلالة . فالصونومتر آلة صوتية تستخدم
كثيرا فى معامل الطبيعة ، فلا يمكن الاستغناء عنها ؛ فهو يستخدم فى توضيح الاهتزازات المستعرضة فى الأوتار ، وفى توضيح معنى سعة الذبذية ، كما يستخدم فى إثبات قوانين اهترزات الأوتار التى توضح تأثير العوامل المختلفة فى درجات النغمات التى تصدرها الأوتار ، كما يستخدم فى مقارنة تردد شوكة رناية بتردد شوكة أخرى ، وبذلك يمكن تعيين تردد شوكة مجهول ترددها إذا علم تردد شوكة أخرى ، وذلك عن طريق المقارنة ، كما يستخدم فى توضيح ظاهرة الاتحاد النغمى ، فهو جهاز نافع وضروري لا يمكن الاستغناء عنه .
وللصونومتر أشكال مختلفة بقدر ما يدخل عليه من التحسينات المختلفة ، ولكنه فى جميع أشكاله يتوقف عمله على فكرة أساسية واحدة ، وهى تضخيم أصوات الأوتار المشدودة عليه ، كما سنبين ذلك فى الموضع المناسب .
ونثبت هنا وصف أحد الصونومترات : فهو يتركب من صندوق خشبى رقيق الجدار ، به فتحتان جانبيتان ، يحمله قائمان رأسيان ، وتوجد فوق غطاء ، الصندوق قنطرتان من الخشب ثابتان يمر عليهما سلك معدنى مثبت احد ملزقيه فى الصندوق ، ومعلق فى طرفه الثانى الخالص الذى يمر فوق بكرة جملة أوزان مختلفة ، تمكن بواسطة تقليلها أو تكثيرها تغيير درجة توتر السلك ، وكذلك يوجد مادة أسفل الوتر قنطرة من الخشب متحركة على مقياس مدرج على طول سطح الصونومتر ، وفائدة القنطرة المتحركة تغيير جزء الوتر المهتز ، وفائدة المقياس تقدير طول هذا الجزء المهتز من الوتر ، ويمكن أن تشد أوتار أخرى بهذه الطريقة على سطح الصونومتر عند إجراء التجارب المختلفة عليها .
-١٧٢٧-
شدة الصوت :
تتوقف شدة الصوت على عدة عوامل مختلفة تناول بعضها ˒((إخوان الصفاء))˓˓بالبحث فى رسائلهم . فالمسافة وسعة الذبذبة وحركة الهواء وشدة الرياح وملامسة الجسم الصوت لأجسام رنانة وكبر سطح الجسم المصوت ، هى من العوامل التى تؤثر فى شدة الصوت ، وهى العوامل التى عرض لبحثها˒((إخوان الصفاء)) . أما اثر كثافة الوسط الذي ينتقل فيه الصوت فلم يفطنوا إليه . ونحن نعرض فيما يلي لهذه العوامل .
أولا - المسافة :
إذا وضعت أذنك بالقرب من مصدر صوت ثم ابتعدت تدريجيا فان شدة الصوت تضعف ، وأما إذا قربت من هذا المصدر فان شدة الصوت تزداد . وذلك لأنه إذا حدث صوت فى الهواء المطلق ، فان التموجات الصوتية تنتشر فى الطبقات الهوائية المحيطة بمصدر الصوت من جميع الجهات على شكل كرات مركزها ذلك المصدر ؛ فكلما بعدت المسافة عن مصدر السوت ضعف تأثيره فى الأذن ، ويقال حينئذ إن شدته أخذت فى النقصان ؛ ويمكن التحقق من ذلك عمليا بوضع الأذن بالقرب من مصدر صوت مستمر كساعة حائط ، وإبعاد الأذن عنها وتقريبها منها . وفى هذا المعنى يقول ˒˒إخوان الصفاء˓˓ :
˒˒((... وإذا كان الهواء ساكنا وصل ذلك الصوت إلى الحاسة إذا كان في مكان يمكن أن يتصل به ذلك التموج والحركة الحادثة فى الهواء ، فأما إذا كانت المسافة بعيدة فانها لا تدركه ، وتتلاشى تلك الحركة وتنفذ قبل وصولها إليها ...))˓˓ (ج ٣ ص ١١٩ س ١٢) .
ثانيا - سعة الذبذبة :
إذا شد وتر على صوتومتر وجذب عند منتصفه ثم أطلق ، يلاحظ أنه يهتز كقطعة واحدة ما عدا نهايتيه ،
ويلاحظ أن شدة الصوت الذى يصدره الوتر أثناء اهتزازه تتضاءل تدريجيا كما تضاءلت سعة الذبذبة حتى ينعدم الصوت عندما يرجع الوتر إلى وضعه الاول قبل إزاحته ، أى عندما يسكن وبذلك تصير سعة الذبذبة صفرا .
وكذلك عندما يصطدم جسمان ، فان كانت الصدمة قوية كانت سعة اهتزازاتهما أولا كبيرة ، وتكون شدة الصوت الصادر عن اصطدامهما كبيرة ، وهى لا تلبث أن تضمحل تدريجيا باضمحلال سعة اهتزازات الجسمين المهتزين ، حتى إذا ما سكن الجسمان انعدم الصوت كذلك . وفي هذا المعنى يقول ˒˒إخوان الصفاء˓˓ :
˒˒... وإن كانت (أى الأوتار) متساوية فى الغلظ والطول والحزق (شدة التوتر) مختلفة فى النقر (أى شدة الازاحة) كان أشدها نقرا أعلاها صوتا˓˓ . (ج ١ ص ١٤٢ س ٩) .
وفى موضع آخر يقولون : ˒˒((... وأما الجهير والخفيف من الأصوات فبحسب قوة الحركة وضعفها ...˓))˓ (ج ٣ ص ١٤٦ س ٣) .
وفى موضع آخر يقولون : ˒˒... إن علة عظم الصوت إنما هى بحسب عظم الأجسام الصوتة وشدة صدمها وكثرة تموج الهواء فى الجهات عنها ...˓˓ (ج ١ ص ١٣٨ س ٢١) .
ثالثا - حركة الهواء واتجاه الرياح :
تختلف شدة الصوت باضطراب الهواء واتجاه الرياح ، بدليل أن الصوت ينتشر بانتظام وقت أن يكون الهواء ساكنا ، بخلاف ما إذا كان الهواء مضطربا ، فإن شدة الصوت فى اتجاه هبوب الرياح تكون أقوى منها فى الاتجاه المضاد إذا تساوت المسافة ، ويتعذر سماعها على الأذن إذا كانت الرياح هوجاء تأخذ سيرها فى جميع الاتجاهات .
وفى هذا المعنى((˒إخوان الصفاء)) : ˒((˒... وأما حاسة السمع فإنها لا تكذب وقلما تخطئ ، وذلك لأنه
-١٧٢٨-
ليس بينها وبين محسوساتها إلا واسطة واحدة وهى الهواء ، فإنما يكون خطؤها بحسب غلظ الهواء ورقته ، وذلك أنه ربما كانت الريح عاصفة والهواء متحركا حركة شديدة ، فيصوت المصوت فى مكان قريب من المسامع فلا يسمع من شدة حركة الهواء وهيجانه ، فتكون حركة ذلك الصوت يسيرة فى شدة حركة الهواء وهيجانه ، فيضعف عن الوصول إلي الحاسة السامعة˓˓ ، (ج ٣ ص ١١٩ س ٦) .
رابعا - ملامسة الأجسام الرنانة :
إذا طرقت شوكة رنانة بجسم صلب ، فانها تهتز ويسمع لها صوت ضئيل ، فاذا وضعت على صندوق أجوف رنان من الخشب الرقيق يلاحظ ازدياد شدة الصوت الصادر فيها ؛ وكذلك يسمع للأوتار المهتزة فى الهواء صوت ضعيف ؛ ولكن إذا شدت على صناديق رنانة كما فى العود والقانون والرباب والكمان يزداد صوتها شدة .
وقد لاحظ ((إخوان الصفاء)) هذه الظاهرة فنجدهم عند وصفهم للعود يقولون : ˒˒ ((... ينبغى أن تتخذ الآلة التى تسمى العود خشبا طوله وعرضه وعمقه يكون على النسبة الشريفة وهى أن طوله مثل عرضه ومثل نصفه ، ويكون عمقه مثل نصف العرض وعنق العود مثل ربع الطول ، وتكون ألواحه رقاقا متخذة من خشب خفيف ، ويكون الوجه رقيقا من خشب صلب خفيف بطن إذا نقر ....˓˓ (ج ١ ص ١٤٩ س ٢) .
خامسا - سطح الجسم المصوت :
كلما يتسع سطح الجسم الصوت المهتز يكثر سطح الهواء اللامس له ، كما تكثر اهتزازات الجسم نفسه ، فتشتد اهتزازات الهواء وحركاته ، وحدث عند ذلك تضخيم الصوت الصادر عن مثل هذه الأجسام وتكبيره ، فالأجراس الصغيرة أصواتها أقل شدة من أصوات الأجراس الكبيرة ، وكذلك أصوات الطبول والدفوف الصغيرة صوتها أقل شدة من
أصوات الطبول والدفوف الكبيرة .
وكذلك الأجسام إذا تصادمت ، فما كان منها أكبر جسما كانت أصواتها أقوى شدة ، وما كان منها أصغر جسما كانت أصواتها اضعف شدة ؛ وعلة ذلك كما تقدم قلة الاهتزازات التى تحدث فى سطوحها وكثرتها فى الأجسام الصغيرة والأجسام الكبيرة على الترتيب وما يترتب على ذلك من ضعف اهتزازات الهواء الملامس لها وقوتها .
وقد فطن ((إخوان الصفاء)) لهذا العامل فيقولون : ˒˒ ... فأما الكبير والصغير من الأصوات فإن المثال فيها أصوات الطبول الكبار والصغار ، وذلك أن أصوات طول المواكب إذا أضيفت (أى نسبت) إلى أصوات طبول المو كانت كبيرة ، وإذا أضيفت إلى أصوات طبول الكوس كانت صغيرة ، وإذا أضيف صوت الكوس إلى صوت الرعد كان صغيرا ، وعلى هذا المثال تعتبر الأصوات فى الصغر والكبر بإضافة بعضها إلى بعض ...˓˓ (ج ٣ ص ١٤٥ س ١١) .
ملاحظة : ويخبرنا ((˒إخوان الصفاء))˓ عن الكوس فيقولون : ˒˒والكوس هو طبل عظيم يضرب في ثغور خراسان عند النفير ، بسمع صوته من فراسخ )) (ج ١ ص ١٤١ س ٦) .
وفى موضع آخر يقولون فى هذا المعنى : ˒˒ ((... والأجسام الكبار العظام إذا تصادمت يكون اصطدامها أعظم من أصوات ما دونها لأن تموج هوائها أكثر ، وكل جسمين من جوهر واحد ، مقدارها واحد وشكلهما واحد ، إذا تصادما معا فإن صوتهما يكونان متساويين ...))˓˓ ( ج ٣ ص ١٤١ س ٢٣ ) .
نكتفى بهذا القدر الآن ، وسنتحدث فى مقال قادم عن درجة الصوت والعوامل التى تؤثر فى درجات الأنغام التى تصدرها الأوتار والأعمدة الهوائية المهتزة .
-١٧٢٩-

