في مقال سابق لي نشرته مجلة " الثقافة " الغراء ، استعرضت بحوثا في علم الصوت ضمنها " إخوان الصفاء " رسائلهم المعروفة باسمهم ، وقد عالجوا في هذه البحوث بعض اصول هذا العلم . واليوم أعود فأذكر لهم بعض بحوث اخري في الموضوع نفسه ، معتمدا على المصدر نفسه الذي ذكرته في المقال السابق .
١- مصادر الصوت ودلالة أصواتها:
يمكن تقسيم مصادر الصوت - أي الأجسام المصوتة - إلي قسمين رئيسيين : حيوانية ومنها الانسان والحيوان ، وغير حيوانية ومنها الآلات الموسيقية بأنواعها . ويتوقف صدور الأصوات عن الأجسام المصونة بنوع إما علي اهتزاز أوتار ( جبال صوتية ) أو اهتزاز هواء محدود او غير محدود . والاصوات الصادرة قصيرة الأمد ،
أو إن طالت فدائمة التغير ، تعرف بالدوي مثل دق الطارق والتصفيق ، وقصف المدافع ولغط الأمواج ، وهذا الدوي يتركب من عدة اصوات لا توافق بينها . والأصوات الحادثة من اهتزازات دورية منتظمة تحدث في الانسان احساسا مستمرا بطرب لسماعها ، تعرف بالأصوات الموسيقية ، واصوات الناس إذا كانت منطقية بحروف منطوقة ودالة على معان مفهومة يتكون منها الكلام
ويحدثنا إخوان الصفاء في هذه المعاني فيقولون : " . واعلم يا اخي ان الأصوات نوعان : حيوانية وغير حيوانية . . وغير الحيوانية ايضا نوعان : طبيعية والية ، فالطبيعية هي كصوت الحجر والحديد والخشب والرعد والزيخ وسائر الأجسام التي لا روح فيها من الجمادات ، والآلية كصوت الطبل والبوق والزمر والأوتار وما شاكلها والحيوانية نوعان منطقية وغير منطقية ؛ فغير المنطقية هي أصوات سائر الحيوانات الغير الناطقة ؛ وأما المنطقية فهي اصوات الناس وهي نوعان : دالة وغير دالة ، فغير الدالة كالضحك والبكاء والصياح ، وبالجملة كل صوت لا هجاء له ، واما الدالة فهي الكلام والأقاويل التي لها هجاء . ( ج ١ ص ١٣٧ س ٥ ).
وفي موضع آخر يقولون : " . فهذه كلها أصوات فما كان منها عن أجسام الحيوان قبل أصوات ونغمات وما كان منها عن حركة الهواء قيل صفير وزمير ، وما كان عن حركة الماء قيل دوي وخرير وأمواج ، وما كان من المعدنيات والاحجار والخشب قيل وقع وطنين ونقر " ( ج ٣ ص ١٢٧ س ١٧ )
ثم يحدثوننا عن الكلام فيقولون : " . اعلم يا أخي أن الكلام هو صوت بحروف مقطعة دالة على معان مفهومة من مخارج مختلفة ، وأبعد مخارج الحروف أقصي الخلق . وهو مما يلي اعلي الصدر ، والصوت من الجسم في الرئة بيت الهواء . . واصل الأصوات في الرئة هواء يصعد إلي ان يصير إلي الحلق فيديره على حسب مخارجه ؛ فإن خرج علي حروف مقطعة مؤلفة عرف معناه وعلم خبره ، وإن خرج على غير حروف لم يفهم كان كالنهاق والرغاء (١) والسعال وما اشبه ذلك ؛ فإن رده اللسان إلي مخرجه العلوم في حروف مفهومة يسعي كلاما ونطقا بأية لفظة كانت ، على حسب الموافقة ، ومساعدة الطبيعة لكل قوم في اتساع حلوقهم وسهولة تصرفهم في مخارج كلامهم ، وخفة لغاتهم بحسب مزاج طبائعهم واهوية بلدانهم واغذيتهم . . " ( ج ٣ ص ١٢٥ س ٩ ).
٢- الرنين وأثره في شدة الصوت :
الرنين في الصوت هو تقوية او ازدياد شدة الصوت الصادر من جسم بواسطة اهتمام جسم اخر متأثر بالجسم الأول ، ولتوضيح ظاهرة الرنين تؤخذ شوكة رنانة ( أو سكين عادية رقيقة )، وتطرق بسرعة وبقوة في جسم صلب فيسمع لها صوت ؛ فإذا وضعت هذه الشوكة - وهي ما تزال تهتز وتحدث صوتا - فوق صندوق رنان من الخشب ، يلاحظ ازدياد شدة صوتها نظرا لاهتزاز الهواء داخل الصندوق ، واتساع سطح الصندوق الذي يهتز ايضا ، فيعمل كل هذا على ازدياد شدة صوت الشوكة ، ولذلك تصنع الصناديق الرنانة عادة من خشب الصنوبر ، لأنه قليل الكثافة عظيم المرونة ، والأوتار إذا شدت في الهواء المطلق لا يسمع لها إلا صوت ضعيف إذا كانت بعيدة عن أجسام رنانة وأما إذا شدت على صناديق رنانة كما في العود والقانون والكمان والرباب ازدادت شدة الصوت ، وذلك
لأن اهتزاز هذه الصناديق ، وكذا ما بداخلها من الهواء يزيد في سعة الطبقة الهوائية المهتزة ، ولذلك تستعمل الصناديق الرنانة في تقوية اصوات الخطباء في حجرات الخطابة ، فتوضع هذه الصناديق على ابعاد خاصة ويكون بعضها خلف منصة الخطابة ، فيمكن بذلك تكبير صوت الخطيب ؛ ولكن اخذت هذه الصناديق الرنانة تختفي منذ اخترعت مكبرات الصوت الكهربائية حتى صارت في حيز العدم الآن .
وقد عالج " إخوان الصفاء " هذه الظاهرة في رسائلهم فيقولون : " . . وكل جسمين من جوهر واحد مقدارهما واحد ، وشكلهما واحد ، نقرا نقرة واحدة معا فإن صوتيهما يكونان متساويين ؛ فإن كان أحدهما أجوف كان صوته أعظم ، لأنه يصدم هواء كثيرا داخلا وخارجا والأجسام الملس أصوتها ملساء ، لأن السطوح المشترك التي بينها وبين الهواء ملساء ، والأجسام الخشنة تكون أصواتها خشنة ، لأن السطوح المشتركة بينها وبين الهواء خشنة ، والأجسام الصلبة المجوفة كالأواني والطرجهارات(١) والجرار ، إذا نقرت طنت زمانا طويلا ، لأن الهواء في جوفها يتردد ويصدمها مرة بعد مرة ، وتارة بعد اخري ، إلي أن يسكن ، فما كان منها أوسع كان صوتها أعظم ، لأنه بصدم هواء كثيرا داخلا وخارجا ، والبوقات الطوال كان صوتها أعظم لأن الهواء المتموج فيها بصدمها في مروره مسافة بعيدة ، والحيوانات الكبيرة الرئات ، الطويلة الحلاقيم ، الواسعة المناخر والأشداق ، تكون جهيرة الأصوات ، لأنها تستنشق هواء كثيرا وترسله بشدة فقد تبين بما ذكرنا أن علة عظم الصوت إنما هي بحسب عظم الأجسام المصوتة ، وشدة صدمها ، وكثرة تموج الهواء في الجهات عنها . . ( ج ١ ص ١٣٨ س ٩ )
ويقولون في هذا المعنى في موضع آخر في رسائلهم : " ومثالها (٢) في ذلك مثال أصوات الحيوانات ، فكلما كان في نفسه أمثل ، ورثته أقوي ، كان صوته اعظم وأبعد مسافة في الهواء لشدة حركته ، وكذلك ما كان من الجواهر المعدنية أشد صلابة وأكثر يبوسة ، كان أرفع طنينا ، وأشد تصوبنا ، فإذا اتفق أن يكون مصنوعا لذلك ، والقصد منه التصويت والطنين ، مثل الجلاجل والطرجهارات للحصون التي تستعمل على الأسوار والثغور ، فإن اصواتها وطنينها يمكث في الهواء على قدر اتساع تلك الأواني وضيقها . . " ( ج ٣ ص ١١٥ س ٢٣ ).
٣ - نوع الصوت :
تختلف التأثيرات التي تحدثها النغمات الصوتية المتساوية التردد ( يقاس التردد بعدد الاهتزارات في الثانية ) إذا صدرت من مصادر صوتية مختلفة ، ولو كانت هذه النغمات متحدة الشدة أيضا ، فيسهل على الأذن مثلا أن تميز بين نغمات متحدة في الدرجة والشدة ، وصدرت من وتر عود أو من صفارة أو من مغن ، فنوع النغمة هو ما يميزها عن نغمة أخري متحدة معها في الدرجة والشدة . وقد بحث العلماء فيما يسبب الإحساس الذي يمكن الأذن من التمييز بين النغمات المختلفة بعضها عن بعض في النوع ، الصادرة من الآلات الموسيقية المختلفة ، فتوصلوا إلي أنه عندما يحدث صوت موسيقى ذو درجة معينة تكون نغمته مصحوبة بسلسلة من النغمات ، تزيد عليها في الدرجة ، وتقل عنها في الشدة ، وأن السلسلة التي تصحب نغمة العود تختلف عن السلسلة التي تصحب نغمة الصفارة أو أية آلة موسيقية أخري متفقة مع الأولى في الدرجة والشدة ؛ وهذا الاختلاف في السلاسل النغمية التي تصحب النغمات الأصلية التي تصدرها الأجسام المصونة بسبب اختلاف الاحساس بالنغمات المتحدة في الدرجة والشدة ، فتستطيع
الأذن أن تفرق بين الصادرة من الكمان او البيانو او العود وغيرها من الآلات الموسيقية المختلفة : وقد بحث إخوان الصفاء في هذه الظاهرة فيقولون : " . وأعلم أن كل صوت له نفسه وصفية وهيئة روحية خلاف صوت آخر ، وان الهواء من شرف جوهره ولطافة عنصره يحمل كل صوت بهباته وصفته ويحفظها لئلا يختلط بعضها ببعض فيفسد هبأتها إلي ان يبلغها إلي اقصي مدى غايتها عند القوة السامعة لتؤديها إلي القوة المتخيلة التي مسكنها الدماغ " ( ج ١ ص ١٣٧ س ٢١ ).
وفي موضوع اخر من رسائلهم يقولون : " . فان كان صوتا مفهوما يدل علي معني توجهت المعرفة بذلك ، وإن كان غير مفهوم فانه لابد ان يستدل بصفاء جوهره ، على ذلك الصوت ، ومن اي جوهر حدث وعن آية حركة عرض ، وهو يستدل على ذلك من ماهية الصوت وكيفية التموج والقرع والحركة الواصلة إلي حاسة السمع . ومثال ذلك طنين الطاس ، فإنه إذا سمعه الانسان قال هذا طنين الطاس حدث من قرع شيء اخر اصابه وكذلك صوت الحديد والذهب والفضة وغير ذلك ، فان اصواتها إذا حدثت تكون مختلفة بحسب اختلاف جواهرها وتباين طباعها من الصلابة والرخاوة واللين واليبوسة . ( ج ٣ ص ١١٥ س ١٣ ) .
وفي موضع آخر يقولون في هذا المعنى : " . . فالإنسان إذا سمع صوت الخشب والحديد والماء والريح امكنه ان يخبر عن صوت كل واحد مبها وينسبه إلي ما حدث عنه وخرج منه . . " ( ج ٣ ص ١١٧ س ٣ ) . نقف عند هذا الحد من بحوث " إخوان الصفاء " في اصول الصوت . وسنعود إلي استكمال البحث في هذا الموضوع في فرصة أخري أرجو أن تكون قريبة إن شاء الله .
