الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 606الرجوع إلى "الثقافة"

دراسات فى الأدب المصرى الحديث :، الخليل

Share

رب القريض وسيد القلم     وفيت قسطك للعلى فتم ( ١ ) هذا الشاعر الذى ملك زمام الشعر وناصية اللغة وقاد ثورة فى عالم الشعر ، كان من أكبر الناس قلبا وأنبلهم نفسا وأكرمهم شمائل ، وكانت حياته دعوة للسلم متصلة ونداء المحبة والإخاء بين الناس ، وأنشودة عذبة من أناشيد الحب لبنى الإنسان ، وليس هذا بمستنكر ممن نشأ نشأة الخليل .

فلقد ولد خليل مطران فى مدينة بعلبك بلبنان عام ١٨٧١ م ، على أرجح الأقوال . من أسرة عريقة ، وتلقى علومه فى المدرسة البطريركية ببيروت وعن العلامة ابراهيم البازجى حجة اللغة والأدب فى عصره ، وقد قضى فى لبنان صدر شبابه . ثم هجره إلى باريس حيث نهل من منابع الآداب الغربية وعلومها ما ظهرت آثاره فى أشعاره وكتاباته .

وفى باريس اشترك فى بعض الحركات الوطنية التى رمت إلى تحرير الوطن العربى ، ثم عاد إلى مصر التى اتخذها موطنا له .

وفى مصر ساهم فى تحرير الأهرام واللواء والمؤيد ، وظهر نبوغه فى تحرير المجلة المصرية والجوائب ، وقد عين مراسلا للأهرام فى القاهرة عندما كانت تصدر فى الاسكندرية ؛ وبعد انتقالها إلى القاهرة طلب منه أن يتولى رياسة تحريرها فاعتذر عن قبول هذا المنصب وتحول إلى الحياة العاملة ، وكانت له أوجه نشاط فى ميادين الاقتصاد فربح كثيرا وخسر كثيرا ، إلى أن انتهى به المطاف إلى العمل سكرتيرا للجمعية الزراعية ، وقد ظل يقوم بأعباء هذا المنصب إلى أواخر أيامه .

وفى عام ١٩٣٥ تولى إدارة الفرقة القومية المصرية للتمثيل العربى ، وبقى فى إدارتها سبعة أعوام تقريبا .

وقد ألحت عليه العلة فى أيامه الأخيرة حتى عاقته عن النهوض بأى عمل ، وحتى رغبت إليه الموت فقال مخاطبة تمثالا له :

مثالى إننى أرنو        إليك وإن بى رفقا

دنا أجلى فيا جذلى     ولكن أنت قد تبقى

أخاف عليك أن تحيا   ومن يحيا ولا يشقى ؟

وقد ودع الخليل شقاء الدنيا هذا فى مساء الخميس ثلاثين من يونيه عام ١٩٤٩ .

العوامل المؤثرة فى شعره

لقد أطال الله فى عمر الخليل سبعا وسبعين عاما استطاع أن يشهد خلالها أحداثا جساما فى الشرق العربى ، وأن يتأثر ويؤثر فيما طرأ على الآداب العربية من تطورات بعيدة المدى عميقة الأثر

وتعاقبت على هذا الشرق فى حياته ثورات سياسية وحروب مختلفة .

ثم الثورة العرابية فى مصر ، إلى حرب البوير ، وحرب الجبل الأسود إلى الحرب العظمى الأولى ، ثم الحرب العالمية الثانية .

وكنا دائما نشهد انعكاس آثار هذه الأحداث فى شعره ونفسه . . نفسه الآبية التى تبغض الظلم والظالمين وتكره البغى والمباغين ؛ فاستمعوا إلى هذه الصرخة المدوية يرسلها عند شبوب حرب البوير :

ولنبك من ماتوا وما   منهم جبان منهزم

ولنرث للضعفاء يفنيهم قوى مغتشم

خطب رآه المنصفو      ن كان أحياهم صنم

رأوا الذئاب فحاولوا     أن يدرأوها بالحكم

أين القضاء إليه أر     باب الممالك تختصم ؟

أين الحقيقة أين إنـ     صاف البرئ إذا ظلم ؟

من للضعيف إذا شكا   وعلى القوى إذا أثم

وفى قصيدة أخرى يقول وقد هاله ما لحق القوم من أذى وظم مبين ، وهم عزل إلا من أسلحة بدائية قديمة يحاربون بها قوما مدججين بالمدافع والأسلحة الحديثة :

شيدوا تاريخكم من نقض ما

شاده فى أزل الدهر الطغاة

ثابروا فى وثبكم ولتهننا

فى تلاشينا الهنات الهينات

تابعوا النصر بنصر ولتكن

خجلة الأنذال هذى النصرات

يصفع الجبار من تعدمه

منكم للضرب والطعن أداة

وصحب هذا الاضطراب فى الأوضاع السياسية وانتشار الظلم والعدوان ضعف فى الأخلاق وإسفاف بين الناس يصوره لنا مطران فى هذه الأبيات البليغة :

رأيت حروبا أوقد الظلم نارها

فمادت لها الآفاق واهتزت الربى

جرت مهج الأبطال فيها زكية

كأن الثرى بالأرجوان تجلببا

إذا الشمس جرت فوقه ثوب نورها

طوته وراح الثوب بالدم مشربا

رأيت أساطين السياسة حلقوا

فخلت لهم عند المجرة مطلبا

ولكن أسفوا بعد حين كأنهم

نسور هوت تبغى من الدم مشربا

ولا شك فى أنه كان لظروف المجتمع التى أحاطت بمطران أثر بالغ فى شعره ، بل لقد أفسد هذا المجتمع بعض شعره . .

لقد كان مطران أبى النفس حر الطباع نزاعا إلى التحرر من القيود لا سيما قيود الظلم ؛ ولذا تراه يدافع عن حرية الرأى ويحمل على قانون المطبوعات فى مصر ؟ وكان من أثر هذا الدفاع أن هدده رئيس وزارة ذلك الزمان بالنفى فأجابه بقصيدة عنوانها " تهديد بالنفى " .

أنا لا أخاف ولا أرجى       فرسى مؤهبة وسرجى

فإنا نبا بى متن بر           فالمطية بطن لج

لا قول غير الحق لى        قول وهذا النهج نهجى

الوعد والإبعاد ما           كانا لدى طريق فلج

ومن دلائل روحه الجريئة المقدام شغفه فى صباه بركوب الخيل والسبق على متونها حتى وقع من فوق أحد الجياد ذات مرة فتكسرت أضلاعه وتهشمت أرنبة أنفه

وهذه الجرأة نلمحها فى تركه الصحافة إلي الزراعة والتجارة والمضاربات وعدم استقراره على حال واحدة فى حياته . لكن ظروف البيئة المحيطة كانت تكبح هذه الجرأة . . لقد رأى الأحرار تنقل أشلاؤهم بالحديد وتطرح فى أعماق البسفور ، ورأى قلم المراقبة التركية ينهال على الصحف فتقفر حقولها وتغل أعناقها ، فنرى الخليل بعد ذلك يؤثر التلميح فى قصائده الوطنية كقصيدة ( شيخ أثينه ) وهى دعوة حارة لمقاومة الاستعمار الغاشم ، وفى قصيدة ( مقتل بزر جمهر ) يرمى إلى تصوير ظلم السلطان عبد الحميد الذى كان يسوق أحرار العرب إلى القتل ، غير مراع فيهم إلا ولا ذمة ، وهو يستحث القوم ليثوروا على الظلم بالموجع من القول مستترا وراء بزر جمهر :

فلأنت كسرى ما ترى تحريمه

كان الحرام وما تحل حلالا

وليذكرن الدهر عدلك باهرا

ولتحمدن خلائقا وفعالا

لو كان فى تلك النعاج مقاوم

لك لم تجىء ماجئته استفحالا

وهل كان يعقل أن يعيش المرء جوابا فى الآفاق كلما ثيابه بر طوى خيمته وارتحل ؛ ولو قدر الرجل فى شبابه على الهجرة والترحال فهل تستطيع الشيخوخة أن تعينه على مجاراة عواطفه ؟

وإذا كان هذا من غير المعقول فكان إذا على مطران أن يكبح جماح عواطفه وأن يكبت ثورته أو يخفف من غلوائها ، وأن يكيف نفسه وفق ظروف الجماعة التى يعيش فيها والتى شاع فيها الضعف والاستسلام ؛ ولذا نرى التعقل يسود حياته بعد ذلك ويلون الكثير من شعره ، فيزخر هذا الشعر بألوان من المديح والرئاء والتهانى فى حفلات الزفاف مجاملة للناس فى أفراحهم وأتراحهم حتى آخر أيام حياته ، وفى وقت اشتداد العلة عليه كان يلح فى طلب الصحف ليطالع الوفيات وأخبار المجتمع لمجاملة الناس .

وأعتقد أن أثر البيئة لم يقف عند هذا الحد ، بل دفع بمطران إلى التماس العزلة والابتعاد عن الناس ، حتى يأمن أذاهم بعد أن خالط نفسه شعور باليأس من صلاحهم أو صلاح دنياهم :

وكم فى فؤادى من جراح ثخينة

يحجبها برداى عن أعين الناس

إلى عين شمس قد لجأت وحاجتى

طلاقة جو ثم يدنس بأرجاس

أسرى همومى بانفرادى آمنا

مكايد واش أو تمائم دماس

يخالون أنى فى متاع حيالها

وأى متاع فى جوار لديماس ( ١ )

وهو شعور يردده فى شعره كثيرا ، فتراه فى قصيدة أخرى يقول :

متفرد بصبابتى متفرد

بكآبتى متفرد بعنائى

شاك إلى البحر اضطراب خواطرى

فيجيبنى برياحة الهوجاء

ثاو على صخر أصم وليت لى

قلبا كهذى الصخرة الصماء

وكان خليل مطران رقيق الشعور رقة مفرطة حساسا إلى درجة بالغة ، على قلبه حبا للناس والكون المحيط به ! وقد انعكست هذه الرقة فى شعره حتى ليخيل إلى عند ما أقرأ بعض أشعاره أن كاتبها روح صافية خالصة

تأمله معى يخاطب عصفورة رآها فى جنيف قرب تمثال جان جاك روسو :

سيرى وولى صدرك الـ   مشتاق شطر المربع

حتى إذا ما جئته          وشرعت أعذب مشرع

عوجى بيستان هنا        لك فى العراء مضيع

لى فى ثراه دفينة         كالكنز فى المستودع

تخفى الأزاهر قبرها     عن أعين المستطلع

قولى له إن جئته          يا أنس هذا البلقع

أتحس فى هذا الثرى      نبضات قلب موجع

هذا حنين من فؤا         د محبك المتفجع

وهو إلى جانب رقة الشعور يتحلى بتواضع جميل تنم عنه أشعاره الكثيرة كقوله :

كان فى الشعر لى مرام خطير

فعدا طوفى المرام الخطير

هائم فى الوجود أسأله الوحـ

ـى كما يسأل الغنى الفقير

أكبرونى ولست أكبر نفسى

أنا فى الفن مستفيد صغير

لا يضق صدر شاعر بأخيه

يكره الفضل أن تضيق الصدور

والسماوات لو تأملت فيها

ليس تحصى شموسها والبدور

كل جرم يعلو ويصبح نجما

فله حيز وفيه يدور

والنجوم التى تلوح وتختفى

ربوات وما يضيق الأثير

وهناك خاصة أخرى من خصائص مطران العظيم تدل على عمق شعوره بعظمته وسمو تفكيره وترفعه عن الحقد أو الحسد الذى يحسه أبناء الفن الواحد بعضهم لبعض

إنه يحب كل شاعر ، ويأخذ بناصية كل أديب ناشئ يلجأ إليه ، ويعتقد أن هذا الأديب سيكون نجما له حيز فى فلك الفن الذى يقص بالنجوم والشموس ، وكل فنان له طابعه الخاص ومجاله الذى يبرز فيه ، ولذلك تراه لا يتأخر عن الاعتراف بالفضل لشوقى وتقريظ ديوانه تقريظا شف عن نفس بلغت منتهى السمو الخلقى . . نفس فرحت فرحة قلبية خالصة بعمل شوقى :

ضمنت لهذا العهد ذكرا مخلدا

وجددت للإسلام معجز أحمدا

وبت لمصر بالمفاخر محتدا

ومن قبل كانت للمفاخر محتدا

لك الله من شاك عن الناس دهرهم

على حين لم يشكوا وقد جار واعتدى

ومن ساهر يفنى منار حياته

ضياء ليهدى غافلين ورقدا

ومن ناظم للملك تاج فرائد

من المدح تيجان الملوك له فدى

ومن منشد يحيى فخار جدوده

فيكسبهم مجدا بذاك مجددا

قواف يزين الشعر حسن نظامها

كما ازدان كأس بالحباب منضدا

وسبك يعيد اللفظ لحنا موقعا

ويبدى لنا المعنى الخفى مجسدا

أسحرا ترينا أم صحائف كلما

نقلبها وجها نرى عجبا بدا

بيانك سيف الحق فى مصر قاطعا

ذليلا به الباغى قتيلا به الردى

وذو العلم فليختر كتابك مؤنسا

كريما وأستاذا حكيما ومرشدا

بقى هناك عامل آخر - مرجعه البيئة أيضا - من العوامل التى أثرث فى شعر مطران وحياته ، هذا العامل الخطير هو قلة احتفال الناس فى عصره بالأدب والأدباء وندرة القراء فى العربية ، وهو عامل ما زال يشكو منه الأدب العربى ، وأعنى بالأدب الأدب الخالص والإنتاج الفنى الصحيح لا الصحافة الرخيصة .

وقد اضطر مطران عند ما ضاقت به سبل العيش عام ١٩١٤ ولم يسعه أدبه بما يسد الرمق إلى افتتاح حانوت صغير لبيع الفحم حتى يدرأ عن نفسه غائلة الجوع .

ولا شك فى أن هذه حال لا تشجع الأديب على الإنتاج ، بل الأرجح أن تدفع به إلى اليأس دفعا ، وقد عبر مطران عن شعوره فى إحدى مراثيه قائلا :

إربأ بنفسك أن تكون نجيبا

وازجر خليلك أن يكون أدبيا

فلقد أرى موت الأديب حياته

والعيش موتا يلتقيه ضروبا

وأرى جوائز فضله وعلومه

إعساره والداء والتعذيبا

يا للذكاء ينيرنا بضيائه

ويكون للجسم المضىء مذيبا

يا للعلوم نظنها نعما لنا

فنصيبها نقما لنا وخطوبا

اشترك في نشرتنا البريدية